إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لا ينتهي حضور الإنسان في الحياة الاجتماعية بمجرد وفاته؛ فقد يبقى أثره حاضراً في ذاكرة الآخرين، وفي المشاعر التي يثيرها، وفي المعاني التي ترتبط باسمه وسيرته ومكانته داخل المجتمع، فالموت وإن كان نهاية الحياة البيولوجية، لا يمحو بالضرورة الروابط العاطفية والاجتماعية التي جمعت الإنسان بالآخرين، ولا ينهي تأثير القيم والمعتقدات التي ارتبطت به خلال حياته، وتظهر هذه المعاني بوضوح عند التعامل مع الجثامين داخل مؤسسة الطب العدلي، إذ يلتقي الجسد بوصفه موضوعاً للفحص الطبي والقانوني مع ما يحمله من دلالات دينية واجتماعية وأخلاقية، فالجثمان الذي يخضع للفحص أو التشريح لتحديد أسباب الوفاة أو استكمال الإجراءات القانونية يظل بالنسبة إلى أسرته والمجتمع، جسد إنسان له هوية وتاريخ وذكريات وحقوق ينبغي احترامها.
وفي هذا الإطار تكتسب بعض الروايات الواردة عن واقع الطب العدلي في العراق أهمية خاصة؛ إذ تتناول تجارب يرويها أحد الاطباء العاملين في هذا المجال عن تعامله مع جثامين رجال دين وشخصيات عسكرية، وغيرها، فضلاً عن مواقف وتجارب لم يجد لها تفسيراً علمياً واضحاً، وتكشف هذه الروايات عن كيفية تداخل الخبرة المهنية مع المعتقدات الدينية والتصورات الاجتماعية المتعلقة بالموت وكرامة الإنسان والأثر الذي يتركه في حياته وبعد وفاته.
وانطلاقاً من ذلك يتناول هذا المقال هذه الروايات من منظور اجتماعي وأنثروبولوجي، بهدف فهم الكيفية التي تستمر بها هوية الإنسان ومكانته الرمزية بعد الموت، وكيف تنعكس هذه المعاني في التعامل مع الجثمان داخل مؤسسة الطب العدلي، ولا يسعى المقال إلى إثبات التفسيرات الغيبية التي قد ترتبط ببعض الوقائع، وإنما إلى فهم دلالاتها الاجتماعية والدينية، مع التمييز بين الواقعة كما يرويها صاحبها وبين المعنى الذي يمنحه لها.
أولاً: الجسد بعد الموت بين الإجراءات الطبية والذاكرة الاجتماعية
عندما يتوفى الإنسان تتوقف وظائفه البيولوجية، لكن الجسد لا يفقد بالضرورة معناه الاجتماعي، فالأسرة لا تنظر إلى جثمان أحد أفرادها باعتباره مجرد مجموعة من الأنسجة والأعضاء، بل تراه امتداداً لشخصيته وعلاقاته وذكرياته، ولهذا تحظى إجراءات تجهيزه وتشييعه ودفنه بأهمية دينية واجتماعية تتجاوز الجانب المادي.
وقد تناول عالم الأنثروبولوجيا الفرنسي روبرت هرتز هذه المسألة في دراسته عن الموت والتمثلات الجمعية، موضحاً أهمية الطقوس الجنائزية في تنظيم علاقة المجتمع بالمتوفى والتعامل مع التحولات التي يحدثها الموت في حياة الأفراد والجماعة، ووفق هذا المنظور لا يُفهم الموت بوصفه حدثاً بيولوجيا منفصلاً عن المجتمع، بل باعتباره تجربة تتداخل فيها العلاقات الإنسانية والمعتقدات والرموز والممارسات الاجتماعية.
ويمكن الاستفادة من هذا التصور في فهم ما يحدث داخل المشرحة، في الطب العدلي فخضوع الجثمان لهذه الإجراءات لا يلغي دلالاته الإنسانية والاجتماعية، فقد يرتبط المتوفى في ذاكرة الآخرين بمكانة دينية أو مهنية، أو بسيرة أخلاقية يعتزون بها، أو بوصايا تتعلق بخصوصيته وكرامته، وتتضح هذه العلاقة بصورة أكبر في الروايات التي ينقلها أحد العاملين في الطب العدلي في بغداد، والتي تُظهر أن التعامل مع الجثامين لا يقتصر دائماً على الإجراءات الفنية، بل قد يستحضر أيضاً مشاعر الاحترام والوقار والهيبة والوفاء والستر، كما قد يثير لدى العاملين تساؤلات تتصل بالمعتقدات الدينية والتصورات الثقافية عن الموت.
ثانياً: المشرحة بوصفها فضاءً مؤسسياً لإعادة تعريف الجسد
ليست المشرحة مجرد مكان لحفظ الجثامين أو إجراء الفحوص الطبية، بل هي فضاء مؤسسي تُنظَّم داخله العلاقة بالجسد وفق قواعد وإجراءات مهنية وقانونية، فالجثمان الذي يصل إلى المؤسسة يخضع للتسجيل والتحقق من الهوية والفحص الخارجي والتشريح عند الضرورة، فضلاً عن جمع العينات وتحليلها وتوثيق النتائج، بحسب طبيعة الحالة ومتطلبات التحقيق، وتندرج هذه الإجراءات ضمن الإطار القانوني الذي ينظم عمل الطب العدلي في العراق، وفقً لما ورد في قانون الطب العدلي رقم (37) لسنة 2013.
ومن منظور اجتماعي يمكن فهم هذه الإجراءات بوصفها انتقالاً من علاقة يغلب عليها الطابع العائلي والعاطفي إلى علاقة مؤسسية تحكمها متطلبات الفحص والتوثيق والتحقيق، ففي محيط الأسرة، يرتبط الجثمان بالحزن والذاكرة والقرابة، أما داخل المشرحة، فيصبح موضوعاً لإجراءات تستهدف الإجابة عن أسئلة محددة: من هو المتوفى؟ وما سبب وفاته؟ وهل توجد إصابات أو مؤشرات على وقوع عنف؟ وهل يمكن الاستفادة من الأدلة الجسدية في كشف الحقيقة وتحقيق العدالة؟
ولا يعني اختلاف هذه الوظائف وجود تعارض ضروري بين النظرة الطبية والنظرة الاجتماعية؛ فلكل منهما مجالها ومتطلباتها، غير أن العمل داخل المشرحة يكشف عن تفاعل ثلاثة أبعاد أساسية: البعد العلمي الذي يبحث عن الأدلة والحقائق البيولوجية، والبعد القانوني الذي ينظم الإجراءات والحقوق والمسؤوليات، والبعد الديني والاجتماعي والثقافي الذي يمنح الجثمان دلالاته المرتبطة بالكرامة والهوية والحرمة والذاكرة، وتكمن أهمية هذا التداخل في أن الجثمان، على الرغم من خضوعه لإجراءات مهنية دقيقة، لكنه لا ينفصل تمامًا عن سيرة صاحبه أو عن مشاعر ذويه وتوقعاتهم.

ثالثاً: روايات من الطب العدلي العراقي ودلالاتها الاجتماعية
-
جثمان لرجل دين: كيف تستمر الهيبة والوقار بعد الموت؟
يروي الدكتور (ع. ج. ح)، في حديثه عن تجربته في الطب العدلي ببغداد، أنه تعامل في إحدى المرات مع جثمان رجل دين يرتدي العمامة، وشعر أثناء التعامل معه بالاطمئنان والارتياح الروحي، وكأن المتوفى لا يزال حاضراً، على الرغم من إدراكه أنه أمام جثمان شخص فارق الحياة، ويشير إلى أنه تعامل مع الجثمان بتقدير واحترام، رابطًا هذه التجربة بما كان يمثله صاحبها من إيمان ومصداقية في علاقته بربه.
وتكشف هذه الرواية عن الأثر المعنوي الذي تتركه سيرة الإنسان في نفوس الآخرين، حتى بعد وفاته؛ إذ لا ينفصل التعامل مع الجثمان، في بعض التجارب الإنسانية، عن المعاني والقيم التي ارتبطت بصاحبه خلال حياته، فالسيرة الطيبة ونقاء السلوك، وحسن التعامل مع الآخرين، وما يتسم به الإنسان من استقامة في علاقته بربه، تمثل عناصر تسهم في تشكيل صورته المعنوية في الذاكرة الاجتماعية، وتجعل أثره ممتداً إلى ما بعد رحيله، ومن هذا المنطلق يمكن فهم المشاعر التي تثيرها بعض الجثامين بوصفها تعبيراً عن تقدير يتجاوز الوجود المادي للجسد، ليشمل ما يحمله من دلالات أخلاقية وروحية، وما تركه صاحبه من أثر في حياة الآخرين ووجدانهم.
ولا يعني ذلك أن الجثمان يكتسب خاصية مادية جديدة بعد الوفاة، بل إن دلالته تتشكل من خلال العلاقة بين سيرة صاحبه والمعتقدات التي يحملها الآخرون عنه، فالمتحدث عندما يصف شعوره بالطمأنينة أمام جثمان رجل الدين، يعبر عن تجربة شخصية يمكن فهمها اجتماعياً في ضوء السيمياء الطيبة التي يحملها الجسد الذي عرف صاحبه بالتقوى وصلاح السيرة وحُسن الخُلق، وهكذا يمكن الاستنتاج من الرواية عن أن التقوى والعمل الصالح والسلوك الحسن الذي يتحلى به شخصاً ما قد يفرض حضوراً يستمر تأثيره في الآخرين حتى بعد الموت.
-
الرتبة العسكرية: الهيبة الكارزمية للجسد بعد الوفاة
وفي هذه الرواية يتحدث الدكتور عن تعامله مع جثامين بعض القادة العسكريين، مشيراً إلى حرصه على حفظ الرتبة العسكرية التي يحملها أحد المتوفين، ووضعها في ظرف وتسليمها إلى ذويه بأمانة واحترام، ولا يبدو هذا التصرف مجرد إجراء يتعلق بحفظ مقتنى مادي، بل يمكن قراءته بوصفه تعبيراً عن استمرار الحضور الرمزي لصاحب الرتبة حتى بعد وفاته؛ إذ لا يفقد الجسد بالضرورة كل ما ارتبط به من هيبة ومكانة ومعانٍ اجتماعية بمجرد انتهاء الحيا، فالرتبة العسكرية ليست مجرد شارة تُعلّق على الزي الرسمي، وإنما تختزل مسيرة مهنية وتجربة شخصية وموقعاً داخل المؤسسة العسكرية، وحضور وكارزما اجتماعية يحملها البعض من القادة وقد تستحضر لدى الآخرين معاني القيادة والانضباط والتضحية والمسؤولية ومن ثم فإن التعامل مع جثمان صاحبها قد يستدعي، لدى من يتولى إجراءات التعامل معه، شعوراً خاصاً بالاحترام والتوقير، لا ينصرف إلى الجسد بوصفه كياناً بيولوجياً فحسب، بل يمتد إلى ما يمثله صاحبه في الذاكرة الاجتماعية، وبهذا المعنى يمكن النظر إلى الجسد بعد الوفاة بوصفه حاملاً لآثار المكانة والهيبة التي اكتسبها صاحبه خلال حياته، وهي آثار قد تستمر في تشكيل طريقة استجابة الآخرين له حتى بعد موته.
ولا يعني ذلك أن هذا الاحترام يقوم على تفضيل جثمان على آخر أو منح أصحاب المناصب والرتب معاملة إنسانية أعلى من غيرهم؛ فثمة فرق بين التفاوت في الدلالات الرمزية التي تحملها الأجساد، والمساواة في الكرامة الإنسانية التي تستحقها جميع الجثامين، فقد تستدعي رتبة عسكرية أو مكانة اجتماعية شعوراً خاصاً بالهيبة، لكن ذلك لا ينتقص من حق أي متوفى، مهما كانت مهنته أو منزلته، في المعاملة المهنية اللائقة وصون كرامته، وعليه فإن أهمية هذه الرواية لا تكمن في الرتبة بوصفها مقتنى ينبغي إعادته إلى الأسرة فحسب، بل في ما تكشفه عن استمرار بعض أشكال الحضور الاجتماعي بعد الموت، فالحرص على حفظ الرتبة وتسليمها إلى ذوي المتوفى يجمع بين الأمانة المهنية والاعتراف بالهوية الشخصية والرمزية، ويُظهر كيف يمكن للجسد أن يستبقي، في نظر الآخرين، شيئاً من الهيبة المرتبطة بصاحبه، إنها هيبة لا تغيّر من حقيقة الموت، لكنها تكشف أن العلاقة الاجتماعية بالإنسان لا تنتهي بالضرورة عند حدود جسده، بل قد تستمر من خلال الرموز والذكريات والمعاني التي يتركها وراءه.

-
وصايا الستر: هل تنتهي الخصوصية الجسدية بالموت؟
لا تقتصر الروايات التي ينقلها الدكتور على المكانة الدينية أو المهنية، بل تتناول أيضاً الخصوصية الجسدية والستر، ولا سيما في حالات بعض النساء، إذ يذكر أن جثمان امرأة اتسمت بالهيبة والوقار نُقل إلى المشرحة لإجراء التشريح، وأثناء استعداد الكادر الطبي لبدء العمل، حدث أمر عارض خارج غرفة المشرحة، فخرج معظم أفراد الكادر، ولم يبقَ سواه وإحدى الطبيبات المساعدات، وباشرا إجراء التشريح وبعد الانتهاء التقى الطبيب بابن المتوفاة، بعد انجاز العمل وخلال الحديث أشار الابن إلى أن والدته أوصت بألّا يطّلع عدد كبير من الأشخاص على جسدها، سواء في المستشفى أم أثناء تغسيلها، والمفارقة أن التشريح جرى بحضور شخصين فقط، من دون علم مسبق بوصيتها، وكأن الظروف تهيأت بصورة عفوية بما ينسجم مع رغبتها.
من منظور اجتماعي تكشف هذه الرواية عن استمرار أهمية الخصوصية الجسدية بعد الموت، بوصفها قيمة تتجاوز الحياة البيولوجية لتتصل بالكرامة الشخصية والمعتقدات الدينية والمعايير الثقافية التي تحدد كيفية التعامل مع الجسد، فالموت لا ينهي بالضرورة ارتباط الجسد بهوية صاحبه ومكانته الاجتماعية، بل قد تستمر رغبات الفرد ووصاياه في توجيه سلوك الأحياء تجاهه، كما تكشف الرواية عن التداخل بين الإجراءات الطبية الرسمية والقيم الاجتماعية؛ إذ لم يكن الكادر الطبي على علم بوصية المتوفاة، ومع ذلك جاءت ظروف العمل منسجمة معها بصورة غير مقصودة، ولا يعني ذلك وجود علاقة سببية بين الوصية وما حدث، بقدر ما يبرز توافقاً عفوياً بين الممارسة الطبية ورغبة المتوفاة، ويثير تساؤلاً أوسع حول كيفية مراعاة الخصوصية والكرامة الإنسانية داخل المؤسسات الطبية، حتى عندما يتعذر التعبير عن الإرادة الشخصية بعد الموت.
-
سهولة التعامل مع بعض الجثامين وصعوبته مع أخرى
وفي حديثه عن طبيعة العمل داخل الطب العدلي، يشير الدكتور إلى أن التعامل مع بعض الجثامين يكون سهلاً، ويمكن إنجاز الإجراءات المتعلقة بها بانسيابية دون معوقات، بينما في بعض الحالات يواجه العاملون صعوبات أو عوائق عند التعامل مع جثامين أخرى، وعندما يُسأل عن تفسير هذا الاختلاف، يوضح أنه لا يمتلك تفسيراً علمياً محدداً، ولا يستطيع الجزم بالأسباب التي تقف وراءه، ويترك احتمال ارتباط بعض التجارب بجوانب إيمانية أو غيبية، من دون أن يقدم تفسيراً قاطعاً لها، ومن المهم هنا الحفاظ على التمييز بين ما يرويه المتحدث وما يمكن إثباته علمياً، فالرواية تعبّر عن ملاحظة شخصية تتعلق باختلاف التجارب التي واجهها أثناء العمل، لكنها لا تقدم أدلة كافية لتحديد أسباب هذه الاختلافات أو ربطها بصفات المتوفين الأخلاقية أو الدينية، ومن منظور اجتماعي، تكشف هذه الشهادة عن الطريقة التي يتعامل بها الأفراد مع التجارب التي لا يجدون لها تفسيراً واضحاً، فقد يستعين الإنسان بالمعتقدات الدينية أو التصورات الثقافية في محاولة لفهم ما يواجهه، لاسيما عندما تتصل التجربة بالموت، وهو موضوع تحيط به معانٍ دينية ووجودية عميقة، وعليه فإن أهمية الرواية لا تكمن في إثبات أن سهولة التعامل مع جثمان أو صعوبته ترتبط بأسباب غيبية، بل في إظهار كيفية تداخل الخبرة المهنية مع التأويل الشخصي، فالدكتور يقر صراحة بأنه لا يمتلك تفسيراً علمياً، وهذا الإقرار ينبغي أن يبقى جزءاً أساسياً من عرض الرواية وتحليلها.
أما من الناحية المهنية فتظل الصعوبات التي تواجه العاملين بحاجة إلى تقييم وفق طبيعة كل حالة وظروفها وإجراءاتها، ولا يصح اتخاذ التأويلات الشخصية بديلاً عن الفحص العلمي، وبهذا يمكن احترام تجربة المتحدث ومعتقداته، من دون تحويلها إلى استنتاجات تتجاوز ما تسمح به الرواية نفسها.
-
رائحة الورد من جثمان مجهول الهوية: من التجربة الشخصية إلى المعنى الديني
ومن أكثر الروايات التي يوردها الدكتور إثارة للاهتمام، حديثه عن جثمان مجهول الهوية بقي في ثلاجة حفظ الجثامين عدة أيام، ويذكر أنه لاحظ انبعاث رائحة تشبه عطر الورد منه، ووفقًا لروايته لفتت الرائحة انتباه العاملين، ودفعتهـم إلى نقل الجثمان بين خانات الثلاجة في محاولة لنشر هذه الرائحة التي كانت تنبعث منه.
وتختلف هذه الرواية عن سابقاتها؛ فهي لا تتعلق مباشرة بمكانة دينية أو مهنية معروفة للمتوفى، إذ كان الجثمان مجهول الهوية، وإنما تتصل بتجربة حسية وصفها المتحدث، ثم أمكن تفسيرها في ضوء المعتقدات الدينية المتعلقة بالأثر الذي يتركه الإنسان بعد وفاته، ففي التصور الديني والأخلاقي، يحتل العمل الصالح والذكر الطيب مكانة مهمة في تقييم سيرة الإنسان، ويُنظر إلى ما يتركه من خير في حياته بوصفه أثراً يتجاوز وجوده الفردي، ومن هذا المنطلق قد تُقرأ الرائحة الطيبة بوصفها علامة رمزية تستدعي معاني الصلاح وحسن السيرة، لكن ينبغي التمييز بين وصف الواقعة وتفسيرها، فالمتحدث يروي أنه استنشق رائحة تشبه الورد، أما ربطها بأعمال المتوفى أو بصلاحه فهو معنى ديني أو أخلاقي يمكن أن تمنحه الثقافة والمعتقدات لهذه التجربة، وليس نتيجة علمية تثبتها الرواية، وتنبع أهمية الحكاية من الناحية الاجتماعية من الطريقة التي تتحول بها تجربة غير مألوفة إلى قصة ذات معنى، فالأحداث التي يصعب على الأفراد تفسيرها قد تستدعي تصورات دينية وثقافية لتفسيرها، وتدخل لاحقاً في الذاكرة الاجتماعية بوصفها روايات تحمل دلالات تتصل بالموت والجزاء والأثر الأخلاقي.
رابعاً: ماذا تكشف هذه الروايات عن الجسد بعد الموت؟
على الرغم من اختلاف الروايات السابقة، فإنها تلتقي عند فكرة أساسية، هي أن التعامل مع الجثمان داخل الطب العدلي قد يستحضر معاني تتجاوز الجانب البيولوجي، ففي رواية رجل الدين، تظهر السيمياء الطيبية ونقاوة الروح الإيمانية وتأثيرها في مشاعر المتحدث؛ وفي رواية الرتبة العسكرية، يتجلى احترام الهوية المهنية والوفاء لذوي المتوفى؛ أما وصايا الستر، فتبرز استمرار أهمية الخصوصية الجسدية بعد الموت، وفي المقابل تكشف روايتا صعوبة التعامل مع بعض الجثامين ورائحة الورد عن كيفية لجوء المتحدث إلى التأمل والتأويل عند مواجهة تجارب لم يجد لها تفسيراً علمياً واضحاً، وهنا تظهر أهمية التمييز بين الخبرة التي يرويها العامل في الطب العدلي وبين المعاني التي قد تمنح في ضوء المعتقدات الدينية والثقافية، وتسمح هذه الروايات بفهم الجسد بعد الموت من خلال ثلاثة أبعاد مترابطة.
يتمثل البعد الأول في استمرار الهوية الاجتماعية؛ والسيرة الحسنة تفرض حضورها حتى بعد موت الجسد وانتهاء حياته البيولوجية.
أما البعد الثاني، فيتعلق باستمرار القيم الأخلاقية في التعامل مع الجثمان، مثل الأمانة والستر والخصوصية واحترام حقوق الأسرة وتوضح هذه القيم أن التعامل مع الجسد لا يقتصر على الإجراءات الفنية، بل يتصل أيضاً بالمسؤولية الإنسانية والأخلاقية للعاملين في المؤسسة.
ويتمثل البعد الثالث في دور المعتقدات الدينية والثقافية في تفسير التجارب المرتبطة بالموت، فبعض الوقائع التي يرويها العاملون قد تكتسب معاني تتجاوز وصفها المباشر، وتتحول إلى قصص تستحضر تصورات المجتمع عن الصلاح والأثر الطيب والكرامة الإنسانية.
خاتمة
تكشف الروايات الواردة عن واقع الطب العدلي في العراق أن الجسد بعد الموت لا يفقد بالضرورة معانيه الاجتماعية والدينية والأخلاقية، فقد تستمر مكانة الإنسان وهويته في التأثير في نظرة الآخرين إليه، كما تظل قيم الستر والأمانة والوفاء حاضرة في التعامل مع جثمانه، وتوضح هذه الشهادات أيضاً أن بعض التجارب التي يواجهها العاملون في الطب العدلي قد تُفهم أو من الممكن تفسيرها من خلال المعتقدات الدينية والثقافية، مع ضرورة التمييز بين الرواية الشخصية والتفسير العلمي.
ومن ثم فإن المشرحة ليست مجرد فضاء للإجراءات الطبية والقانونية، بل مكان تتقاطع فيه المعرفة المهنية مع القيم الإنسانية والاجتماعية، وتؤكد هذه الروايات أن احترام المتوفى وصون كرامته لا ينبغي أن يرتبطا بمكانته الدينية أو العسكرية أو الاجتماعية، وإنما يمثلان واجباً أخلاقياً ومهنياً يشمل جميع الجثامين دون تمييز.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى