بقلم: الشيخ الباحث نوار عبد الرزاق الحسن الثامر
يعد المكون العشائري في مجتمعنا العراقي من اكبر المكونات الاجتماعية واكثرها تأثيراً في بنية المجتمع، لما له من ادوار في حفظ التوازن الاجتماعي واحتواء النزاعات وتعزيز السلم المجتمعي، فضلاً عن تأثيره الايجابي او السلبي في بقية مكونات المجتمع.
غير ان المتأمل في بعض مظاهر المشهد العشائري يلاحظ بروز ظاهرة قديمة ومتجددة وصارت اليوم اكثر بروزاً وهي تستحق ان نقف عندها، تتمثل في انتقال نسبة كبيرة -ومؤثرة- من المتصدرين للمشهد العشائري والاصلاحي الى الصراع والتحاسد على المكانة والوجاهة.
وهي ظاهرة لا تقف آثارها عند حدود الخلافات الشخصية، بل تمتد لتصيب وحدة العشيرة، وتعطيل مساعي الاصلاح، وتطيل من امد النزاعات وتفاقم المشكلات، ليصبح من يُفترض بهم ان يكونوا مفاتيح للخير مغاليق للشر، صاروا طرفاً في تعقد المشاكل والخلافات. ومن هنا تأتي اهمية تسليط الضوء على هذه الظاهرة تشخيصاً لأسبابها واثارها واستشرافاً لسبل معالجتها.
جعل الوجاهة غاية لا مسؤولية
كما ذكرت انفا، هناك نسبة كبيرة واصبحت لها تأثير بالوسط العشائري من المتصدرين للمشهد ينضوون تحت عناوين الاصلاح وجمع الكلمة وحل الخلافات وفض النزاعات، ومن ثم بمرور الوقت وبالمواقف المتبادلة تتحول العلاقة بينهم من تنافس على العناوين اعلاه الى صراع وتحاسد يسعى فيه احدهم الانتقاص من الاخر، لا لخلل في اداء الشيخ الاصلاحي او الوجه العشائري او المصلح الاجتماعي، بل خشية ان يصبح مؤثراً وذا صيت ذائع في حل المشكلات والخلافات بين الناس.
ان المشكلة لا تكمن ابداً في كثرة الشيوخ ولا الوجهاء والاعيان ولا المصلحين ولا في اختلافاتهم، ولكن تكمن المشكلة في ان تتحول المكانة العشائرية الى غاية مطلوبة بحد ذاتها ويتصارع اصحابها عليها، وبالتالي تُقدم المصالح الشخصية على مصلحة العشيرة العامة.
تشخيص الظاهرة- من التنافس الشريف الى التحاسد المذموم
هناك فرق بين مفهوم التنافس ومفهوم التحاسد، اذ ان:
التنافس الشريف: هو ان يسعى الشيخ او الوجه او المصلح الى ان يكون اكثر قدرة على الاصلاح، واصدق في المواقف، ومخلصاً في نواياه في سعيه في اطفاء نار النزاعات وفض الخلافات، وان يسعى ايضاً الى المنافسة في الخدمة والانجاز ومساعدة الناس.
اما التحاسد المذموم: فهو عكس التنافس، بحيث يسعى الشيخ او الوجه او المصلح الى النيل من المنافس له؛ وذلك بالانتقاص من المنافس او التشكيك في نواياه وقدراته، والطعن فيه امام احد طرفي النزاع، وان يسعى في الحيلولة دون بروزه.
الاسباب والدوافع – لماذا يتحاسد المتصدرون للوجاهة والاصلاح؟
هناك الكثير من الاسباب والدوافع الشخصية والاجتماعية التي تجعل كثير من متصدري المشهد العشائري يتصارعون ويتحاسدون، ومن اهم هذه الاسباب والدوافع:
اولاً: الصراع على المكانة الاجتماعية: عندما تصبح المكانة والوجاهة غاية بحد ذاتها، سيُنظر اليها على انها حصرية لبعض دون الاخرين، حينها ينظر المتصدر الى الشخص الاخر على انه ينتقص من مكانته ويُشكل خطرًا عليه، ولا يعتبره مكسباً للعشيرة او منافساً له يُستفاد منه.
ثانياً: التنافس على النفوذ والادوار: يعتبر بعض المتصدرين ان الحضور العشائري مرتبط بموقع اجتماعي معين، او بتمثيل رسمي ما، مما يجعلهم ينظرون الى الوجاهة والاصلاح وفض النزاعات بأنه طريق لكسب التأثير واذاعة الصيت ومد النفوذ، لا واجباً اخلاقياً واجتماعياً بحكم تصدرهم للمشهد.
ثالثاً: الجهل بثقافة العمل الجماعي: وهو عدم الشعور بأن نجاح فرد من العشيرة هو نجاح للجميع، وبانعدام هكذا شعور سيصبح اي نجاح ما لشخص ما مقلقا ومهددا للأخرين.
رابعاً: الخلط بين خدمة العشيرة وامتلاك قرارها: ان الاصلاح العشائري والتأثير الاجتماعي في العشيرة والمجتمع ليس ملكاً لفلان بعينه، وليس اختصاصاً وحصرياً لعلان بحد ذاته، وليس مختوماً فقط لمن اعتاد التصدر له.

الآثار الاجتماعية للصراع على المكانة
كما اسلفت، ان اثار التنافس غير الشريف على الاصلاح والمكانة لا تقتصر على المتصدرين للمشهد العشائري، بل تتعداهم، ومن اهم هذه الاثار المُشاهدة:
اولاً: تمزيق وحدة العشيرة: اذ تنتقل الخلافات الشخصية المبنية على الصراع والتحاسد من اصحابها الى اقاربهم ودوائرهم التي حولهم، وبالتالي وبشكل آلي تتشكل اصطفافات داخل البيت العشائري الواحد.
ثانياً: اطالة امد النزاعات: قد لا تُحل مشكلة، ولا يُفض نزاع، وتتوقف جهود كبيرة للإصلاح، بل وتتوسع رقعة كثير من الخلافات؛ وذلك بسبب الصراع على صدر المجلس، او من قام بحل المشكلة ومن كان له الدور الكبير في التسوية، او من يظهر بمظهر المُصلح الاكبر امام الناس، مما يجعل عمر النزاعات اطول.
ثالثاً: تراجع ثقة الناس بالمصلحين عموماً: عندما يرى اصحاب النزاع والمشكلة ان كثير من المتصدرين او الوسطاء منشغلون بمكانتهم اكثر من انشغالهم بحل المشكلة او النزاع، تلقائياً ستتراجع ثقتهم ويدخل الشك الى قلوبهم ليس فقط ببعض المتصدرين بل بجميع اهل الاصلاح والوجاهة والمكانة.
رابعاً: تحويل الخلافات الصغيرة الى ازمات اكبر: عندما تُستغل النزاعات الصغيرة الى تصفية حسابات شخصية، فسوف تكبر وتصبح هذه النزاعات نزاعات كبيرة وربما يصعب حلها بمرور الوقت.
خامساً: اضعاف العشيرة ومكانتها اما المجتمع: فالعشيرة التي يتصارع بعض قياداتها على الوجاهة والصدارة ،ستفقد جزءا كبيرا من قدرتها على معالجة وحل مشكلاتها، وبالتالي ضعف واضح امام المجتمع.
المفارقة الاخلاقية – عندما يصبح المتصدر جزءا من المشكلة؟
رغم كل ما تقدم، فإنه يظهر تناقض كبير عند الكثير من المتصدرين؛ وذلك بما يُفترض ان يؤدوه من دور وبين سلوكهم الذي يصدر منهم شعورياً او لا شعورياً. فيطلبون من اهل النزاع التنازل وعدم التمسك بمطالبهم اثناء فض النزاع وان يقدموا بعض التنازلات وان يحسنوا النوايا، بينما هم يعجزون عن ان يتجاوزا التنافس على المكانة والصدارة وان يقدموا تنازلات في ذلك!، وايضاً يطالبون طرفي المشكلة بتغليب المصلحة العامة واحترام الناس، بينما هم يغلبون مصالحهم الشخصية ويحولون الاصلاح الى اثبات ذواتهم.
ان هذا المفارقة الاخلاقية قد لا يلاحظها الكثير من المتصدرين انفسهم، ولكنها ملاحظة ويشاهدها الكثير من الناس، بحيث صارت هذه المفارقة مشكلة بحد ذاتها من جهة، ومن جهة اخرى مشكلة للغير، بل وصارت معضلة كبيرة في تأزم كثير من المشاكل الشخصية والعشائرية والاجتماعية.
وهنا تجدر بي الاشارة بالقول: انه لا يجب او ليس بالضرورة ان يكون الشيخ او الوجه او المصلح متصفاً بالكمال، وانما ان يكون مسؤولاً ومراقباً لنفسه ودوافعه ومحاسباً لعواطفه ومصالحه الشخصية بأن لا تتحكم به ولا بمصائر الناس.
كيف يُستعاد المعنى الحقيقي للوجاهة والاصلاح؟
اعتقد ان المعنى الحقيقي للوجاهة والاصلاح والتأثير بين الناس يمكن ان يتحققا بحلول واقعية كثيرة من اهمها:
اولاً: تجديد معنى الوجاهة: بحيث يكون تقييم المتصدرين بما يقدمونه من اصلاح، وبما يحفظون من حقوق الناس، وبما يسلكونه من سلوك مرضي، وليس بما يملكون من مال ونفوذ او بكثرة تصدرهم للمجالس او بمقدار الذين يحيطون بهم ولا بكثرة كلامهم واقوالهم.
ثانياً: ترسيخ العمل الاصلاحي الجماعي: بحيث تُشكل لجان اصلاح داخلية مشتركة، تتوزع فيها الادوار وتكون فيها الاولوية لحل المشكلات وفض النزاعات، وليس اظهار فلان او تصدر علان.
ثالثاً: الفصل بين الخلاف الشخصي والمصلحة العامة: بحيث لا يسمح بان يتحول الاختلاف بين المتصدرين الى سبب لتعطيل صلح او اطالة نزاع او توسيع خلاف او تخريب علاقات افراد المجتمع.
رابعاً: اعطى الدور للعقلاء داخل العشيرة: بحيث يتدخل كبار القوم الذين يحظون بقبول واسع لاحتواء اي خلافات شخصية بين المتصدرين عندما لا يستطيعون السيطرة والتحكم بأنفسهم وضبط دوافعهم وسلوكياتهم، وان لا يقتصر الاصلاح على شخصيات بعينها دون غيرها.
خامساً: الاعتراف بفضل الاخرين: بحيث يعترف الشيخ او الوجه او المصلح بجهود غيره، وان لا يرى نجاح الاخرين انتقاصاً او تهديداً لمكانته. وليس بالضرورة ان يكون كل صاحب مبادرة واصلاح صاحب مكانة ووجاهة.
خاتمة
ان العشيرة ليست ساحة لتصفية الحسابات الشخصية، وان مكانة الشيخ او الوجه او المصلح او المتصدر لا تستمد قيمتها من اضعاف او تهميش واقصاء الاخرين، او من ان يخلق مشكلات وخلافات لكي يتسلق عليها لمصلحته، او من ان يكون طرفا في اي نزاع او خلاف، بل من القدرة على الجمع، وحفظ حقوق الناس، واطفاء نار النزاعات، وتضيق بكل المستطاع دائرة الخلافات.
ان العشيرة التي يتنافس شيوخها ووجهاءها ومصلحوها في الاصلاح تكبر بهم وهم يكبرون بها، اما العشيرة التي يتصارع ويتحاسد متصدروها على الوجاهة والمكانة واثبات الذات، فستدفع العشيرة ثمن صراعهم من وحدتها وسلامة ابنائها. وآخراً اقول: ان الاصلاح والوجاهة ليسا لقباً يتنزع ولا تصدراً يحتكر، بل مسؤولية حقيقية وخدمة اخلاقية تقاس بآثارها في حياة الناس ولو بعد حين.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى