قراءة قرآنية وروائية فلسفية في ضوء مدرسة أهل البيت
بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
يُعدّ سؤال “لماذالايتدخلاللهمباشرةلنصرةالمظلومين؟” من أكثر الأسئلة عمقًا وإيلامًا في الوعي الديني، لا سيما في أزمنة اشتداد الظلم وتكاثر المآسي والحروب، وهو سؤال لا يمسّ الإيمان بقدر ما يكشف عن توقٍ إنسانيٍّ للعدل الإلهي، وعن رغبةٍ صادقة في فهم آليات تحقق هذا العدل في عالمٍ تحكمه السنن.
أولًا:التأصيلالقرآني …سننٌإلهيةحاكمةلاتُخرق
يقدّم القرآن الكريم رؤيةً للعالم قائمة على نظامٍ دقيق من “السنن الإلهية”، لا على الخوارق المستمرة أو التدخلات الاستثنائية المنفلتة، فالله سبحانه يدير الكون وفق قوانين ثابتة تحكم حركة الأفراد والمجتمعات والتاريخ، بحيث لا يقع النصر أو التغيير خارج هذا الإطار، وفي هذا السياق، تأتي الآية الكريمة: “إناللهلايغيرمابقومحتىيغيروامابأنفسهم“ لتؤسس لفلسفة قرآنية عميقة مفادها أن التغيير الخارجي مشروط بتحول داخلي، وأن الفعل الإلهي في نصرة الأمم لا ينفصل عن وعيها وسلوكها، فالتدخل الإلهي ليس غائبًا، لكنه يجري عبر الإنسان لا بمعزل عنه.
ويعزّز هذا المعنى قوله تعالى: “أمحسبتمأنتدخلواالجنةولمايأتكممثلالذينخلوامنقبلكم…”، حيث تكشف الآية أن طريق النصر محفوف بالابتلاءات المادية والنفسية، حتى يبلغ المؤمنون مرحلة التساؤل الوجودي: “متىنصرالله؟“، وهي ذروة الامتحان، غير أن الجواب القرآني لا يأتي على شكل تدخل إعجازي فوري، بل بتأكيد أن النصر قريب، ولكن وفق شروطه وسننه، وهذا يكشف أن التأخر الظاهري للنصر ليس غيابًا له، بل هو جزء من مسار تكويني يُنضج شروط تحققه.
ويؤكد القرآن على ثبات هذه السنن وعدم خضوعها للاستثناء، بقوله تعالى: “فلنتجدلسنةاللهتبديلاولنتجدلسنةاللهتحويلا“، مما يعني أن القوانين التي تحكم النصر والهزيمة لا تتغير حتى لأجل المؤمنين إن هم خالفوا مقتضياتها، ويتجلى ذلك بوضوح في أحداث التاريخ الإسلامي، حيث لم يُستثنَ المسلمون من نتائج مخالفتهم لشروط النصر، كما حصل في أُحد، مما يدل على أن الإيمان وحده لا يكفي ما لم يُترجم إلى التزام عملي بالسنن.
ومن هنا، تتضح العلاقة التكاملية بين الإرادة الإلهية والفعل الإنساني، فالقرآن يقرّر أن “وما النصر إلا من عند الله”، لكنه في الوقت نفسه يأمر: “وأعدّوا لهم ما استطعتم من قوة”، فيجمع بين المصدر الإلهي للنصر والشرط الإنساني لتحققه، فالله هو المانح، لكن الإنسان هو الذي يهيّئ القابلية وبذلك، فإن”التدخل الغيبي” لا يُلغى، بل يُفهم بوصفه فعلًا يجري ضمن منظومة الأسباب، لا خارجها.
المأساة في غزة
كما يبرز الابتلاء كشرط أساسي للتمكين، إذ يقول تعالى: “ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين”، أي حتى يظهر ذلك في الواقع العملي الذي تترتب عليه النتائج، فالابتلاء ليس عائقًا أمام النصر، بل هو عملية إعداد له، يكشف من خلالها صدق الإيمان، وتُبنى فيها القابلية الحقيقية للتمكين. ومن هنا، فإن تأخر النصر لا يُعد فراغًا أو غيابًا، بل مرحلة تكوينية ضرورية.
أما ما يُتوهم من تعارض بين عدم التدخل الفوري والعدالة الإلهية، فيعالجه القرآن من خلال مفهوم “الإمهال”، كما في قوله تعالى: “ولاتحسبناللهغافلًاعمايعملالظالمون…”، حيث يبيّن أن تأخير العقوبة ليس غفلة، بل جزء من نظام العدالة الإلهية الذي يقوم على إعطاء الفرصة، وإقامة الحجة، وتراكم النتائج، فالعدل الإلهي لا يُقاس بلحظته الآنية فقط، بل يمتد في الزمن، وقد يتجلى في الدنيا أو يتكامل في الآخرة.
وخلاصة هذا التأصيل القرآني أن الإنسان ليس متلقيًا سلبيًا للقدر، بل شريكٌ في صناعة المصير، فالنصر في المنظور القرآني ليس معجزة تُمنح، بل نتيجة تُبنى من خلال التفاعل بين السنن الإلهية والفعل الإنساني، وعليه،فإنغيابالتدخلالغيبيالمباشرلايعنيغيابالله،بليعنيحضورهالأعمقمنخلالالقانون،ودعوتهللإنسانأنيتحملمسؤوليته،وينتقلمنموقعالانتظارإلىموقعالفعل.
يقدّم التاريخ الديني كما يعرضه القرآن الكريم لوحةً عميقةً لحركة الرسالات، لا بوصفها مساراتٍ سريعة نحو النصر، بل بوصفها تجارب طويلة من الابتلاء والتأجيل والتدرّج في تحقق الوعد الإلهي، وهذا البعد الزمني في النصر ليس تفصيلًا عارضًا، بل هو جزء من السنن التي تحكم فعل الله في التاريخ، فالنبي نوح عليه السلام يمثّل النموذج الأبرز لطول أمد الدعوة مع قلة الاستجابة، إذ يصرّح القرآن: “فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عامًا”، وهي مدة تكاد تختصر معنى الصبر الرسالي، ومع ذلك، لم يتحقق النصر الاجتماعي للدعوة في حياته بالشكل الظاهر، بل بقيت الاستجابة محدودة جدًا، حتى انتهى الأمر بالطوفان، وهنا، لا يظهر التدخل الغيبي بوصفه إنقاذًا فوريًا من معاناة الدعوة، بل كخاتمة لمسار طويل من إقامة الحجة واستنفاد كل وسائل الإصلاح، فالتأخر لم يكن عجزًا، بل كان استكمالًا لشروط العدالة الإلهية.
أما النبي إبراهيم عليه السلام، فتجربته تكشف بُعدًا آخر، وهو بلوغ الابتلاء ذروته قبل حصول الفرج، حين أُلقي في النار، لم يُنقذ ابتداءً من أصل المحنة، بل تُرك ليواجهها حتى أقصى درجاتها، ثم جاء التدخل الإلهي: “قلنا يا نار كوني بردًا وسلامًا” إن دلالة هذا المشهد عميقة، فالله لم يمنع وقوع الحدث، بل تدخّل في لحظته الحاسمة، بعد أن اكتملت دلالته الاختبارية والرمزية،وكأنالسنّةالإلهيةهناتقول: إنالنجاةليستإلغاءًللامتحان،بلتتويجًالهبعدتمامه.
وفي سيرة النبي محمد (صلى الله عليه وآله)، تتجلى هذه السنن بوضوح تاريخي أشد التصاقًا بالواقع، فقد عاش المسلمون في مكة مرحلة قاسية من الاستضعاف: تعذيب، حصار، مقاطعة، واستهزاء، حتى بدا المشهد وكأن الباطل متغلب بلا منازع، ومع ذلك، لم ينزل النصر بصورة إعجازية تُنهي المعاناة فورًا، بل تأخر حتى تحققت شروطه: تكوّن جماعة مؤمنة صلبة، ووجود حاضنة اجتماعية في المدينة، ونضج الوعي الرسالي، عندها فقط بدأ التحول التاريخي، فالهجرة لم تكن مجرد انتقال جغرافي، بل كانت انتقالًا من طور الاستضعاف إلى طور الفعل، ومن ثم جاء النصر في سياقٍ تراكمي، لا دفعي.
إن هذه النماذج الثلاثة، رغم اختلاف سياقاتها، تلتقي في حقيقة واحدة: أنالتدخلالغيبيلايأتيعادةًلإلغاءمسارالألممنبدايته،بلليحسمهفينهايته، بعد أن يؤدي دوره في التمحيص والبناء. فاللهلايعجّلالنتائجقبلاكتمالمقدماتها،ولايمنحالنصرقبلتحقققابليته.
وبذلك، يتضح أن تأخر النصر في التاريخ الديني ليس فراغًا في العناية الإلهية، بل امتلاءٌ بالحكمة، إذ يُراد للإنسان أن ينضج في قلب المحنة، وأن تتشكل الجماعة المؤمنة عبر التحدي، لا في غيابه، ومن هنا، فإن التدخل الغيبي يأتي في “اللحظة المفصلية” التي تتقاطع فيها الإرادة الإنسانية مع تمام السنن، فيتحول المسار من اختبارٍ إلى تمكين.
تقدّم روايات مدرسة أهل البيت (عليهم السلام) معالجةً عميقة لمسألة النصر الإلهي، بوصفه نتيجةً منضبطة ضمن سنن وقوانين، لا حدثًا عشوائيًا أو تدخّلًا منفصلًا عن الواقع البشري، فهي تنقل الفهم من دائرة التمنّي والانتظار السلبي إلى دائرة المسؤولية والفعل، وتؤسس لرؤيةٍ يكون فيها الإنسان شريكًا في تحقق الوعد الإلهي.
في هذا السياق، يُنقل عن الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام قوله: “لا يُدرك الحق إلا بالجد”، وهي عبارة تختصر فلسفة كاملة في العمل الرسالي، إذ تنفي أن يكون الحق كافيًا بذاته ليفرض حضوره في الواقع، ما لم يُحمل بإرادةٍ جادّة وسعيٍ متواصل، فالحق، في المنظور العلوي، ليس فكرةً مجردة، بل مشروع يحتاج إلى من يجسّده ويضحّي لأجله، وهذا يعني أن تأخر النصر لا يعود دائمًا إلى قوة الباطل، بل قد يرتبط بضعف حاملي الحق في مستوى الجدية والاستعداد.
ويُعزّز هذا المعنى ما رُوي عن الإمام جعفر الصادق عليه السلام: “إن الله أبى أن يجري الأمور إلا بأسبابها”، وهو نصٌّ يؤسس لقاعدة فلسفية- كلامية بالغة الأهمية، مفادها أن الفعل الإلهي في العالم لا يجري على نحوٍ اعتباطي، بل ضمن شبكة من العلل والوسائط، فحتى النصر، مع كونه من عند الله، لا يتحقق إلا عبر أسبابه: وعي، إعداد، صبر، وتنظيم، ومنهنا،فإنانتظارالنصردونبناءأسبابههوفيحقيقتهخروجعنالسننالإلهية،لاتعبيرعنالتوكل.
إن هذه الرؤية الروائية تنسجم مع ما يطرحه علم الكلام الإمامي من رفض “الجبر” الذي يلغي دور الإنسان، ورفض “التفويض” الذي يعزل الله عن فعله، لتؤسس بدلًا من ذلك لمبدأ “الأمربينأمرين“، حيث يتكامل الفعل الإلهي مع الاختيار الإنساني. فالله هو الفاعل الحقيقي، لكن فعله يتجلى عبر الإنسان، لا بديلًا عنه.
ويتجلّى هذا الفهم بوضوحٍ أكبر في قضية الانتظار المهدوي، التي تُعدّ من أبرز مفاصل الفكر الإمامي. فظهور الإمام المهدي (عجّل الله فرجه)- وهو التعبير الأقصى عن التدخل الغيبي في مسار التاريخ- لا يُقدَّم في الروايات كحدثٍ منفصل عن الواقع البشري، بل كتحوّلٍ مشروط بوجود “القاعدة الصالحة”، وهذه القاعدة لا تُفهم عدديًا فحسب، بل نوعيًا: وعيًا، وولاءً، واستعدادًا للتضحية،
وقد ورد في مضامين الروايات ما يشير إلى أن غياب هذه القاعدة هو أحد أسباب تأخر الظهور، ما يكشف عن أن الغيب نفسه ينتظر الإنسان، لا أن الإنسان ينتظر الغيب فقط،فالتدخلالإلهيالأكبرفيالتاريخلايقعفيفراغ،بلفيبيئةٍمهيّأةلاستقبالهوحمايته.
ومن هنا، يمكن قراءة “عدم التدخل الغيبي- “في بعض المراحل- بوصفه تعبيرًا عن خللٍ في الشروط، لا غيابًا في الإرادة الإلهية، فالله، وفق هذه الرؤية، لا يمنع النصر عن عباده، لكنه لا يمنحه خارج سننه، لأن في ذلك إلغاءً لوظيفة الإنسان في الاستخلاف.
إن العمق الذي تقدمه روايات أهل البيت عليهم السلام يتمثل في إعادة توجيه السؤال: ليس“لماذالاينصرناالله؟“ بل: “هلبلغنامستوىالاستعدادالذييجعلناأهلًالنصره؟“
وبهذا التحول، تنتقل الأمة من موقع الاحتجاج إلى موقع المراجعة، ومن انتظار الحدث الغيبي إلى صناعة شروطه.
رابعًا: التحليلالفلسفي…بينالقدرةالإلهيةوالحكمة
فلسفيًا، لا يُفهم عدم التدخل الغيبي على أنه عجز- تعالى الله عن ذلك- بل على أنه تعبير عن الحكمة، فالعالم، وفق الرؤية التوحيدية، ليس فوضى، بل نظام محكم قائم على العلل والمسببات.
لوكانالتدخلالإلهيمباشرًافيكلظلم،لانتفى:
معنى الاختيار الإنساني.
قيمة المسؤولية.
جدوى الابتلاء.
إن الله، في حكمته، لا يلغي دور الإنسان، بل يمنحه فرصة ليكون فاعلًا في تحقيق العدل، فالتدخل الغيبي المستمر يحوّل الإنسان إلى كائنٍ سلبي، بينما غيابه الظاهري يدفعه إلى الفعل.
خامسًا:البعدالاجتماعي…صناعةالنصرلاانتظاره
من منظور علم الاجتماع، فإن المجتمعات التي تنتظر الخلاص الخارجي دون أن تبني شروطه الداخلية تبقى أسيرة الضعف، أما المجتمعات التي تتحرك وفق وعيٍ ومسؤولية، فإنها تُفعّل “السنن الإلهية” لصالحها.
إن فكرة “عدم التدخل الغيبي” قد تتحول- إن أسيء فهمها- إلى مبرر للركون، لكنها في حقيقتها دعوة للحركة.
فاللهلاينصرأمةً:
فاقدة للوعي.
مفككة الإرادة.
غارقة في التناقضات.
بلينصرأمةً:
تعرف حقها.
تتحمل مسؤوليتها.
وتتحرك ضمن مشروع واضح.
سادسًا:قراءةتكاملية…الغيبيعملمنخلالالإنسان
إن الغيب، في المنظور الإسلامي، لا يعمل خارج العالم، بل من خلاله. فاللهينصرعباده،لكنعبر:
وعيهم.
صبرهم.
تضحياتهم.
وحين تتكامل هذه العناصر، يتحقق النصر بوصفه نتيجة طبيعية، لا معجزة طارئة.
إن السؤال عن غياب التدخل الغيبي ليس اعتراضًا، بل دعوة للفهم، فالله حاضر دائمًا، لكن حضوره لا يُقاس بالخوارق، بل بعمق السنن، وحين يدرك الإنسان أن النصر لا يُمنح بل يُصنع، وأن الغيب لا يُلغي دوره بل يفعّله، يتحول من متسائلٍ قلق إلى فاعلٍ مسؤول.