الرئيس السوري الحالي وإشكالية القبول الاجتماعي في العراق

بين الصورة الموروثة والواقع المتغير

 

بقلم: د. مناف عبد المنعم ابراهيم

 

تتناول هذه الورقة التباين بين الذاكرة الاجتماعية العراقية تجاه الرئيس السوري أحمد الشرع، المعروف سابقاً باسم (أبو محمد الجولاني)، وبين التوجه الرسمي العراقي نحو بناء علاقات سياسية واقتصادية وأمنية مع السلطة السورية الجديدة، وتنطلق من فرضية أن التحولات السياسية التي تتيح للفرد الانتقال من موقع الصراع إلى موقع السلطة لا تؤدي بالضرورة إلى تحول مماثل في صورته الذهنية لدى المجتمعات التي ارتبطت ذاكرتها بتجربته السابقة.

تعالج الورقة هذه الإشكالية وتبحث في انعكاساتها المحتملة على مسار العلاقات العراقية السورية، مع التركيز على كيفية إدارة الفجوة بين مقتضيات المصالح الوطنية واعتبارات الذاكرة الاجتماعية، بما يسمح ببناء علاقة مؤسسية مستقرة لا تتجاهل الماضي ولا تجعل منه عائقاً دائماً أمام المستقبل.

 

إشكالية الورقة وفكرتها

لا تتغير صورة الأشخاص في الوعي الاجتماعي بالضرورة عندما تتغير مواقعهم أو أدوارهم أو أسماؤهم الرسمية، فالمجتمعات لا تتعامل مع الشخصيات العامة من خلال حاضرها وحده، وإنما تستحضر معها تاريخاً من التجارب والمواقف والأحداث التي أسهمت في تشكيل صورتها الذهنية، وقد تكون هذه الصورة أكثر رسوخاً من التحولات التي تطرأ على واقع الشخصية نفسها.

وتزداد هذه الظاهرة وضوحاً عندما تكون الشخصية قد ارتبطت بمرحلة من العنف أو الصراع المسلح، أو كانت حاضرة في ذاكرة مجتمع عانى من خسائر بشرية واجتماعية واسعة، ففي مثل هذه الحالات لا يعود الاسم مجرد وسيلة للتعريف بالشخص، بل يتحول إلى رمز يستدعي أحداثاً ومشاعر ومواقف متراكمة.

وتقدم الحالة العراقية تجاه الرئيس السوري الحالي أنموذجاً معاصراً لهذه الإشكالية، فبينما يظهر الرجل اليوم بصفته رئيساً للجمهورية العربية السورية، ويخاطب في المحافل الرسمية باسمه الحالي، لا تزال تسمية أبو محمد الجولاني حاضرة في الخطاب الشعبي والإعلامي والسياسي لدى قطاعات كبيرة من العراقيين، وهي تسمية تستدعي لدى بعضهم مرحلة نشاطه المسلح السابق، وما ارتبط بها من ذاكرة العنف الذي عرفه العراق بعد اسقاط نظام صدام حسين عام 2003.

ولا يمكن فهم هذا الاستمرار في التسمية بمعزل عن التجربة العراقية، التي لم تكن فيها التنظيمات المسلحة مجرد ظاهرة أمنية عابرة، بل كانت جزءاً من تجربة اجتماعية مؤلمة تركت آثاراً في الذاكرة الفردية والعائلية والجماعية، وأسهمت في تشكيل مواقف عميقة من الأشخاص والتنظيمات والرموز المرتبطة بها.

وتبرز الإشكالية بصورة أكثر تعقيداً عندما نضع هذه الذاكرة في مواجهة التحولات الراهنة في العلاقات العراقية السورية، إذ لم يعد التعامل مع السلطة السورية الجديدة خياراً سياسياً مجرداً، بل أصبح مرتبطاً بضرورات الجغرافيا والأمن والحدود والتجارة والطاقة والمياه، فضلاً عن الحاجة إلى منع عودة التنظيمات الإرهــ ــابية واستقرار المنطقة.

ومن هنا تتحدد مشكلة الورقة في التباين بين صورتين متزامنتين، صورة اجتماعية تستحضر الماضي وتقيّم الشخصية من خلاله، وصورة رسمية تتعامل معها وفق موقعها السياسي الراهن ومتطلبات المصالح الوطنية، وهو تباين يثير أسئلة تتجاوز الحالة السورية إلى طبيعة العلاقة بين الذاكرة الاجتماعية والقرار السياسي في المجتمعات التي عاشت تجارب صراع طويلة.

 

 

الإطار الاجتماعي النفسي للظاهرة

  • الذاكرة الجمعية واستمرار الصورة التاريخية: تُعد الذاكرة الجمعية من المداخل الأساسية لفهم استمرار الصور الاجتماعية عن الشخصيات العامة، فالذاكرة لا تحتفظ بالأحداث بوصفها معلومات تاريخية محايدة، وإنما تعيد تنظيمها وتفسيرها في ضوء تجارب الجماعة وهُويتها ومشاعرها ومصالحها.

وعندما ترتبط شخصية معينة بمرحلة من العنف، فإن صورتها لا تبقى محصورة في حدود الوقائع التي ارتبطت بها، بل قد تتحول إلى جزء من ذاكرة جماعية أوسع تتضمن الخوف والفقدان والغضب والشعور بالظلم، ولهذا يمكن أن يستمر حضور صورتها القديمة حتى بعد تغير الظروف السياسية التي أنتجتها.

وفي الحالة العراقية، لا يستحضر كثير من المواطنين اسم الجولاني بوصفه اسماً تنظيمياً سابقاً فحسب، وإنما بوصفه إحالة إلى مرحلة تاريخية ارتبطت في ذاكرتهم بالعنف المسلح والضحايا والصراع الطائفي، وهو ما يجعل تغيير الاسم الرسمي غير كافٍ بالضرورة لتغيير الصورة الاجتماعية.

 

  • الهُوية الرمزية وإعادة إنتاج التسمية: تكتسب التسمية في هذه الحالة وظيفة تتجاوز التعريف اللغوي، لتصبح وسيلة اجتماعية لإعادة تثبيت هُوية سابقة للشخصية، فالإصرار على استخدام الاسم القديم قد يعبر عن رفض الاعتراف الكامل بالتحول الذي أعلنته الشخصية أو الذي أتاحته التحولات السياسية.

ومن الناحية النفسية الاجتماعية، يمكن فهم ذلك من خلال ارتباط الأسماء بالتمثيلات الذهنية، إذ يستدعي الاسم لدى الفرد شبكة من المعاني والانفعالات والخبرات السابقة، ولذلك فإن استخدام (أبو محمد الجولاني) بدلاً من (أحمد الشرع) قد يكون لدى بعض العراقيين وسيلة لاستحضار الصورة القديمة وإبقاء الماضي حاضراً في عملية التقييم.

ولا يعني ذلك أن كل من يستخدم الاسم القديم يتبنى الدوافع نفسها، فقد يكون الاستخدام تعبيراً عن موقف أخلاقي، أو عدم ثقة، أو اعتراض سياسي، أو مجرد استمرار للعادة الإعلامية، ولذلك ينبغي عدم اختزال الظاهرة في تفسير نفسي واحد.

 

  • الوصم الاجتماعي وصعوبة استعادة الثقة: يساعد مفهوم الوصم الاجتماعي على تفسير الصعوبة التي تواجه بعض الشخصيات في التخلص من الصور السلبية التي التصقت بها، فالوصم لا يتعلق بالصفة الحالية وحدها، بل بالهُوية التي يربطها الآخرون بتاريخ الشخص وسلوكه السابق.

وقد يتغير الموقع الرسمي للشخص، بينما تستمر الجماعة في التعامل معه وفق التصنيف القديم، لأن إعادة بناء الثقة تحتاج إلى أدلة وتجارب متراكمة، لا إلى إعلان التحول أو تغيير الاسم والخطاب.

وتتضاعف هذه الصعوبة عندما يكون موضوع الثقة مرتبطاً بضحايا وتجارب اجتماعية مؤلمة، إذ لا تكون المسألة مجرد اقتناع ذهني بإمكان التغيير، بل تتصل أيضاً بالإنصاف والاعتراف بالمعاناة واحترام الذاكرة.

 

  • الذاكرة الانفعالية وانتقال التجربة بين الأجيال: لا تتوقف آثار التجارب العنيفة عند الأشخاص الذين عاشوها مباشرة، بل يمكن أن تنتقل عبر الأسرة والخطاب العام والإعلام والذاكرة المجتمعية إلى أجيال لم تشهد جميع تفاصيلها.

وتظهر هذه الظاهرة في المجتمعات التي عاشت صراعات ممتدة، حيث تصبح بعض الأسماء والأحداث جزءاً من السردية العائلية والاجتماعية، وتتحول إلى محددات للمواقف من الجماعات والشخصيات المرتبطة بها.

وبهذا المعنى، قد يكون موقف شاب عراقي من أحمد الشرع متأثراً بتجربة أسرته أو بيئته الاجتماعية، حتى إن لم يكن قد عاش بنفسه الأحداث التي ارتبطت باسم الجولاني، وهو ما يجعل الذاكرة الاجتماعية أكثر امتداداً من الذاكرة الشخصية المباشرة.

 

  • التنافر المعرفي بين الصورة القديمة والواقع الجديد: قد يجد بعض الأفراد صعوبة في التوفيق بين صورتين متعارضتين للشخصية نفسها، صورة القائد المسلح المرتبطة بالماضي، وصورة الرئيس الذي يظهر في المؤسسات الرسمية ويتحدث عن الدولة والاستقرار والعلاقات الدولية.

وينشأ عن هذا التعارض نوع من التوتر المعرفي، إذ يصبح الفرد أمام احتمالين، إما قبول أن الشخصية شهدت تحولاً حقيقياً يستحق التقييم، أو اعتبار أن التغيير في الموقع والخطاب لا يكفي لإثبات تحول جوهري في الهُوية والسلوك.

ولا تُحسم هذه المسألة بمجرد تكرار الخطاب الرسمي، وإنما تتشكل الإجابة تدريجياً من خلال السلوك والممارسة والنتائج التي يمكن ملاحظتها.

 

الحالة العراقية بين الذاكرة الاجتماعية والتحول السوري

تمثل الحالة العراقية خصوصية مهمة في دراسة هذه الظاهرة، لأن العلاقة مع أحمد الشرع لا تتشكل في فراغ تاريخي، وإنما ضمن ذاكرة وطنية ارتبطت بمرحلة طويلة من العنف الذي شهدته البلاد بعد عام 2003، وبوجود تنظيمات مسلحة أسهمت في إحداث خسائر بشرية واجتماعية وأمنية واسعة.

وتشير الأدبيات والتحليلات التي تناولت الموقف العراقي من السلطة السورية الجديدة إلى أن ماضي الشرع في التنظيمات الارهابية المسلحة، ونشاطه السابق في العراق، كانا من أبرز أسباب التحفظ الذي أبدته قوى وشخصيات عراقية تجاه التعامل معه، كما أن ردود الفعل على دعوته للمشاركة في قمة بغداد العربية عام 2025 كشفت عن وجود انقسام واضح بين اتجاهات سياسية واجتماعية مختلفة.

ولا ينبغي تحويل هذه المواقف إلى حكم شامل على المجتمع العراقي، أو افتراض أن جميع العراقيين يحملون صورة واحدة عنه، فالمواقف تتباين تبعاً للتجارب الشخصية والانتماءات السياسية والبيئات الاجتماعية والتصورات المتعلقة بمستقبل سوريا.

لكن ما يستحق التوقف عنده هو أن الذاكرة العراقية تجاه هذه الشخصية لم تنته بانتهاء موقعه السابق، ولم تتبدل تلقائياً مع انتقاله إلى موقع الرئاسة، وهو ما يكشف عن استمرار أثر التجربة التاريخية في تشكيل الإدراك الاجتماعي للشخصيات العامة.

ومن المهم أيضاً التمييز بين المسؤولية التاريخية والسياسية عن النشاط ضمن تنظيم مسلح، وبين إثبات المسؤولية الجنائية الفردية عن جرائم محددة، فهذه الأخيرة تتطلب أدلة وتحقيقات وإجراءات قضائية، ولا يصح استنتاجها من مجرد الانتماء التنظيمي أو من الصورة المتداولة اجتماعياً.

 

الدولة العراقية أمام معادلة الذاكرة والمصلحة

إذا كانت الذاكرة الاجتماعية تميل إلى استحضار الماضي، فإن الدولة تواجه مجموعة من الالتزامات والمصالح التي لا يمكن تعليقها إلى أجل غير محدد، فالعراق وسوريا دولتان متجاورتان، وترتبطان بحدود ومصالح أمنية واقتصادية واجتماعية متداخلة.

وتتطلب هذه العلاقة تنسيقاً في حماية الحدود، ومكافحة تنظيم د1عش، ومواجهة شبكات التهريب، وتنظيم حركة التجارة والأفراد، فضلاً عن ملفات الطاقة والنقل والمياه وإعادة الإعمار.

وقد اتجهت العلاقات العراقية السورية خلال عام 2026 إلى توسيع نطاق التعاون، بعد أن كانت تتركز بدرجة أكبر على المسائل الأمنية، إذ شهدت اتصالات وزيارات ومناقشات بشأن التعاون الاقتصادي والطاقة والتجارة، كما تناولت تقارير صحفية في آب 2026 مساعي البلدين لإعادة تفعيل خط أنابيب كركوك-بانياس وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي.

وفي 28 تشرين الأول 2026، استقبل أحمد الشرع رئيس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في دمشق، وتركزت المباحثات المعلنة على تعزيز العلاقات الثنائية والتجارة والاستثمار والتنمية الاقتصادية، وهو تطور يعكس انتقال العلاقة الرسمية إلى مستوى أوسع من الاتصال والتعاون.

لكن هذا التطور لا يعني بالضرورة أن التحول في العلاقات الرسمية قد أنتج تحولاً مماثلاً في المواقف الاجتماعية، فالدبلوماسية تستطيع فتح السفارات وتنظيم الزيارات وإبرام الاتفاقيات، لكنها لا تستطيع بقرار إداري أن تعيد تشكيل ذاكرة المجتمع أو أن تفرض عليه الثقة.

ومن هنا تواجه الدولة العراقية معادلة مزدوجة، فهي مطالبة بحماية مصالحها الوطنية من خلال التعامل مع السلطة القائمة في سوريا، وفي الوقت نفسه مطالبة بعدم التعامل مع الذاكرة الاجتماعية باعتبارها مجرد انفعال عاطفي يمكن تجاوزه أو تجاهله.

 

 

الآثار الاجتماعية النفسية المحتملة لتطور العلاقات العراقية السورية

يمكن أن يفضي توسيع العلاقات الرسمية بين بغداد ودمشق إلى مجموعة من الآثار الاجتماعية والنفسية المتباينة، بحسب طبيعة إدارة هذا التقارب ومدى استجابته للمخاوف المتراكمة.

 

  1. اتساع الفجوة بين الدولة والمجتمع: قد يشعر بعض المواطنين بأن التوجه الرسمي نحو بناء علاقات مع أحمد الشرع يتجاوز تجاربهم وذاكرتهم، ولا سيما إذا لم يصاحبه خطاب يوضح دوافع التقارب وضماناته وحدوده، وقد يؤدي ذلك إلى تراجع الثقة بالخطاب الرسمي لدى هذه الفئات، أو إلى تفسير العلاقات الجديدة بوصفها تغليباً للمصالح السياسية على الاعتبارات الأخلاقية والتاريخية.

  2. إعادة تنشيط الانقسامات الاجتماعية: قد تتحول شخصية الشرع إلى رمز لاستقطاب داخلي بين من ينظر إلى التعامل معه باعتباره ضرورة وطنية وإقليمية، ومن يراه تجاوزاً لذاكرة الضحايا، وإذا جرى توظيف هذه القضية في المنافسات السياسية أو الخطابات الطائفية، فقد تتجاوز الخلافات حدود تقييم شخصية سياسية لتعيد تنشيط انقسامات اجتماعية أوسع.

  3. التحول التدريجي في الصورة الذهنية: قد تؤدي الممارسات الإيجابية والتعاون الملموس إلى تعديل بعض التصورات الاجتماعية بمرور الوقت، ولا سيما إذا انعكست العلاقات الجديدة على الأمن والاستقرار والمصالح المعيشية، لكن هذا التحول لا ينبغي افتراض حدوثه تلقائياً، كما أنه لا يعني بالضرورة اختفاء الصور القديمة أو تراجع المطالب المتعلقة بالماضي.

  4. استمرار ازدواجية الموقف الاجتماعي: قد يتقبل المواطن العراقي أهمية العلاقات مع سوريا من الناحية الاقتصادية والأمنية، لكنه يظل متحفظاً تجاه شخص الرئيس أو تاريخه السابق، وهذا ليس تناقضاً بالضرورة، بل يمكن أن يكون تعبيراً عن الفصل بين المصالح المشتركة والتقييم الأخلاقي للشخصيات العامة.

  5. انتقال الخلاف من مستوى الشخصية إلى مستوى الثقة المؤسسية: كلما اتسعت العلاقات الثنائية، أصبح تقييم المجتمع لها مرتبطاً بمدى قدرة المؤسسات على حماية المصالح العراقية وضمان أمن الحدود وحقوق المواطنين، وبذلك قد تتراجع مركزية الجدل حول الاسم الشخصي تدريجياً لصالح تقييم النتائج الفعلية للعلاقة.

 

نحو إدارة اجتماعية واعية للعلاقات مع سوريا الجديدة

لا يكمن التحدي أمام العراق في الاختيار بين الذاكرة والمصلحة، وإنما في بناء صيغة تسمح بالتعامل مع الاثنين دون إلغاء أحدهما، ويمكن اقتراح مجموعة من المسارات:

  1. الفصل بين العلاقات مع الدولة وتقييم الشخصية: ينبغي أن تقوم السياسة العراقية على التمييز بين ضرورة إقامة علاقات مستقرة مع الدولة السورية، وبين الموقف الاجتماعي والأخلاقي من ماضي رئيسها، فالتعامل المؤسسي لا يعني بالضرورة تبني صورة إيجابية عن الشخص أو التسليم بسلامة تاريخه.

  2. عدم فرض صورة جديدة على المجتمع: من غير المفيد مطالبة العراقيين بالتخلي عن التسمية القديمة أو اعتبار استمرار استخدامها دليلاً على رفض العلاقات مع سوريا، فالتصورات الاجتماعية لا تتغير بقرارات رسمية، وإنما من خلال الخبرة والوقائع والتراكم الزمني.

  3. جعل الثقة نتيجة للممارسة: لا يمكن بناء الثقة بمجرد التصريحات السياسية، وإنما من خلال مؤشرات عملية، مثل ضبط الحدود، والتعاون في مكافحة التنظيمات الإرهابية، واحترام الالتزامات الثنائية، ومنع استخدام الأراضي السورية للإضرار بأمن العراق.

  4. عدم إهمال ذاكرة الضحايا: يتطلب بناء علاقات سليمة عدم التعامل مع التجارب العراقية السابقة باعتبارها ملفاً انتهى، بل ينبغي أن تبقى حقوق الضحايا والاعتراف بالمعاناة والالتزام بمنع تكرار العنف جزءاً من الثقافة المؤسسية والأخلاقية التي تحكم العلاقات.

  5. تعزيز التواصل المجتمعي والثقافي: يمكن أن يسهم التعاون بين الجامعات والمؤسسات الثقافية والإعلامية والفعاليات الاجتماعية في نقل العلاقة من مستوى الحكومات إلى مستوى المجتمعات، على أن يقوم هذا التواصل على المصالح المشتركة واحترام التجارب المختلفة، لا على محاولة إنتاج توافق شكلي أو مصطنع.

  6. اعتماد الشفافية في عرض المصالح والنتائج: كلما كانت الحكومة العراقية أكثر وضوحاً في شرح دوافع التعاون مع سوريا ومكاسبه ومخاطره وضماناته، أصبح المجتمع أكثر قدرة على تقييمه بعيداً عن الشائعات والتأويلات، ومن دون أن يعني ذلك اشتراط موافقة جميع المواطنين على كل قرار دبلوماسي.

 

استنتاجات الورقة

  1. إن استمرار استخدام تسمية (أبو محمد الجولاني) في قطاعات من المجتمع العراقي يمثل مؤشراً على استمرار الصورة التاريخية للشخصية في الذاكرة الجمعية، ولا يمكن تفسيره بالاعتياد اللغوي وحده.

  2. إن تغيير الموقع السياسي والاسم الرسمي لا يؤدي بالضرورة إلى تغيير الهُوية الرمزية في الوعي الاجتماعي، ولا سيما عندما تكون الصورة السابقة مرتبطة بتجارب عنيفة وخسائر جماعية.

  3. إن الذاكرة الاجتماعية ليست عائقاً سياسياً بالضرورة، بل قد تكون تعبيراً عن حاجة المجتمع إلى الاعتراف بتجاربه السابقة وعدم تجاوزها من دون مراجعة.

  4. إن بناء الثقة بين المجتمعات والشخصيات السياسية التي ارتبطت بتاريخ من الصراع يحتاج إلى أدلة وممارسات متراكمة، وليس إلى تغيير الخطاب أو الموقع الرسمي فقط.

  5. إن تطور العلاقات العراقية السورية يفرض على الدولة العراقية إدارة التباين بين المصلحة الوطنية والذاكرة الاجتماعية، بدلاً من تجاهل أحدهما أو إخضاعه للآخر.

  6. إن قبول التعاون مع الدولة السورية لا يستلزم بالضرورة القبول الاجتماعي أو الأخلاقي بشخص رئيسها، كما أن استمرار التحفظ تجاه شخصيته لا يستلزم رفض التعاون بين البلدين.

  7. إن نجاح العلاقة العراقية السورية لن يتوقف على مستوى التفاهم بين القيادتين فقط، بل سيتأثر أيضاً بمدى قدرة هذا التفاهم على إنتاج نتائج ملموسة تعزز الثقة وتخفف المخاوف وتراعي الذاكرة الاجتماعية.

 

توصيات

  1. اعتماد خطاب رسمي عراقي يشرح المصالح الوطنية من التعاون مع سوريا، من دون التقليل من التجارب العراقية السابقة أو التقليل من مشاعر المتضررين منها.

  2. إعطاء الأولوية للتعاون الأمني والحدودي والقضائي، مع بناء ضمانات واضحة تحول دون عودة التهديدات التي عانى منها العراق في مراحل سابقة.

  3. عدم تحويل الخلاف حول شخصية أحمد الشرع إلى مادة للاستقطاب الطائفي أو السياسي الداخلي.

  4. تشجيع الدراسات الاجتماعية والنفسية التي ترصد اتجاهات العراقيين نحو سوريا الجديدة، والتمييز بين المواقف من الدولة السورية والمواقف من رئيسها.

  5. دعم المبادرات الثقافية والأكاديمية والمجتمعية المشتركة التي تعزز التواصل بين العراقيين والسوريين، وتساعد على بناء علاقات تتجاوز الخلافات السياسية.

  6. إبقاء قضايا الضحايا والذاكرة التاريخية والحقوق القانونية ضمن الاعتبارات التي لا يجوز إغفالها عند بناء علاقات إقليمية جديدة.

 

خاتمة

تكشف الحالة العراقية تجاه أحمد الشرع عن حقيقة اجتماعية مهمة، وهي أن التحولات السياسية قد تكون أسرع من التحولات النفسية والاجتماعية، فالشخص الذي يستطيع الانتقال من موقع إلى آخر، وتغيير اسمه وصفته وخطابه، لا يستطيع بالضرورة أن يحدد بنفسه الصورة التي سيحتفظ بها الآخرون عنه.

وفي المقابل، لا تستطيع المجتمعات أن تجعل ذاكرتها وحدها أساساً لإدارة جميع علاقاتها ومستقبلها، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بدول الجوار والمصالح المشتركة ومتطلبات الأمن والاستقرار.

ومن هنا فإن التحدي أمام العراق لا يتمثل في مطالبة مواطنيه بنسيان الماضي، ولا في تحويل الماضي إلى مانع دائم أمام بناء العلاقات، وإنما في تطوير قدرة مؤسسات الدولة على إدارة العلاقة بين الذاكرة والمصلحة، وبين الاعتبارات الأخلاقية ومتطلبات الواقع.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى