حرية المرأة في الغرب وصناعة الوعي لدى النساء العراقيات

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

حين تتحول الحرية من حق في الاختيار إلى نموذج يُراد للجميع أن يتبعوه

 

تبدو الحرية، في الخطاب المعاصر، كلمةً تكاد تحسم كل نقاش؛ فما إن يُرفع شعارها حتى يُفترض أن كل ما يأتي باسمه تقدّم، وأن كل تحفظ عليه تخلّف، وأن المرأة التي تتبنى النموذج الغربي قد بلغت بالضرورة درجة أعلى من الوعي والاستقلال. غير أن الأسئلة العميقة لا تبدأ حين نردد الكلمات الجميلة، بل حين نختبرها في الواقع، ونقيس المسافة بين ما يُعلن وما يُمارس، وبين الحق الذي يُمنح نظرياً والقدرة الفعلية على استعماله.

ومن هنا تبرز قضية تستحق نقاشاً هادئاً وشجاعاً: هل تتمتع المرأة في الغرب بحرية مطلقة كما توحي بعض الصور المتداولة على مواقع التواصل الاجتماعي؟ وهل تستطيع أن تختار لباسها، وأن تنظم حياتها الأسرية، وأن تجعل الأمومة أولوية، وأن تعيش وفق معتقدها من دون أن تصطدم بقيود قانونية أو اقتصادية أو ثقافية؟ أم أن المجتمعات الغربية، مثل سائر المجتمعات، تقدم نموذجاً مركباً تتعايش فيه الحريات مع القيود، والإنجازات مع التناقضات؟

إن الغرض من هذا السؤال ليس إنكار ما حققته النساء في دول غربية كثيرة من حقوق وفرص، ولا الدفاع عن كل ما يجري في مجتمعاتنا العربية، بل إخضاع خطاب الحرية نفسه للنقد. فالحرية التي لا تسمح بالمراجعة ليست فكرة متحررة، والمجتمع الذي يطالب المرأة بالاختيار ثم يستهجن اختيارها إذا خالف النموذج السائد يضعنا أمام تناقض يستحق الفحص.

 

أولاً: من حرية المرأة إلى تسويق صورة المرأة الحرة

تؤدي مواقع التواصل الاجتماعي دوراً مؤثراً في تشكيل التصورات عن الحياة في المجتمعات الأخرى، فالمرأة العراقية أو العربية التي تتابع مؤثرة تعيش في لندن أو باريس أو ستوكهولم قد ترى صور السفر والاستقلال المالي والأناقة والخروج والعمل، وقد تستنتج أن الحياة هناك تمنح المرأة حرية كاملة، وأن مشكلاتها الاجتماعية أقل، وأن قراراتها الشخصية لا تصطدم بأي ضغوط.

لكن الصورة المعروضة على الشاشة ليست المجتمع كله؛ فوسائل التواصل تكافئ المحتوى الجذاب والمثير، ولا تقدم بالضرورة صورة متوازنة عن تكاليف السكن، وضغوط العمل، والوحدة، وتربية الأطفال، والخلافات الأسرية، وصعوبة التوفيق بين الالتزامات المهنية والعائلية، كما أن حياة المؤثرة ليست عينة علمية ممثلة لجميع النساء في البلد الذي تعيش فيه.

وهنا ينبغي التمييز بين الحرية بوصفها حقاً قانونياً، والحرية بوصفها قدرة اقتصادية واجتماعية على اتخاذ القرار، والحرية بوصفها صورة إعلامية يجري تسويقها، فقد تكون المرأة حرة قانونياً في اتخاذ قرار معين، لكنها تواجه ضغوطاً مالية أو مهنية تجعل هذا القرار بالغ الصعوبة، وقد تعيش امرأة أخرى في مجتمع أقل ثراءً، لكنها تمتلك شبكة أسرية داعمة تتيح لها خيارات لا تتوفر لغيرها.

إن المشكلة لا تكمن في أن المرأة العربية تتطلع إلى تجارب الآخرين، فالتعلم من المجتمعات المختلفة أمر طبيعي، بل في أن تتحول التجربة الغربية إلى معيار وحيد لتقييم النساء، وأن يُختزل التقدم في تقليد نمط معين من اللباس والعلاقات والعمل والاستهلاك.

 

ولذلك فإن السؤال الذي ينبغي طرحه ليس: هل المرأة الغربية حرة والمرأة العربية مقيدة؟ بل: ما أوجه الحرية التي تمتلكها كل منهما، وما القيود التي تواجهها، وما الذي تستطيع القوانين والمؤسسات والأسر فعله لتوسيع خيارات النساء فعلاً؟

 

ثانياً: الحجاب واختبار صدقية الحرية

لا يظهر التناقض في خطاب الحرية بوضوح مثلما يظهر في قضية الحجاب، فإذا كان المبدأ هو أن جسد المرأة ولباسها لا ينبغي أن يكونا مجالاً للإكراه، فإن هذا المبدأ يفترض احترام المرأة التي تختار الحجاب، كما يفترض احترام المرأة التي تختار عدم ارتدائه، ما دامت لا تعتدي على حقوق الآخرين؛ فالحرية التي تُمنح للمرأة بشرط أن تختار ما ينسجم مع تصورات الآخرين ليست حرية مكتملة، بل مساحة اختيار تحدد حدودها سلطة خارجية، سواء أكانت هذه السلطة أسرية أم اجتماعية أم مؤسسية…

 

من مظاهرة في بروكسل العام الماضي ضد قرار المحكمة العليا بمنع الحجاب في مؤسسات التعليم العالي 2021

 

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى