تربية الحيوانات المفترسة.. تهديد صامت للأمن المجتمعي
مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
تشهد بعض المناطق في المجتمع العراقي خلال السنوات الأخيرة تحوّلًا مقلقًا في أنماط السلوك الاجتماعي، يتمثل في تنامي ظاهرة تربية الحيوانات المفترسة داخل البيوت والمزارع الخاصة. هذه الظاهرة، التي لم تكن مألوفة في السابق، لم تعد مجرد حالات فردية معزولة، بل بدأت تأخذ طابعًا شبه “موضة” لدى بعض الفئات، خصوصًا بين الميسورين، بدوافع التباهي والاستعراض والسعي للفت الانتباه عبر وسائل التواصل الاجتماعي، دون إدراك حقيقي لحجم المخاطر الكامنة فيها.
وفي هذا الصدد يرى ثورشتاين فيبلين الذي يُعد من أبرز الرواد الكلاسيكيين الأمريكيين الذين تناولوا البعد الاجتماعي لعمليات الاستهلاك، إذ قدّم في كتابه نظرية الطبقة المترفة (1899) تحليلًا عميقًا لما أسماه “الطبقة المترفة” (Leisure Class)، وهي طبقة من الأثرياء- خصوصًا من رجال الأعمال في الولايات المتحدة- تتسم بسلوك استهلاكي قائم على التفاخر والاستعراض، وليس على الحاجة الفعلية.
ثورشتاين فيبلين (1857 – 1929) هو عالم اجتماع واقتصادي أمريكي من أصول نرويجية، ويُعد رائداً ومؤسساً لحركة “الاقتصاد لمؤسسي”
يرى فيبلين أن هذه الطبقة تسعى باستمرار إلى إظهار مكانتها الاجتماعية أمام الآخرين، من خلال ما أطلق عليه مفهوم “الاستهلاك المظهري” (Conspicuous Consumption)، أو الاستهلاك التفاخري أي الإنفاق على السلع والخدمات بطريقة استعراضية تهدف إلى لفت الأنظار وإثبات الثراء. ويُعد هذا النمط من الاستهلاك، في نظره، شكلًا من أشكال النزعة إلى المتعة القائمة على التبذير، حيث تتحول الرفاهية إلى وسيلة للتميّز الاجتماعي، لا إلى تلبية احتياجات حقيقية.
وقد عرّفت موسوعات علم الإنسان والاجتماع هذا المفهوم بأنه استهلاك مفرط للسلع الترفيهية، يُستخدم كدليل على الانتماء إلى طبقة اجتماعية ميسورة، ووسيلة لاكتساب الهيبة والمكانة. كما يُشير إلى الاستخدام المسرف للموارد بهدف إرسال “رسائل اجتماعية” مفادها أن الفرد يعيش في سعة تتيح له احتلال موقع مرتفع داخل البناء الطبقي.
وعند إسقاط هذا التحليل على بعض الظواهر المعاصرة في المجتمع العراقي، يمكن فهم انتشار تربية الحيوانات المفترسة- كالأسود والنمور وغيرها- بوصفه أحد تجليات هذا الاستهلاك المظهري. فاقتناء هذه الحيوانات، بما يتطلبه من تكاليف باهظة ورعاية خاصة، لا يُقصد به غالبًا تحقيق منفعة عملية، بل يُستخدم كوسيلة لإبراز الثراء والتميّز، وإثارة الانتباه داخل المجتمع أو عبر وسائل التواصل الاجتماعي.
بهذا المعنى، تتحول الحيوانات المفترسة إلى “رموز استعراضية” تعكس مكانة صاحبها، تمامًا كما وصف فيبلين السلع الترفيهية في عصره. غير أن هذا الشكل من التفاخر لا يقتصر على كونه سلوكًا استهلاكيًا، بل يحمل في طياته مخاطر حقيقية على الأمن المجتمعي، ويكشف في الوقت نفسه عن خلل في منظومة القيم، حيث يُستبدل التميز الحقيقي- القائم على الإنجاز والمسؤولية- بمظاهر استعراضية قد تكون خطرة وغير عقلانية.
كما إن وجود أو تربية حيوانات مثل الأسود والنمور والذئاب والافاعي وغيرها داخل الأحياء السكنية يمثل تهديدًا مباشرًا للأمن المجتمعي، إذ لا يمكن إخضاع هذه الكائنات لطبيعة الحياة المدنية مهما بلغت درجة ترويضها. فهي تبقى محكومة بغرائزها المفترسة، وقابلة للانفلات في أي لحظة، سواء بسبب الإهمال أو سوء التقدير أو حتى ظروف غير متوقعة. وقد أظهرت الحوادث المتكررة- كهروب حيوان مفترس إلى الشارع أو مهاجمته لصاحبه- كما أن السيطرة على هذه الحيوانات ليست مضمونة، وأن نتائجها قد تكون مأساوية.
ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة هو انعكاساتها النفسية والاجتماعية على السكان، حيث تعيش العائلات حالة من القلق الدائم والخوف من احتمال وقوع هجوم مفاجئ، خاصة في ظل انتشار مقاطع فيديو توثق تجول هذه الحيوانات في الشوارع أو ظهورها في أماكن عامة. هذا الخوف لا يهدد فقط الشعور بالأمان، بل يضعف الثقة بالبيئة المحيطة ويخلق حالة من التوتر الاجتماعي داخل الأحياء. وأبرز مثال على خطورة هذه الظاهرة، ما حدث قبل أيام في إحدى المناطق الزراعية بمحافظة النجف، في الثامن من أيار لسنة 2025، شهدت محافظة النجف جنوب العراق حادثة مروعة، حيث لقي مربي أسد مصرعه على يد حيوانه المفترس. وكذلك حوادث أخرى وقعت في بعض مناطق العاصمة بغداد، لقد سلّطت هذه الحوادث المأساوية الضوء بشكل واضح على مشكلة تربية الحيوانات المفترسة والبرية داخل العراق، كاشفةً عن فوضى تشريعية وغياب ملموس للرقابة الحكومية الفعالة، وأثارت موجة من التساؤلات الجادة بشأن المخاطر المتزايدة التي تهدد أمن المواطنين وسلامة البيئة.
كما أن البعد القيمي لهذه الظاهرة يثير تساؤلات عميقة، إذ يعكس هذا السلوك نوعًا من الاختلال في ترتيب الأولويات، حين يتم إنفاق مبالغ طائلة على اقتناء حيوانات مفترسة- يفترض أن تعيش في بيئتها الطبيعية- في وقت تعاني فيه شرائح واسعة من المجتمع من احتياجات أساسية. وهو ما يشير إلى فجوة في الوعي الاجتماعي والبيئي، تستدعي المعالجة من خلال التثقيف والتوعية.
من جهة أخرى، تكشف هذه الظاهرة عن تحديات مؤسساتية واضحة، أبرزها غياب البنية التحتية اللازمة للتعامل مع هذه الحيوانات في حال مصادرتها، إضافة إلى الحاجة لتفعيل القوانين بشكل أكثر صرامة. فالتشريعات وحدها لا تكفي ما لم تُدعَم بآليات تنفيذ فعالة، وتنسيق حقيقي بين الجهات المعنية كوزارات الداخلية والصحة والبيئة.
فضلاً عن إن الحوادث المؤلمة التي سُجلت مؤخرًا- ومنها وفاة أحد المواطنين نتيجة هجوم أسد ليست سوى مؤشرات إنذار مبكر لما قد يتحول إلى أزمة مجتمعية أوسع إذا لم يتم التعامل معها بجدية. فالأمر لا يتعلق بحرية فردية بقدر ما يرتبط بحق جماعي في الأمن والسلامة.
وعليه، فإن الحد من هذه الظاهرة يتطلب مقاربة شاملة، تبدأ بفرض رقابة صارمة على اقتناء وتربية الحيوانات المفترسة، مرورًا بحملات توعية مجتمعية تسلط الضوء على مخاطرها، وصولًا إلى ترسيخ ثقافة تحترم التوازن بين الإنسان والبيئة. فالأمن المجتمعي ليس مسؤولية الدولة وحدها، بل هو مسؤولية مشتركة تستوجب وعيًا جماعيًا يحمي الأرواح ويصون استقرار المجتمع.
خاتمة
لم تعد ظاهرة تربية الحيوانات المفترسة مسألة هامشية أو سلوكًا فرديًا عابرًا، بل تحولت إلى قضية تمسّ صميم الأمن المجتمعي وتكشف عن تحديات ثقافية وقانونية متزايدة. وفي ظل ما يواجهه العراق من تعقيدات أمنية واقتصادية واجتماعية، فإن إضافة مخاطر من هذا النوع يُعدّ أمرًا غير مبرر ويستدعي وقفة حازمة.
فضلًا عن إن مواجهة هذه الظاهرة تتطلب تحركًا متكاملًا، يبدأ بتشريعات واضحة وصارمة تمنع اقتناء واستيراد الحيوانات المفترسة خارج الأطر العلمية والبيئية، مرورًا بتفعيل الرقابة والمساءلة القانونية بحق المخالفين، ولا ينتهي عند حدود التوعية المجتمعية. وهنا تبرز أهمية دور وسائل الإعلام والمؤسسات التربوية والثقافية في تصحيح المفاهيم، ورفض الترويج لثقافة الاستعراض التي تُجمّل هذه الممارسات الخطرة، والعمل بدلًا من ذلك على نشر وعي يحترم الحياة البرية ويُدرك تبعات العبث بها.
فحماية الأرواح وسلامة الأحياء السكنية ليست مسؤولية جهة واحدة، بل هي التزام جماعي يبدأ من وعي الفرد، ويتعزز بدور المؤسسات، ويُحسم بسلطة القانون. إن المجتمع العراقي، بما يمتلكه من إرث قيمي وتماسك اجتماعي، ليس بحاجة إلى مثل هذه السلوكيات الدخيلة، بل إلى ترسيخ بيئة آمنة ومتوازنة تُقدّم سلامة الإنسان على أي مظهر من مظاهر التفاخر أو الاستعراض.