التسول الرقمي.. تحولات الحاجة الاقتصادية في مجتمع المنصات Top of Form

بقلم: الباحث حارث مصطفى السامرائي

 

 

مقدمة

يُعدّ التسول ظاهرةً اجتماعيةً قديمةً ارتبطت بالمجتمعات الإنسانية منذ نشأتها، إذ لم يخلُ مجتمع عبر التاريخ من أفراد يعجزون عن تلبية احتياجاتهم الأساسية لأسباب متعددة، يأتي في مقدمتها الفقر والمرض والبطالة والظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة. ومع مرور الزمن، لجأ بعض هؤلاء الأفراد إلى التسول بوصفه وسيلة لتأمين متطلبات العيش وتوفير الاحتياجات الضرورية للحياة.

وقد اتخذ التسول أشكالًا وصورًا متنوعة اختلفت باختلاف الزمان والمكان والظروف الاجتماعية السائدة. ومع التطور التكنولوجي المتسارع وظهور شبكة الإنترنت وانتشار مواقع التواصل الاجتماعي، برزت تحولات جديدة في أنماط السلوك الاجتماعي، كان من بينها ظهور ما يُعرف بالتسول الإلكتروني أو الرقمي. فعلى الرغم من الفوائد الكبيرة التي وفرتها وسائل التواصل الاجتماعي في مجالات التواصل وتبادل المعلومات وبناء العلاقات الاجتماعية، فإنها في الوقت نفسه أوجدت فضاءات جديدة يمكن استغلالها لتحقيق أهداف ومصالح شخصية بطرق غير مشروعة أو غير أخلاقية.

وفي هذا السياق، شهدت ظاهرة التسول تحولًا ملحوظًا من صورتها التقليدية المرتبطة بالفضاءات العامة إلى صورة رقمية تمارس عبر المنصات الإلكترونية المختلفة. ويُعد التسول الإلكتروني من الظواهر الاجتماعية المعاصرة التي برزت نتيجة الانتشار الواسع لتكنولوجيا الاتصال وتزايد الاعتماد على الوسائط الرقمية في الحياة اليومية. وقد أسهم التطور المستمر في التطبيقات والمنصات الرقمية في توفير فرص جديدة للأفراد للتواصل والتفاعل وتحقيق مكاسب مادية بوسائل متنوعة ومنها التسول الإلكتروني.

ويقصد بالتسول الإلكتروني استخدام المنصات الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي لطلب المساعدات المالية أو العينية من الآخرين. ويتخذ هذا السلوك أشكالًا متعددة، فقد يتمثل في نشر مقاطع فيديو أو صور توثق حالات مرضية أو أوضاعًا إنسانية صعبة بهدف استثارة التعاطف والحصول على الدعم، كما قد يتمثل في طلب المساندة بصورة مباشرة من خلال عبارات متكررة مثل: «ادعموني»، و«أريد دعمكم»، و«تفاعلوا معي»، أو من خلال أو يقسم على المتابعين لحثهم لوضع الإعجاب والتعليق والمشاركة وإرسال الهدايا الرقمية التي يمكن تحويلها إلى عائدات مالية. وعلى الرغم من أن بعض هذه الممارسات تُقدَّم في إطار الترفيه أو صناعة المحتوى، فإنها قد تنطوي على أشكال مستترة من طلب الدعم المادي، ولا سيما عندما يصبح تحقيق العائد المالي الهدف الرئيس من النشاط الرقمي.

ويشترك التسول الإلكتروني مع التسول التقليدي في الهدف المتمثل بالحصول على الموارد من الآخرين دون مقابل إنتاجي واضح، إلا أنه يختلف عنه في الوسائل والآليات المستخدمة، إذ يتم عبر الفضاء الرقمي، وغالبًا ما يتيح لممارسيه درجة أكبر من إخفاء الهوية أو تقليل الحرج الاجتماعي المرتبط بطلب المساعدة بصورة مباشرة.

ومن ثم في هذه المقالة سنعمد إلى تحليل ظاهرة التسول الإلكتروني بوصفها أحد أشكال التعبير عن الحاجة الاقتصادية في العصر الرقمي، لتسليط الضوء عليها ومعرفة آلياتها وآثارها.

 

أولاً: دور وسائل التواصل الاجتماعي في التسول الرقمي

تلعب وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت دورًا محوريًا في تسهيل وتوسيع ظاهرة التسول الإلكتروني، إذ توفر بيئة مناسبة وفعالة للأفراد لطلب الدعم المالي، ويكمن دورها في النقاط التالية:

  1. الاتساع الكبير في الوصول: تتيح وسائل التواصل الاجتماعي والإنترنت الوصول إلى جمهور عالمي من المتبرعين المحتملين، ويمكن للأفراد نشر طلباتهم ونداءاتهم على منصات مثل فيسبوك، وتويتر سابقاً، وإنستغرام، والمنتديات، والمواقع الإلكترونية، مما يمكنهم من التواصل مع أشخاص من ثقافات ودول مختلفة.

  2. سهولة المشاركة والتفاعل: تُبسّط منصات التواصل الاجتماعي عملية إنشاء الحسابات ونشر المحتوى مجانًا وبخطوات بسيطة. ويمكن للأفراد مشاركة قصص والتفاعل مع المتبرعين من خلال التعليقات أو الرسائل الشخصية، مما يزيد من التفاعل ويعزز التعاطف مع الحالات المعروضة.

  3. اخفاء الهوية: تتيح منصات التواصل الرقمية قدراً كبيراً من اخفاء هوية صاحب طلب للمساعدة من خلال عدم التفاعل المباشر كما هو في حالة التسول التقليدي التي تسبب للمتسول الحرج الاجتماعي مما يساعد ذلك على سهولة الطلب وكذلك قد يسهم في توسيع نطاق هذه الممارسات وانتشارها.

  4. تعزيز ظهور القصص الشخصية: توفر وسائل التواصل الاجتماعي منصة مثالية لعرض القصص الشخصية المؤثرة، من خلال نقل الصور ومقاطع الفيديو والنصوص التي تحرك المشاعر بشكل فعّال، مما يزيد من احتمالية تقديم الدعم المالي.

  5. الاثر السريع للثقافة البصرية: تلعب هذه الثقافة دورًا محوريًا في عملية التسول الرقمي، إذ إن استخدام الصور، أو التحولات “قبل وبعد”، أو ردود الفعل العاطفية أثناء البث المباشر يضيف بُعدًا حسيًا من التأثير لا يمكن للنص وحده أن ينقله. ويتم توظيف هذه العناصر لتحقيق اكبر قدر من الاستجابات العاطفية السريعة، وحشد الدعم ضمن اقتصاد الانتباه الخوارزمي.

 

ثانياً: آليات التسول الرقمي

  1. عرض قصص إنسانية مؤثرة أو مضللة لاستدرار التعاطف

يُعد توظيف القصص الإنسانية المؤثرة من أكثر الأساليب شيوعًا في التسول الرقمي، إذ يلجأ بعض الأفراد إلى عرض أو تضخيم معاناة شخصية تتعلق بالمرض أو الإعاقة أو الفقر أو الظروف المعيشية الصعبة بهدف استثارة مشاعر التعاطف لدى الجمهور والحصول على الدعم المالي أو التبرعات، من خلال نشر الروايات الحزينة والمشكلات الصحية أو الاقتصادية والشخصية، وفي هذا الإطار تُستخدم الصور ومقاطع الفيديو وفي بعض الحالات قد تكون هذه القصص حقيقية جزئيًا، بينما قد تتضمن في حالات أخرى مبالغات أو معلومات مضللة تهدف إلى زيادة التفاعل وتحقيق مكاسب مادية.

 

  1. البث المباشر

تمثل البثوث المباشرة التفاعلية إحدى أبرز البيئات الرقمية التي أفرزت أنماطًا جديدة من التسول الإلكتروني، إذ تستند هذه الممارسات إلى توظيف آليات التفاعل الاجتماعي والاقتصاد الرقمي في تحقيق مكاسب مالية. ومن أكثر هذه الأنماط انتشارًا ما يُعرف بالتحديات أو المنافسات المباشرة بين أصحاب الحسابات على منصات التواصل الاجتماعي، والتي تقوم على إجراء بث مشترك بين شخصين أو أكثر يتنافسون على استقطاب دعم الجمهور من خلال الهدايا الرقمية أو التصويت الإلكتروني.

ومن منظور اجتماعي، لا تقتصر هذه التحديات على كونها نشاطًا ترفيهيًا أو تفاعليًا، بل تمثل شكلًا من أشكال تحويل العلاقات الاجتماعية والرموز التفاعلية إلى موارد اقتصادية قابلة للاستثمار. فالمتابعون لا يؤدون دور المتلقين السلبيين، بل يصبحون أطرافًا فاعلة في عملية التنافس من خلال تقديم الهدايا الرقمية التي تتحول لاحقًا إلى عوائد مالية، مما يجعل التفاعل الاجتماعي ذاته سلعة قابلة للتسويق والاستثمار.

 

 

وتعتمد هذه الممارسات على إنتاج حالة مستمرة من التشويق والإثارة والانتباه، عبر استخدام خطاب تحفيزي يدعو الجمهور إلى الدعم والمشاركة والتصويت، بما يسهم في تعزيز التفاعل اللحظي وزيادة معدلات المشاهدة. وفي هذا السياق تتحول المنصات الرقمية إلى فضاءات تتداخل فيها الاعتبارات الاقتصادية مع الأبعاد الاجتماعية والرمزية، حيث تصبح الشهرة والظهور والقدرة على جذب الانتباه عناصر أساسية في تحقيق المكاسب المالية. وفي بعض الحالات، تتجاوز المنافسات الرقمية حدود الترفيه لتشمل ممارسات قائمة على السخرية أو الاستفزاز أو استدرار التعاطف، بوصفها استراتيجيات رمزية تهدف إلى تعبئة الجمهور وتحفيزه على تقديم المزيد من الدعم المالي. ويعكس ذلك تحول المشاعر الإنسانية والتفاعلات الاجتماعية إلى أدوات اقتصادية يتم توظيفها ضمن منظومة المنصات الرقمية.

الأمر الذي يبرز التداخل المعقد بين البعدين الاجتماعي والاقتصادي في ظاهرة التسول الإلكتروني، ويكشف عن الكيفية التي أعادت بها وسائل التواصل الاجتماعي تشكيل أنماط الكسب والتفاعل والاعتراف الاجتماعي في الفضاء الرقمي المعاصر.

 

  1. تعدد الحسابات واستخدام الهويات الرقمية الوهمية

يُعد إنشاء حسابات متعددة أو استخدام هويات رقمية غير حقيقية من الأساليب التي يلجأ إليها بعض ممارسي التسول الرقمي بهدف توسيع نطاق الوصول إلى الجمهور وزيادة فرص الحصول على الدعم المالي. وتشمل هذه الممارسات إنشاء أكثر من حساب على المنصات الرقمية، أو استخدام أسماء وصور وهمية، أو الاعتماد على أرقام هواتف وحسابات افتراضية لإخفاء الهوية الحقيقية وتجاوز القيود التي قد تفرضها المنصات على الأنشطة المشبوهة.

 

فالبيئة الرقمية تتيح درجة عالية من إخفاء الهوية وإعادة تشكيل الذات، الأمر الذي يوفر فرصًا لبعض الأفراد لتوظيف هويات متعددة في استدرار التعاطف وكسب ثقة المستخدمين. كما تسهم هذه الممارسات في توسيع دائرة التأثير والوصول إلى شرائح مختلفة من الجمهور، بما يزيد من احتمالية الحصول على التبرعات أو الهدايا الرقمية.

 

 

ثالثاً: آثار التسول الرقمي

  1. تآكل الثقة الاجتماعية في المبادرات الخيرية الرقمية

يسهم انتشار ممارسات التسول الرقمي غير الموثوقة في إضعاف ثقة الأفراد بالمبادرات الإنسانية وحملات الدعم عبر الإنترنت، الأمر الذي قد ينعكس سلبًا على الفئات المحتاجة فعليًا، إذ يتردد المتبرعون في تقديم المساعدة خشية التعرض للخداع أو الاحتيال.

 

  1. تعزيز أنماط الاحتيال والاستغلال العاطفي

يعتمد التسول الرقمي في بعض صوره على توظيف الخطاب العاطفي واستثارة مشاعر التعاطف لدى الجمهور بهدف الحصول على مكاسب مادية، مما يفتح المجال أمام ممارسات احتيالية تستغل الثقة المجتمعية وتوظف المشاعر الإنسانية لتحقيق منافع شخصية أو فئوية.

 

  1. تكريس ثقافة الاتكالية والاعتماد على الآخرين

يمكن أن يسهم التسول الرقمي في ترسيخ أنماط سلوكية قائمة على الاتكالية والاعتماد على المساعدات المقدمة من الآخرين بدلاً من السعي إلى العمل أو الإنتاج، الأمر الذي قد يؤدي إلى ظهور فئات اجتماعية تعتمد بصورة متزايدة على الدعم الرقمي كمصدر دائم للدخل.

 

  1. تحويل التفاعل الرقمي إلى وسيلة لتراكم الثروة غير المنتجة

أتاح التسول الرقمي لبعض صناع المحتوى تحقيق عوائد مالية كبيرة من خلال استثمار تعاطف الجمهور واستغلال آليات التفاعل الرقمي، مما أسهم في ظهور نماذج من الثراء القائم على استدرار الدعم والهدايا الرقمية بدلاً من تقديم محتوى هادف أو قيمة إنتاجية حقيقية للمجتمع.

 

  1. إضعاف قيم العمل والإنتاج

 

من الآثار الاجتماعية الأخرى للتسول الرقمي أنه قد يبعث رسائل ضمنية تشجع على تحقيق المكاسب السريعة دون جهد إنتاجي حقيقي، وهو ما قد يؤثر في منظومة القيم المرتبطة بالعمل والاجتهاد والاعتماد على الذات، خاصة لدى فئة الشباب المتأثرة بالمحتوى الرقمي.

 

الاستنتاجات

  1. أن التسول الرقمي يمثل تحولًا نوعيًا في أشكال التسول التقليدي، إذ انتقل من الفضاءات العامة إلى الفضاء الإلكتروني مستفيدًا من التطور التكنولوجي وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي.

  2. أسهمت المنصات الرقمية في توفير بيئة ملائمة لانتشار التسول الرقمي من خلال سهولة الوصول إلى جمهور واسع، وانخفاض كلفة النشر، وإمكانية التفاعل المباشر مع المتابعين، فضلًا عن إتاحة قدر من إخفاء الهوية.

  3. يعتمد التسول الرقمي بدرجة كبيرة على استثمار المشاعر الإنسانية وآليات التأثير العاطفي، من خلال عرض القصص المؤثرة أو استدرار التعاطف أو توظيف البث المباشر والتفاعل اللحظي للحصول على الدعم المالي.

  4. أن البثوث المباشرة والتحديات الرقمية والهدايا الإلكترونية قد أسهمت في تحويل التفاعل الاجتماعي إلى مورد اقتصادي قابل للاستثمار، ضمن ما يُعرف باقتصاد الانتباه في البيئة الرقمية.

  5. يسهم التسول الرقمي في إضعاف الثقة بالمبادرات الإنسانية وحملات التبرع الإلكترونية، الأمر الذي قد يؤثر سلبًا في فرص حصول الفئات المحتاجة فعليًا على الدعم والمساعدة.

 

خاتمة

أفرزت التحولات التكنولوجية المتسارعة وانتشار وسائل التواصل الاجتماعي أشكالًا جديدة من التفاعلات والسلوكيات الاجتماعية، كان من أبرزها ظهور التسول الرقمي بوصفه امتدادًا حديثًا للتسول التقليدي داخل الفضاء الإلكتروني. فقد أتاحت المنصات الرقمية للأفراد فرصًا واسعة للوصول إلى الجمهور واستثمار التفاعل الاجتماعي والعاطفي في الحصول على الدعم المالي أو العيني، سواء عبر عرض القصص الإنسانية، أو البثوث المباشرة، أو استخدام الهويات الرقمية المتعددة.

ويترتب على انتشار هذه الممارسات عدد من الآثار السلبية، من أبرزها تراجع الثقة بالمبادرات الخيرية الرقمية، وتعزيز بعض أنماط الاحتيال والاستغلال العاطفي، وتكريس قيم الاتكالية، فضلًا عن التأثير في منظومة القيم المرتبطة بالعمل والإنتاج. لذلك أصبحت مواجهة هذه الظاهرة تتطلب توازنًا بين دعم الحالات الإنسانية الحقيقية وحماية المجتمع من الممارسات الاستغلالية التي قد تتخفى خلف الخطاب الإنساني أو المحتوى الرقمي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى