المحتوى الهابط في العراق

تحدٍّ للأمن الثقافي والسيادة في عصر الجغرافيا السياسية الرقمية

بقلم: الباحث أنمار نوري خفيف القره غولي

جامعة واسط / كلية التربية الاساسية

 

مقدمة

لم يعد الفضاء الرقمي في العراق مجرد امتداد تقني للحياة اليومية، بل أصبح مجالاً مركزياً لإعادة تشكيل الوعي، وتوجيه الانتباه، وإنتاج المعنى، وإعادة توزيع النفوذ الاجتماعي والثقافي. وفي بيئة تتسع فيها المنصات العابرة للحدود، وتتعاظم فيها سلطة الخوارزميات، وتشتد فيها المنافسة على جذب المستخدمين، يظهر ما يُسمّى بـ«المحتوى الهابط» بوصفه إحدى أكثر الظواهر الرقمية تعقيداً، إذ لا يقتصر أثره على الذائقة العامة، بل يمتد إلى الأمن الثقافي، وتماسك الهوية، واستقرار المجال العام، بل وإلى أسئلة السيادة الرقمية نفسها. وتكتسب هذه الإشكالية أهمية أكبر في العراق، حيث تشير البيانات الحديثة إلى اتساع قاعدة الاستخدام الرقمي واتساع الحضور المنصاتي على نحو يجعل التأثير المتبادل بين المنصة والمجتمع والدولة أكثر كثافة وتعقيداً([1]).

ويُقصد بالمحتوى الهابط في هذا المقال ذلك النمط من المواد الرقمية التي تُبنى على الإثارة السطحية، والابتذال، والتشويش القيمي، والمبالغة في الاستفزاز، أو نشر التضليل، أو استثمار الجدل الأخلاقي والاجتماعي لأغراض الانتشار والربح، وهذه الظاهرة لا تنشأ في فراغ، بل تتحرك داخل اقتصاد انتباه عالمي تُكافِئ فيه المنصات ما يرفع التفاعل، بصرف النظر عن القيمة المعرفية أو الأثر الاجتماعي، وهو ما يجعلها قضية حكم رقمي وسياسة عامة بقدر ما هي قضية سلوك فردي أو ذائقة اجتماعية. وقد أكدت تقارير منظمة اليونسكو ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن البيئة الرقمية المعاصرة تواجه تحديات متزايدة من التضليل والمعلومات المضللة وخطاب الكراهية، وأن التربية الإعلامية والرقمية تمثل إحدى أهم أدوات المواجهة([2]).

 

 

أولاً: واقع المحتوى الرقمي في العراق

تشير بيانات (DataReportal) إلى أنّ العراق دخل عام (2025) بنحو (38.0) مليون مستخدم للإنترنت، أي ما يعادل (81.7%) من السكان، كما بلغ عدد هويات مستخدمي وسائل التواصل الاجتماعي النشطة (34.3) مليون هوية رقمية، وهو ما يعكس كثافة عالية في الاعتماد على المنصات الرقمية داخل المجتمع العراقي، وتُظهر البيانات كذلك حضوراً واسعاً للمنصات الكبرى، إذ وصل انتشار (YouTube) و(Facebook) و(Instagram) و (TikTok) إلى مستويات تجعلها بنىً شبه يومية في إنتاج الاستهلاك الرقمي والتواصل الاجتماعي وصناعة الرأي. هذه الأرقام لا تعني فقط اتساع الاستخدام، بل تعني اتساع مساحة التأثر بالمحتوى، بما فيه المحتوى الهابط، واتساع المجال أمام حسابات المؤثرين والصفحات الموجهة والمواد الاستفزازية القصيرة التي تعتمد على الاستثارة السريعة([3]).

كما تُظهر المؤشرات ذاتها أن (Facebook) كان يصل في بداية (2025) إلى (52.9%) من قاعدة مستخدمي الإنترنت في العراق، بينما بلغ وصول (Instagram) نحو (19.0) مليون مستخدم، ووصل (TikTok) إلى (34.3) مليون مستخدم بالغ، الأمر الذي يوضح أن البيئة العراقية باتت مهيأة بدرجة كبيرة لانتشار المحتوى البصري السريع الذي يقوم على التكثيف والاختزال والانفعال، وفي مثل هذه البيئات، تميل الخوارزميات إلى تفضيل المحتوى الأعلى إثارة والأسرع جذباً للتفاعل، وهو ما يفسر جزئياً لماذا يجد المحتوى الهابط فرصة أكبر للانتشار من المحتوى المتزن أو التثقيفي، خصوصاً حين يكون المنتجون والمستهلكون معاً داخل دائرة التنافس على المشاهدة والمشاركة([4]).

 

وتتصف البيئة الرقمية العراقية بعدة خصائص تجعلها أكثر قابلية لانتشار هذا النوع من المحتوى وهي:

  1. الطابع الشبابي الكثيف للاستخدام الرقمي، واعتماد الطلبة والشباب على المنصات في تلقي الأخبار وتكوين الآراء والتفاعل مع الأحداث.

  2. هيمنة المحتوى المصور القصير والقصص اليومية والبث المباشر، وهي صيغ تفضّلها المنصات، لأنها تزيد زمن البقاء والمشاركة.

  3. ضعف الفاصل بين الترفيه والمعلومة، بحيث يصبح الترفيه أداة لنقل الرسالة، وتصبح الرسالة أحياناً ستاراً للترفيه المبتذل أو التضليل أو التشويه.

أن هذه الخصائص تهيئ ظروفاً مناسبة لانتشار المحتوى الهابط، مما ينعكس سلباً على الأمن الثقافي، فغلبة استخدام الشباب للمنصات تجعلهم الأكثر تعرضاً لهذا النوع من المحتوى، وهو ما يؤثر في تشكيل وعيهم وقيمهم ويدفع نحو تبني أنماط تفكير وسلوك أكثر سطحية وسرعة في التلقي بدلاً من التحليل النقدي، كما أن انتشار المحتوى المصور القصير والبث المباشر يعزز من وصول المحتوى الهابط، لأنه يتوافق مع منطق الخوارزميات الذي يفضل المحتوى المثير والسريع، وهذا يؤدي إلى تطبيع تدريجي مع المضامين الضعيفة وتراجع الحساسية تجاهها، مما يضعف الوعي النقدي ويؤدي إلى إعادة تشكيل الذائقة الثقافية باتجاه الاستهلاك السريع، ونتيجة لذلك يتعرض الأمن الثقافي في العراق لضغوط متزايدة تتمثل في تآكل القيم الثقافية وضعف الهوية أمام التدفقات الرقمية السريعة.

 

ثانياً: الأبعاد الجغرافية السياسية للفضاء الرقمي العراقي

في الجغرافيا السياسية الرقمية، لم يعد المجال الحيوي مقتصراً على الأرض والحدود البرية والموارد الصلبة، بل أصبح يشمل المنصات، والبيانات، والبنية التحتية السحابية، وخوارزميات الترتيب، وأنظمة الإشراف، وسياسات الحذف والتقييد، وضمن هذا الإطار، يتحول الفضاء الرقمي إلى مجال جديد للتأثير السياسي والاجتماعي، حيث تتنافس الدولة، والشركات العابرة للحدود، والجماعات المنظمة، والفاعلون غير الرسميين، على تشكيل الرأي العام وتحديد ما يُرى وما لا يُرى، ويؤكد تقرير اليونسكو الخاص بالعراق أن الفضاء الرقمي العراقي لم يعد مجرد انعكاس للأحداث الإقليمية، بل صار يعيد تدويرها داخلياً ليغذي الجدل حول القوى المسلحة، والعلاقات السياسية، والرموز الدينية، والمكانة الاجتماعية.([5])

وتتضح الجغرافيا السياسية الرقمية في العراق أيضاً من خلال علاقة الدولة بالمنصات الكبرى، فقد أصدرت هيئة الإعلام والاتصالات العراقية في (2025) «اللوائح التنظيمية الإطارية للمنصات والخدمات الرقمية»، وهي وثيقة تسعى إلى وضع إطار قانوني للمنصات الرقمية، وتعزيز الشفافية والأمن والمساءلة، مع الإشارة إلى تنظيم عمليات التصنيف العمري للمحتوى، وآليات الحذف أو التقييد، والتعريفات المرتبطة بالأمن السيبراني، وحقوق البيانات الشخصية، والذكاء الاصطناعي، والحوسبة السحابية، هذا التحرك التشريعي يعبّر عن محاولة لتثبيت جزء من السيادة الرقمية داخل بيئة تتحكم فيها شركات عالمية لا تخضع مباشرة للدولة الوطنية([6]).

ومع ذلك، فإن السيادة الرقمية في العراق ما تزال في طور التشكّل، إذ أن العراق يفتقر إلى تشريع شامل ومُلزِم لحماية البيانات، وأنه يعتمد بدلاً من ذلك على نصوص متناثرة في الدستور وقانون العقوبات وقوانين أخرى، وهذه الثغرة القانونية تُضعف قدرة الدولة على إدارة الفضاء الرقمي على نحو متوازن، فهي من جهة ترغب في ضبط المحتوى الضار، ومن جهة أخرى تحتاج إلى ضمان عدم تحوّل الضبط إلى تقييد تعسفي لحرية التعبير والوصول إلى المعلومات، بهذا المعنى، تصبح السيادة الرقمية معركة بين التنظيم والحقوق، بين الأمن والحرية، وبين مصلحة المجتمع ومنطق المنصة([7]).

 

 

كما تُظهر تقارير الحرية الرقمية أن الدولة العراقية استخدمت في السنوات الأخيرة أدوات متعددة لضبط المجال الرقمي، منها حجب بعض المواقع أو منصات المحتوى غير الأخلاقي أو المخالف للقيم العراقية، وقد أشار تقرير (Freedom House) إلى حجب (IMDb) و(SoundCloud) وإلى حجب المواقع الاباحية، هذه الإجراءات تكشف أن الدولة تتعامل مع الفضاء الرقمي كحقل أمني وأخلاقي في آن واحد، لكنّها في الوقت نفسه تعكس هشاشة التوازن بين حماية المجال العام وتوسيع هامش الرقابة([8]).

 

ثالثاً: انعكاسات المحتوى الهابط على الأمن الثقافي والمجتمعي في العراق

يمثل الأمن الثقافي قدرة المجتمع على حماية منظومة قيمه، ورموزه، ومرجعياته، من التآكل أو التشويه، أو الاستبدال السريع، وفي العراق يصبح المحتوى الهابط عاملاً مؤثراً حين يحوّل القيم إلى مادة للسخرية، والمعايير إلى موضوع للتفريغ، والرموز إلى أدوات للترند، فالتعرض المتكرر للمحتوى المبتذل أو المثير للجدل لا يؤدي فقط إلى الاعتياد عليه، بل قد يعيد تشكيل تعريف «المقبول» و«المستغرب» داخل الوعي العام، خاصة لدى الفئات الأصغر سناً التي تتلقى معظم خبرتها الاجتماعية عبر الشاشة قبل أي وسيط آخر،  وتؤكد اليونسكو أن التربية الإعلامية والرقمية ضرورية لتمكين الناس من التعامل النقدي مع المعلومات والتنقل الآمن في البيئة الرقمية، خصوصاً مع تصاعد المعلومات المضللة وخطاب الكراهية.

على مستوى الهوية الوطنية والثقافية، يخلق المحتوى الهابط نوعاً من التبسيط المفرط للذات الجماعية، حيث تُختزل القضايا المركبة في صور ساخرة أو مشاهد صادمة أو تقاطعات ترفيهية عابرة، وفي هذا الإطار، لا يعود الحديث عن الهوية بوصفها سردية تاريخية وثقافية ممتدة، بل بوصفها مادة قابلة للتسليع والفرجة.

وقد بيّنت تجربة عراقية في متابعة المنشورات الرقمية أثناء الأزمات أن المحتوى المرتبط بالمنصات لا ينقل الأخبار فقط، بل يشارك في إعادة إنتاج الخوف والقلق والتوتر الجمعي، وهو ما يفسر كيف تتآكل الثقة الاجتماعية عندما تتغذى الجماعة يومياً على مواد لا تشرح الواقع بل تستثمر اضطرابه([9])، وهذا بدوره يؤثر في الهوية الوطنية في العراق بشكل تدريجي من خلال إعادة تشكيل الوعي الجمعي بصورة سطحية داخل الفضاء الرقمي، و يعمل على إضعاف الرموز الثقافية والوطنية عبر تحويلها إلى مادة للترفيه أو السخرية، مما يقلل من قيمتها الرمزية في الوعي العام، كما  يضعف هذا النوع من المحتوى الشعور بالانتماء الوطني المشترك، لأنه يعزز الاهتمام بالمحتوى اللحظي والساخر على حساب السرديات الوطنية العميقة، ومع الوقت، يؤدي ذلك إلى نوع من الاغتراب الرمزي، حيث تصبح الهوية أقل تماسكاً وأكثر عرضة للتشويه والتجزئة داخل البيئة الرقمية.

أما على مستوى الشباب، فإن الخطر يتضاعف لأن الشباب هم الفئة الأكثر حضوراً في المنصات والأكثر استعداداً للتفاعل مع المحتوى القصير والساخر والمثير ففي سياق الجغرافيا السياسية الرقمية، يكتسب تأثير المحتوى الهابط على فئة الشباب في العراق بُعداً أكثر تعقيداً يتجاوز الإطار الإعلامي التقليدي ليصبح جزءاً من عملية تشكيل الوعي داخل الفضاء الرقمي المعولم. فالشباب، بوصفهم الفئة الأكثر حضوراً وتفاعلاً مع المنصات الرقمية، يتعرضون بشكل مكثف لمحتوى سريع الإيقاع، عالي الإثارة، وقائم على الترفيه اللحظي، وهو ما يعيد تشكيل أنماط إدراكهم للعالم من خلال آليات الخوارزميات واقتصاد الانتباه.

وفي المجال المعرفي، يضرب المحتوى الهابط قيمة المعرفة المتأنية لأنه يرسخ ثقافة الاستهلاك السريع بدلاً من ثقافة الفهم، ويكافئ الرائج بدلاً من الرصين، وتؤكد منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أن المحتوى الزائف أو المضلل يمكن أن يعمّق الاستقطاب السياسي، ويضعف الثقة العامة، ويهدد الصحة العامة، وأن التدخلات في التربية الإعلامية يمكن أن تخفف من نزعة مشاركة الأخبار الزائفة، إذ أظهرت إحدى التجارب أن تزويد المستخدمين بنصائح في الإعلام الرقمي خفّض نية مشاركة العناوين الكاذبة بنسبة (21%) لذلك، فالأثر الثقافي للمحتوى الهابط لا يقف عند حدود الذائقة، بل يمتد إلى اقتصاد المعرفة ذاته([10]).

ومن منظور الجيوسياسية الرقمية لا يُعد هذا التأثير مجرد تفاعل فردي مع المحتوى، بل هو نتاج بنية رقمية عابرة للحدود تتحكم فيها منصات عالمية تحدد أولويات الظهور والتفاعل وفق منطق الربحية والانتشار، وليس وفق اعتبارات ثقافية أو تربوية محلية، لذلك يصبح الشباب أكثر عرضة لتبني أنماط تفكير وسلوك تتسم بالسطحية والتجزئة المعرفية، نتيجة التعرض المتكرر لمحتوى يفضل الإثارة على العمق، والانفعال على التحليل، مما يؤدي إلى إضعاف القدرة النقدية لدى الشباب في التمييز بين المحتوى الجاد والمحتوى المبتذل، خاصة في ظل تداخل الترفيه مع المعلومة داخل الفضاء الرقمي.

ومع مرور الوقت، تتشكل لديهم منظومة قيمية جديدة تتأثر بمعايير الانتشار والقبول الرقمي (الترند) أكثر من ارتباطها بالقيم الثقافية أو العلمية التقليدية، لذا فإن تأثير المحتوى الهابط على الشباب في العراق لا يمكن قراءته كظاهرة اجتماعية معزولة، بل كجزء من ديناميات الجغرافيا السياسية الرقمية التي تعيد توزيع السلطة المعرفية والثقافية عبر المنصات، بما ينعكس على تشكيل الوعي الجمعي وإعادة إنتاج الهويات داخل مجتمع شديد الارتباط بالفضاء الرقمي العالمي.

 

رابعاً: المحتوى الهابط والأمن الوطني العراقي

الأمن الوطني في العصر الرقمي لم يعد يُختزل في الحدود والسيادة العسكرية والموارد الاقتصادية، بل صار يشمل ما يمكن تسميته بالأمن الفكري والمجالي والمعلوماتي، فالمحتوى الهابط حين يتداخل مع الشائعة والتضليل وخطاب الكراهية، يتحول إلى أداة لتفكيك الثقة، وإرباك الإدراك، وإضعاف القدرة على التمييز بين المعلومة والتحريض، وبين الرأي والتحريض، وبين الجدل المشروع والاستفزاز المقصود، وأن المعلومات المضللة على شبكات التواصل تؤثر تأثيراً مباشراً في تزييف الوعي السياسي لدى العراقيين، وأنها تفضي إلى تغيير في اتجاهات الرأي العام. هذا التأثير المعرفي، عندما يصبح واسعاً ومتكرراً، يلامس صميم الأمن الوطني لأن الدولة لا تُحكم بالمؤسسات وحدها، بل أيضاً بدرجة ثقة الناس بمؤسساتها وروايتها العامة.

ويكتسب هذا البعد أهمية مضاعفة حين تصبح المنصات نفسها ساحة نزاع بين الدولة والشركات العالمية، فقد أشار تقرير (INSM) إلى أن العراق شهد خلال 2024 و2025 ازدياداً في طلبات تقييد المحتوى الموجهة إلى (Meta) و (TikTok)، مع انتقال بعض الممارسات إلى ما يشبه الحجب الجغرافي أو الإخفاء داخل العراق فقط. سواء اتفق المرء أو اختلف مع تلك الإجراءات، فإنها تكشف أن السلطة الرقمية لم تعد واحدة ومطلقة، بل هي موزعة بين السياسات الوطنية وقواعد الشركات والمعايير الدولية وضغط الرأي العام، وهنا تتحول السيادة الرقمية إلى سؤال: من يقرر ما الذي يُحذف؟ ومن يملك حق الاعتراض؟ ومن يضمن ألا يُستخدم معيار «المحتوى الضار» لتصفية النقد المشروع؟ ([11])

كما أن موضوع السيادة الرقمية لا ينفصل عن حماية البيانات الشخصية وحوكمة المنصات، وأن غياب تشريع شامل يجعل الدولة أضعف في إدارة المخاطر المرتبطة بالخصوصية والأمن والاقتصاد، وهذا مهم لأن المحتوى الهابط لا يعمل وحده، فهو كثيراً ما يتغذى من جمع البيانات السلوكية، والتوجيه الخوارزمي، والتلاعب بالاهتمام، واستهداف الجمهور الهش. لذلك، فإن أي استراتيجية أمن وطني رقمي لا بد أن تتعامل مع المحتوى بوصفه حلقة من حلقة أكبر تشمل البيانات والاختراقات والتمييز الخوارزمي والتلاعب بالمشاعر العامة.

 

 

وتُظهر تجربة اليونسكو في العراق خلال (2026) أن المحتوى الضار لا يُنتج فردياً فقط، بل يتعاظم عبر التفاعل الجماعي والاصطفاف العاطفي والرسائل المتكررة والمنسقة، فقد رصدت منظمات عراقية بالشراكة مع اليونسكو آلاف المنشورات وجرى تحليل (713) حالة من المحتوى الضار، وخلصت إلى تصاعد خطاب الكراهية والتحريض، ووجود مؤشرات على تنسيق شبكي في بعض الحملات الرقمية، وهذا مهم جيوبوليتيكياً لأن العراق يقع في منطقة تتشابك فيها الصراعات الإقليمية والداخلية، بحيث يمكن أن تتحول المنصات إلى وسيط لتدويل الأزمة ثم إعادة محليتها داخل المجال العراقي([12]).

فالمحتوى الهابط لا يقتصر تأثيره على الجانب الترفيهي أو الأخلاقي، بل يسهم في إعادة تشكيل أولويات المجتمع واتجاهات الرأي العام، من خلال تكريس ثقافة الاستهلاك السريع للمعلومات وتهميش المحتوى المعرفي والثقافي للفرد العراقي، ومع اتساع انتشاره بين فئات الشباب، قد يؤدي إلى إضعاف الوعي النقدي وتقليل الاهتمام بالقضايا الوطنية والتنموية، مما يؤثر في مستوى المشاركة المجتمعية والإحساس بالمسؤولية العامة.

كما أن هيمنة هذا النوع من المحتوى على الفضاء الرقمي تسهم في تشتيت الانتباه المجتمعي عن القضايا الاستراتيجية التي تمس الأمن والاستقرار، وتدفع نحو الانشغال بموضوعات هامشية أو مثيرة للجدل بهدف تحقيق التفاعل الرقمي، وفي بعض الحالات يمكن أن يُستغل هذا الواقع لتمرير معلومات مضللة أو خطابات تستهدف إثارة الانقسام الاجتماعي أو إضعاف الثقة بالمؤسسات الرسمية.

لذلك تزداد خطورة المحتوى الهابط من منظور الجغرافية السياسية، بسبب ارتباطها بمنصات رقمية عابرة للحدود الجغرافية، وتتحكم بخوارزميات توجيه المحتوى وتحديد أولويات ظهوره، وبذلك تصبح عملية التأثير في الوعي المجتمعي جزءاً من صراعات النفوذ في الفضاء الرقمي العالمي، حيث لم تعد الدولة الفاعل الوحيد في إدارة المجال المعلوماتي، بل أصبحت تشاركها هذه المهمة شركات ومنصات عالمية تمتلك قدرة كبيرة على التأثير في اتجاهات الرأي العام.

 

خامساً: رؤى ومعالجات للحد من المحتوى الهابط في العراق

إن المعالجة الجادة لظاهرة المحتوى الهابط لا ينبغي أن تنطلق من المقاربة العقابية وحدها، لأن العقاب قد يحدّ من العرض دون أن يغيّر الطلب أو البنية الاجتماعية والثقافية التي تنتج الظاهرة. ولذلك فإن مواجهة هذه المشكلة تتطلب بناء منظومة متكاملة تجمع بين التشريع والتربية والتنظيم المؤسسي والدعم الثقافي والتقني، بما يسهم في تعزيز المحتوى الرصين والحد من انتشار المضامين السطحية أو المضللة.

  1. تطوير إطار تشريعي وطني شامل ينظم البيئة الرقمية ويحمي البيانات الشخصية ويحدد مسؤوليات المنصات الإلكترونية، مع توفير آليات واضحة للمساءلة والتظلم والشفافية، ووضع معايير دقيقة تميّز بين المحتوى الضار وحرية التعبير المشروعة.

  2. إدماج التربية الإعلامية والرقمية في المناهج الدراسية والبرامج الجامعية بصورة منهجية ومستدامة، بما يعزز مهارات التحقق من المعلومات، وفهم آليات عمل الخوارزميات، والتمييز بين الخبر والرأي، واكتشاف المحتوى المضلل، بوصفها مهارات أساسية للأمن الثقافي والمعرفي.

  3. دعم صناعة المحتوى الهادف من خلال تمكين المؤسسات الإعلامية والثقافية وصناع المحتوى الموثوقين، وتوفير برامج تمويل وتشجيع للإنتاج الرقمي التفاعلي الجاذب، لأن المنافسة مع المحتوى الهابط لا تتحقق بالمواعظ وحدها، بل بإنتاج بدائل أكثر جودة وتأثيراً وقدرة على الوصول إلى الجمهور.

  4. تأسيس مرصد وطني للمحتوى الرقمي يتابع الاتجاهات الرقمية والحملات المنسقة وأنماط التضليل، ويصدر تقارير دورية لصناع القرار، ويسهم في اقتراح سياسات استباقية تحدّ من الظواهر السلبية قبل تفاقمها.

  5. تعزيز الشراكة المؤسسية بين الدولة والجامعات والمؤسسات التعليمية والإعلامية ومنظمات المجتمع المدني ومنصات التحقق من الأخبار، بما يضمن تنسيق الجهود وتبادل الخبرات وتوحيد الاستجابات لمواجهة المحتوى الهابط والتضليل الرقمي.

  6. العمل على زيادة الشفافية في الخوارزميات والإعلانات الممولة والبوستات الموجهة، وإلزام المنصات الرقمية بالإفصاح عن أسس التوصية بالمحتوى، والحد من الحسابات الوهمية والمنسقة التي تسهم في تضخيم المحتوى الهابط وتوجيه الرأي العام بصورة غير موضوعية.

إن نجاح هذه المعالجات مرهون بانتقال الجهود من ردود الفعل المؤقتة إلى سياسات وطنية طويلة الأمد تنظر إلى الفضاء الرقمي بوصفه جزءاً من الأمن الثقافي والمعرفي للمجتمع، وتعمل على بناء مواطن رقمي واعٍ قادر على التمييز بين المعرفة الحقيقية والمحتوى المصمم لاستغلال الانتباه وتحقيق الربح على حساب القيم والوعي العام.

 

 

خاتمة

أن المحتوى الهابط في العراق ليس ظاهرة هامشية أو أخلاقية فحسب، بل هو مؤشر على تحولات أعمق في بنية المجال العام، وفي علاقة الدولة بالمجتمع، وفي موقع العراق داخل الجغرافيا السياسية الرقمية. فكلما اتسعت قاعدة الاستخدام الرقمي، وتعاظمت المنصات العابرة للحدود، وازدادت هشاشة الأطر القانونية، صار المجال الرقمي أكثر قابلية لأن يتحول إلى ساحة لإعادة تشكيل القيم والوعي والاصطفاف السياسي والاجتماعي، ومن هنا فإن معركة العراق مع المحتوى الهابط هي في جوهرها معركة على المعنى، وعلى الثقة، وعلى القدرة على إدارة الفضاء العام في زمن المنصات.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى