من سقوط الموصل إلى فتوى الجهاد الكفائي

كيف تحولت الأزمة إلى بوابة نجاة العراق من الإرهــ ـــاب؟

بقلم: د. علي فاضل مهدي الموسوي

 

 

مقدمة

يمثل سقوط مدينة الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 واحداً من أخطر الأحداث التي شهدها العراق في تاريخه المعاصر، ليس بسبب فقدان مدينة كبيرة ومهمة فحسب، بل لأن هذا الحدث كشف عن حجم التحديات الأمنية والسياسية والاجتماعية التي كانت تتراكم منذ سنوات، فالمدينة التي تعد ثاني أكبر مدن العراق، وتمثل مركزاً اقتصادياً وتجارياً وثقافياً مهماً في شمال البلاد، كانت تعيش قبل سقوطها حالة من الاضطراب الأمني والتوتر السياسي، رافقتها تنامي نشاط الجماعات المتطرفة وضعف سيطرة الدولة على العديد من المناطق المحيطة بها.

فمنذ عام 2003 أصبحت محافظة نينوى ساحة مفتوحة لتحركات التنظيمات الإرهـ ــابية والجماعات المسلحة التي استغلت طبيعة المحافظة الجغرافية واتساعها وتعدد مكوناتها السكانية لتأسيس شبكات نفوذ وتحرك داخلها، وعلى الرغم من الجهود الأمنية المتواصلة، فإن تنظيم د1عش تمكن خلال الأعوام التي سبقت عام 2014 من التغلغل داخل بعض المناطق واستثمار حالة الاحتقان السياسي والخلافات القائمة بين القوى المختلفة، فضلاً عن استغلال حالة الضعف الإداري والفساد التي أصابت بعض مفاصل الدولة.

وقبيل سقوط الموصل، كانت المؤشرات الميدانية تنذر بخطر متصاعد، إذ شهدت المحافظة عمليات اغتيال وتفجيرات متكررة وعمليات ابتزاز واسعة للمواطنين والتجار، فضلاً عن تنامي النفوذ السري للتنظيم داخل المدينة، ومع بدء الهجوم الواسع الذي شنه د1عش في حزيران 2014، انهارت قطعات عسكرية وأمنية كانت تتولى حماية المدينة، الأمر الذي أدى إلى سيطرة التنظيم عليها خلال أيام قليلة، في مشهد صدم العراقيين والعالم بأسره.

ولم تتوقف تداعيات السقوط عند حدود الموصل، بل امتدت سريعاً إلى محافظات أخرى، حيث سيطر التنظيم على مساحات شاسعة من الأراضي العراقية، وأصبح يهدد العاصمة بغداد والمدن المقدسة، كما ارتكب جرائم مروعة بحق المدنيين شملت القتل الجماعي والتهجير القسري واستهداف الأقليات الدينية والقومية وتدمير المعالم الحضارية والتراثية. وبات العراق يواجه خطراً وجودياً حقيقياً هدد وحدته السياسية والاجتماعية وأثار مخاوف جدية من انهيار الدولة ومؤسساتها.

وفي خضم هذه الظروف الاستثنائية، صدرت فتوى الجهاد الكفائي من المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بزعامة سماحة السيد “علي السيستاني” في الثالث عشر من حزيران عام 2014، لتشكل منعطفاً تاريخياً حاسماً في مسار الأحداث، إذ أعادت الفتوى الثقة إلى المجتمع العراقي، وأطلقت موجة واسعة من التطوع الشعبي للدفاع عن الوطن ومقدساته، وأسهمت في ولادة الحشد الشعبي الذي تحول لاحقاً إلى أحد أبرز عوامل الصمود والمقاومة في مواجهة الإرهـ ــاب.

ومن هنا تبرز أهمية دراسة العلاقة بين سقوط الموصل وصدور فتوى الجهاد الكفائي، بوصفها تمثل انتقال العراق من مرحلة الخطر الوجودي والانهيار إلى مرحلة المقاومة والتحرير واستعادة المبادرة، فالفتوى لم تكن مجرد استجابة دينية لحدث أمني، بل مشروعاً وطنياً أسهم في حماية الدولة العراقية ومنع سقوطها، حتى أصبحت بحق بوابة النجاة التي عبر منها العراق من زمن التهديد الإرهــ ـــابي إلى زمن التحرير والانتصار.

 

أولاً: سقوط الموصل… بداية الخطر الوجودي

لم يكن سقوط مدينة الموصل في العاشر من حزيران عام 2014 مجرد انتكاسة عسكرية أو خسارة جغرافية عابرة، بل كان حدثاً مفصلياً هزّ أركان الدولة العراقية وكشف عن تراكمات طويلة من المشكلات الأمنية والسياسية والإدارية التي أسهمت في إضعاف قدرة الدولة على مواجهة التحديات الكبرى، فقد جاءت سيطرة تنظيم د1عش على المدينة بعد سنوات من النشاط الإرهــ ــابي المتصاعد، مستفيداً من الأوضاع الأمنية الهشة والتجاذبات السياسية وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية بحفظ الأمن والاستقرار.

وقد شكلت سرعة انهيار القطعات العسكرية والأمنية في الموصل صدمة كبيرة للرأي العام العراقي، إذ انسحبت وحدات عسكرية تمتلك العدة والعتاد أمام مجموعات مسلحة أقل عدداً، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول أسباب الانهيار، ودور الفساد الإداري والمالي، وضعف القيادة العسكرية، وسوء التقدير الاستخباري في وقوع هذه الكارثة، ولم يكن سقوط الموصل نهاية الحدث، بل كان بداية مرحلة أكثر خطورة تمثلت في التمدد السريع لتنظيم د1عش نحو مناطق أخرى من العراق.

ففي غضون أسابيع قليلة تمكن التنظيم من السيطرة على مساحات واسعة من محافظات نينوى وصلاح الدين والأنبار وأجزاء من ديالى وكركوك، وأصبح يسيطر على مدن وبلدات استراتيجية مهمة، مما جعله يمتلك موارد مالية وعسكرية وبشرية ضخمة عززت من قدرته على مواصلة الهجوم والتوسع، وقد بدا واضحاً أن التنظيم لا يسعى إلى تنفيذ عمليات إرهــ ــابية محدودة فحسب، بل يهدف إلى إسقاط الدولة العراقية وفرض مشروعه المتطرف على أجزاء واسعة من البلاد.

وأمام هذا الواقع، بدأت المخاوف تتصاعد من إمكانية وصول التنظيم إلى العاصمة بغداد، خصوصاً مع سقوط عدد من المناطق المحيطة بها وتزايد الهجمات الإرهــ ــابية في محيطها، كما تعرضت المدن المقدسة في النجف الأشرف وكربلاء المقدسة وسامراء لتهديدات مباشرة، الأمر الذي رفع مستوى القلق الشعبي إلى أعلى درجاته، وجعل العراقيين يشعرون بأن الخطر بات يهدد وجودهم ومستقبل دولتهم وهويتهم الوطنية.

ولم تقتصر تداعيات سقوط الموصل على الجانب الأمني والعسكري فقط، بل امتدت إلى مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية والإنسانية، إذ شهد العراق واحدة من أكبر موجات النزوح الداخلي في تاريخه الحديث، حيث اضطرت مئات الآلاف من الأسر إلى مغادرة مناطقها هرباً من بطش التنظيم، فيما تعرضت الأقليات الدينية والقومية إلى حملات اضطهاد وتهجير منظمة، كان أبرزها ما تعرض له الإيزيديون والمسيحيون وغيرهم من المكونات العراقية الأصيلة.

كما ارتكب التنظيم سلسلة من الجرائم والمجازر المروعة التي هزت الضمير الإنساني، ومن أبرزها مجزرة سبايكر التي راح ضحيتها آلاف الطلبة والجنود، فضلاً عن عمليات الإعدام الجماعي والخطف والسبي والتعذيب التي طالت آلاف المدنيين الأبرياء، ولم يكتفِ التنظيم بذلك، بل عمد إلى تدمير المواقع الأثرية والتراثية والدينية، في محاولة لمحو الهوية الحضارية والتاريخية للعراق.

 

لقد ترتبت على سقوط الموصل مجموعة من الآثار الخطيرة يمكن إجمالها بما يأتي:

  • انهيار الثقة الشعبية بقدرة المؤسسات الأمنية والعسكرية على حماية البلاد.

  • اتساع رقعة سيطرة الإرهــ ــاب على أجزاء واسعة من الأراضي العراقية.

  • نزوح وتهجير ملايين المواطنين من مناطقهم الأصلية.

  • ارتكاب جرائم إبادة ومجازر جماعية بحق المدنيين.

  • تهديد المراقد والمقدسات الدينية والمواقع التراثية.

  • تعميق الانقسامات الاجتماعية وإثارة المخاوف الطائفية والقومية.

  • إلحاق خسائر اقتصادية كبيرة نتيجة فقدان الموارد والمنشآت الحيوية.

  • تهديد وحدة العراق وسيادته واستقراره السياسي.

 

وبذلك يمكن القول إن سقوط الموصل لم يكن مجرد سقوط مدينة، بل كان لحظة تاريخية وضعت العراق أمام اختبار وجودي غير مسبوق، إذ بدت الدولة مهددة في كيانها ووحدتها، وأصبح مصير الملايين من العراقيين معلقاً على قدرة البلاد على استعادة زمام المبادرة ومواجهة أخطر تنظيم إرهــ ــابي عرفه العصر الحديث، ومن رحم هذه الأزمة الكبرى بدأت تتشكل ملامح الاستجابة الوطنية التي تجسدت لاحقاً بفتوى الجهاد الكفائي وتأسيس الحشد الشعبي، اللذين شكلا نقطة التحول الأبرز في مسار المواجهة مع الإرهــ ــاب.

 

ثانياً: فتوى الجهاد الكفائي واستنهاض المجتمع

في الوقت الذي كانت فيه الدولة العراقية تواجه أخطر تهديد في تاريخها الحديث، وكانت المدن تتساقط تباعاً بيد تنظيم د1عش الإرهــ ــابي، وتتصاعد المخاوف من انهيار المنظومة الأمنية ووصول الخطر إلى العاصمة بغداد والمدن المقدسة، برزت المرجعية الدينية العليا في النجف الأشرف بوصفها صمام أمان وطني وقوة معنوية قادرة على توجيه المجتمع نحو مواجهة الأزمة، ففي الثالث عشر من حزيران عام 2014 أعلن ممثل المرجعية العليا سماحة الشيخ عبد المهدي الكربلائي، خلال خطبة صلاة الجمعة في كربلاء المقدسة، فتوى الجهاد الكفائي الصادرة عن المرجع الأعلى سماحة السيد “علي السيستاني”، والتي دعت المواطنين القادرين على حمل السلاح إلى التطوع والانخراط في القوات الأمنية للدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته.

جاءت هذه الفتوى في ظرف استثنائي كانت فيه البلاد تعيش حالة من القلق والخوف والارتباك، حيث شعر كثير من العراقيين بأن الدولة تواجه خطراً وجودياً قد يؤدي إلى ضياع الوطن وتمزيق نسيجه الاجتماعي، ولذلك لم تكن الفتوى مجرد حكم شرعي أو موقف ديني، بل كانت مبادرة وطنية تاريخية هدفت إلى تعبئة طاقات المجتمع واستنهاض إرادة العراقيين لمواجهة الخطر المشترك.

وقد تميزت الفتوى بكونها جاءت بلغة وطنية جامعة بعيدة عن الانقسامات السياسية والطائفية، إذ أكدت أن الدفاع عن العراق مسؤولية الجميع، وأن المعركة ليست دفاعاً عن فئة أو مذهب أو منطقة، وإنما دفاع عن الوطن بكل مكوناته وأبنائه، ولهذا السبب حظيت بتفاعل واسع داخل المجتمع العراقي، وأصبحت نقطة تحول كبرى في مسار الأحداث.

 

ومن أهم الخصائص التي ميزت فتوى الجهاد الكفائي:

  1. أنها كانت فتوى دفاعية وليست هجومية

فالمرجعية لم تدعُ إلى الاعتداء على أحد أو خوض حروب خارج حدود الوطن، وإنما دعت إلى الدفاع عن العراق وشعبه ومقدساته في مواجهة تنظيم إرهــ ـــابي يهدد الجميع دون استثناء، ولذلك ارتبطت الفتوى بمفهوم حماية الأرض والإنسان والدولة، وليس بمفاهيم التوسع أو الانتقام.

 

  1. أنها استهدفت حماية جميع العراقيين دون تمييز

فقد جاء خطاب المرجعية شاملاً لكل أبناء العراق بمختلف انتماءاتهم الدينية والقومية والمذهبية، لأن الإرهــ ــاب كان يستهدف الجميع، وقد أكدت المرجعية في أكثر من مناسبة أن الواجب الوطني والأخلاقي يقتضي حماية المدنيين وصون حقوق جميع المواطنين دون تفرقة.

 

  1. أنها أكدت الالتزام بالقانون والأخلاق الإنسانية

لم تكتفِ الفتوى بالدعوة إلى حمل السلاح، بل رافقتها توجيهات مستمرة شددت على ضرورة احترام حقوق الإنسان وعدم التعرض للأبرياء أو الممتلكات العامة والخاصة، والالتزام بالقيم الإسلامية والإنسانية في التعامل مع المدنيين أثناء العمليات العسكرية.

 

  1. أنها منعت الانجرار إلى الانتقام والطائفية

في وقت كانت فيه المجازر الإرهــ ــابية تثير مشاعر الغضب والحزن لدى العراقيين، حرصت المرجعية على منع تحول المعركة إلى صراع طائفي أو انتقامي، مؤكدة أن مواجهة الإرهــ ــاب يجب أن تبقى ضمن إطار الدفاع عن الوطن والقانون والعدالة، لا ضمن منطق الثأر والكراهية.

 

  1. أنها أعادت الثقة بإمكانية مواجهة الخطر

كان الأثر النفسي والمعنوي للفتوى من أهم نتائجها، إذ أعادت الأمل إلى ملايين العراقيين بعد حالة الإحباط التي رافقت سقوط الموصل. فشعر المواطن بأن العراق ما زال يمتلك القدرة على الصمود والمقاومة، وأن خطر د1عش ليس قدراً محتوماً يمكن الاستسلام له، وقد جاءت الاستجابة الشعبية للفتوى بصورة غير مسبوقة في تاريخ العراق الحديث، حيث توافد مئات الآلاف من المتطوعين من مختلف المحافظات إلى مراكز التطوع خلال أيام قليلة، معلنين استعدادهم للدفاع عن الوطن مهما كانت التضحيات، وشهدت المدن العراقية مشاهد تعبئة وطنية واسعة عكست حجم التفاعل الشعبي مع دعوة المرجعية، فتحولت حالة الخوف والانكسار إلى حالة من الصمود والإرادة والعزيمة.

ولم تقتصر آثار الفتوى على الجانب العسكري فحسب، بل أسهمت في إحياء روح التكافل الاجتماعي بين العراقيين، إذ انطلقت حملات الدعم والإسناد الشعبي للمتطوعين وعوائلهم، وبرزت مبادرات إنسانية وخدمية واسعة جسدت حالة التلاحم الوطني في مواجهة الخطر المشترك، كما أعادت الفتوى الاعتبار لقيم التضحية والانتماء الوطني والمسؤولية الجماعية، وأثبتت أن المجتمع العراقي يمتلك قدرة كبيرة على النهوض عندما تتعرض البلاد لتهديدات مصيرية.

عند قراءة أحداث عام 2014 بموضوعية تاريخية، يتضح أن فتوى الجهاد الكفائي مثلت نقطة تحول استراتيجية أعادت للعراق توازنه في لحظة انهيار خطير، إذ كسرت حالة الصدمة التي رافقت سقوط الموصل، وأوقفت التمدد السريع لتنظيم د1عش، وحولت مسار المعركة من الانهيار إلى الصمود ثم التحرير، كما أسهمت في إعادة الثقة الوطنية، وتوحيد الجهود الشعبية والرسمية، ومنحت الدولة الوقت لإعادة تنظيم قواتها، وصولاً إلى استعادة الأراضي المحتلة ومنع انهيار الدولة، لذلك تُعد الفتوى حدثاً مفصلياً لا في بعدها العسكري فقط بل في كونها بوابة نجاة حقيقية حفظت وحدة العراق وأعادت له قدرته على مواجهة أخطر تهديد وجودي في تاريخه الحديث.

 

 

ثالثاً: تأسيس الحشد الشعبي وتحوله إلى قوة دفاع وطنية

أحدثت فتوى الجهاد الكفائي تحولاً كبيراً في المشهد العراقي، إذ لم تقتصر آثارها على رفع المعنويات واستنهاض الإرادة الشعبية، بل أفضت إلى ولادة واحدة من أبرز التجارب الوطنية في تاريخ العراق الحديث، وهي تجربة الحشد الشعبي، فمع تدفق عشرات الآلاف من المتطوعين استجابة لنداء المرجعية الدينية العليا، برزت الحاجة إلى تنظيم هذه الطاقات الشعبية ضمن أطر مؤسسية قادرة على المشاركة الفاعلة في مواجهة الخطر الإرهــ ـــابي، الأمر الذي أدى إلى تشكيل الحشد الشعبي بوصفه قوة مساندة للقوات الأمنية والعسكرية العراقية.

وقد ضم الحشد الشعبي أبناء مختلف المحافظات والفئات الاجتماعية، من الشباب والطلبة والموظفين والعمال وأبناء العشائر، الذين تركوا أعمالهم وحياتهم الطبيعية استجابة لنداء الواجب الوطني، وكان الجامع بينهم الشعور بالمسؤولية تجاه الوطن والإيمان بضرورة الدفاع عن العراق في لحظة مصيرية هددت وجوده ووحدته، وفي بدايات تشكيله واجه الحشد الشعبي تحديات كبيرة، أبرزها الحاجة إلى التدريب والتسليح والتنظيم والإدارة، إلا أن روح التضحية والإصرار التي تحلى بها المتطوعون أسهمت في تجاوز هذه التحديات خلال فترة زمنية قصيرة، وسرعان ما أصبح الحشد قوة ميدانية مؤثرة، تعمل جنباً إلى جنب مع الجيش العراقي والأجهزة الأمنية الأخرى في مختلف جبهات القتال.

وكان أول اختبار حقيقي للحشد الشعبي هو الاسهام في إيقاف الزحف الإرهــ ــابي نحو العاصمة بغداد والمناطق المقدسة، حيث لعب دوراً مهماً في سد الفراغ الذي نتج عن انهيار بعض القطعات العسكرية في الأيام الأولى للأزمة، وقد أسهم هذا التدخل السريع في منع تنظيم د1عش من تحقيق أهدافه الاستراتيجية المتمثلة بالسيطرة على مزيد من المدن وإسقاط مؤسسات الدولة.

وخلال السنوات اللاحقة شارك الحشد الشعبي في معظم المعارك الكبرى التي خاضها العراق ضد الإرهــ ــاب، وأسهم في تحقيق انتصارات مهمة غيرت مسار الحرب، إذ شاركت تشكيلاته في عمليات الدفاع عن سامراء، وفك الحصار عن آمرلي، وتحرير جرف النصر، وبيجي، وتكريت، والفلوجة، والشرقاط، والموصل، والحويجة، والقائم، وغيرها من المناطق التي كانت ترزح تحت سيطرة تنظيم د1عش، كما انه لم يخسر معركة واحدة خاضها ضد قوى الإرهــ ـــاب والظلام.

 

وقد أسهم الحشد الشعبي في تحقيق مجموعة من الإنجازات الوطنية المهمة، من أبرزها:

  • حماية العاصمة بغداد ومنع سقوطها بيد التنظيم الإرهــ ــابي.

  • الدفاع عن المدن المقدسة والمراقد الدينية التي كانت هدفاً مباشراً لد1عش.

  • فك الحصار عن العديد من المناطق التي تعرض سكانها لخطر الإبادة والتجويع.

  • المشاركة الفاعلة في تحرير المحافظات والمدن المحتلة واستعادة سيادة الدولة عليها.

  • تقديم الدعم والإسناد للقوات الأمنية في مختلف جبهات القتال.

  • الاسهام في تأمين الطرق الاستراتيجية والمنشآت الحيوية.

  • تقديم آلاف الشهداء والجرحى الذين سطروا ملاحم بطولية في الدفاع عن الوطن.

  • تعزيز الروح الوطنية وترسيخ مفهوم التضحية من أجل المصلحة العامة.

 

ولم تقتصر أهمية الحشد الشعبي على دوره العسكري فقط، بل امتدت إلى أبعاد اجتماعية ووطنية أعمق، فقد تحول إلى رمز للتكاتف الشعبي في مواجهة الأزمات، وأعاد إحياء قيم التضامن والتكافل بين أبناء المجتمع العراقي. كما برزت حوله حركة واسعة من الدعم المجتمعي شملت تقديم المساعدات الإنسانية للنازحين، ورعاية عوائل الشهداء والجرحى، وتنظيم حملات الإغاثة في المناطق المتضررة من الإرهــ ــاب.

لقد أثبتت تجربة الحشد الشعبي أن الشعوب قادرة على صناعة التحولات الكبرى عندما تتوفر القيادة الحكيمة والهدف الوطني الواضح، فالحشد لم يكن مجرد تشكيل عسكري ولد في ظروف استثنائية، بل أصبح ظاهرة وطنية واجتماعية ارتبطت بمرحلة تاريخية مفصلية من تاريخ العراق، جسدت استعداد العراقيين للتضحية والفداء دفاعاً عن أرضهم ومقدساتهم ومستقبل أجيالهم، ومن هنا ارتبط اسم الحشد الشعبي في الذاكرة الوطنية العراقية بسنوات المواجهة الكبرى ضد الإرهــ ــاب، وبالتضحيات التي مهدت الطريق نحو التحرير واستعادة الأمن والاستقرار.

 

رابعاً: الدروس المستفادة من التجربة

لا تقتصر أهمية تجربة سقوط الموصل وفتوى الجهاد الكفائي وتأسيس الحشد الشعبي على كونها مرحلة من مراحل المواجهة العسكرية ضد الإرهــ ـــاب، بل تتجاوز ذلك لتشكل مدرسة وطنية غنية بالدروس والعبر التي يمكن أن يستفيد منها العراق في حاضره ومستقبله. فالأمم التي تتعرض للأزمات الكبرى لا يكفي أن تحتفل بانتصاراتها، بل ينبغي أن تتأمل أسباب الإخفاق والنجاح معاً، وأن تحول التجارب الصعبة إلى فرص للتعلم والإصلاح والبناء.

لقد كشفت أحداث عام 2014 عن مواطن ضعف خطيرة كادت أن تهدد وجود الدولة، كما أظهرت في الوقت نفسه عناصر قوة كامنة في المجتمع العراقي استطاعت أن تقلب موازين المعركة وتمنع انهيار البلاد. ومن هنا تبرز مجموعة من الدروس الاستراتيجية التي ينبغي أن تبقى حاضرة في الوعي الوطني العراقي.

 

  1. وحدة الشعب هي السلاح الأقوى في مواجهة التهديدات الكبرى

أثبتت التجربة أن الخطر عندما يهدد الوطن لا يفرق بين طائفة وأخرى أو قومية وأخرى، بل يستهدف الجميع. ولذلك كان من أهم أسباب النجاح في مواجهة تنظيم د1عش حالة التلاحم الوطني التي نشأت بين أبناء الشعب العراقي بمختلف انتماءاتهم. فعندما توحدت الجهود وتجاوز العراقيون الكثير من خلافاتهم السياسية والاجتماعية، تمكنوا من إيقاف الخطر واستعادة المبادرة.

إن وحدة الصف الوطني لا تعد خياراً سياسياً فحسب، بل تمثل ضرورة وجودية لحماية الدولة واستقرارها. وكلما ازدادت مساحة التفاهم والتعاون بين أبناء الوطن، ازدادت قدرة العراق على مواجهة التحديات الداخلية والخارجية.

 

  1. الفساد أخطر من الإرهــ ــاب أحياناً

كشفت أحداث سقوط الموصل أن الجيوش لا تنهزم دائماً بسبب ضعف عددها أو قلة تسليحها، بل قد تنهزم بسبب الفساد وسوء الإدارة وضعف الكفاءة. فالكثير من لجان التحقيق والدراسات التي تناولت أسباب سقوط المدينة أشارت إلى أن الفساد الإداري والمالي كان من بين العوامل التي أضعفت المؤسسات الأمنية وأفقدتها الجاهزية المطلوبة لمواجهة التحديات.

ومن هنا برزت حقيقة مهمة مفادها أن الفساد لا يقل خطراً عن الإرهــ ــاب، بل قد يكون البيئة التي تسمح للإرهــ ــاب بالنمو والتوسع. فالدولة التي تستنزفها المحاصصة والفساد وضعف الرقابة تصبح أكثر عرضة للأزمات والانهيارات مهما امتلكت من موارد وإمكانات.

 

  1. ضرورة بناء مؤسسات أمنية مهنية وقوية

أثبتت التجربة أن حماية الدول لا يمكن أن تعتمد على ردود الأفعال المؤقتة أو المعالجات الطارئة فقط، بل تحتاج إلى مؤسسات أمنية وعسكرية راسخة تقوم على المهنية والانضباط والكفاءة والتخطيط الاستراتيجي.

فقد أظهرت الحرب ضد د1عش أهمية التدريب المتطور، والعمل الاستخباري الفاعل، والقيادة الكفوءة، والتنسيق بين مختلف الأجهزة الأمنية. كما أكدت أن الأمن الوطني لا يتحقق بالسلاح وحده، بل بالاستعداد المستمر والقدرة على استشراف المخاطر قبل وقوعها.

ولذلك فإن الحفاظ على منجزات النصر يتطلب استمرار عملية تطوير المؤسسات الأمنية والعسكرية وتحصينها من الفساد والتسييس والتجاذبات الحزبية.

 

  1. أهمية القيادة الحكيمة في أوقات الأزمات

تؤكد التجارب التاريخية أن الأمم تمر أحياناً بلحظات مصيرية يكون فيها للقيادة دور حاسم في تحديد اتجاه الأحداث. وقد أظهرت أزمة عام 2014 أهمية وجود قيادات تمتلك الحكمة والرؤية والشجاعة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.

ففي لحظة كان الخوف والارتباك يسيطران على المشهد، برزت المرجعية الدينية العليا بوصفها مرجعية وطنية وأخلاقية استطاعت أن تمنح المجتمع الثقة والقدرة على الصمود. كما أثبتت التجربة أن القيادة الناجحة لا تقتصر على إدارة الأزمات فحسب، بل تشمل القدرة على توحيد الناس حول أهداف مشتركة وتحويل اليأس إلى أمل والضعف إلى قوة.

 

  1. الانتصار الحقيقي لا يكتمل إلا ببناء دولة العدالة والقانون

على الرغم من أهمية الانتصار العسكري على الإرهــ ــاب، فإن هذا الانتصار يبقى ناقصاً إذا لم يتحول إلى مشروع وطني شامل لبناء الدولة وإصلاح مؤسساتها وتحقيق العدالة بين المواطنين. فالإرهــ ــاب لا ينشأ في الفراغ، بل يستغل مواطن الضعف السياسي والاقتصادي والاجتماعي، وينمو في البيئات التي يسودها الظلم والفساد والتهميش وفقدان الثقة بالدولة، لذلك فإن المحافظة على تضحيات الشهداء والجرحى تقتضي بناء دولة قوية تحكمها القوانين لا المصالح، وتُصان فيها حقوق المواطنين على أساس المساواة، ويُحاسب فيها الفاسد مهما كان موقعه، ويشعر فيها المواطن بأن العدالة تطبق على الجميع دون استثناء.

 

خاتمة

بعد مرور سنوات على سقوط الموصل وإطلاق فتوى الجهاد الكفائي، ما زالت تلك الأحداث حاضرة في الذاكرة الوطنية العراقية بوصفها مرحلة فاصلة بين خطر السقوط وفرصة النهوض، لقد كشف سقوط الموصل حجم التحديات التي واجهت الدولة، فيما أثبتت الفتوى أن الشعوب القادرة على التوحد خلف قضية عادلة تستطيع تحويل المحنة إلى قوة، وهكذا أصبحت فتوى الجهاد الكفائي علامة فارقة في تاريخ العراق الحديث، ليس لأنها أسهمت في هزيمة الإرهــ ـــاب فحسب، بل لأنها أعادت للعراقيين الثقة بقدرتهم على حماية وطنهم وصناعة مستقبلهم بأيديهم.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى