قراءة معاصرة في ضوء مفهوم التجوال العقلي
إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
مفهوم نمارسه قبل أن نعرف اسمه ويشير لمصطلح يبدو مألوفاً في ألفاظه، لكنه يفتح باباً مهماً لفهم طريقة اشتغال عقولنا، هو التجوال العقلي (Mind Wandering)، ويشير إلى انتقال الانتباه من النشاط الذي نمارسه في اللحظة الراهنة إلى أفكار أو ذكريات أو توقعات لا ترتبط به مباشرة، وقد يحدث ذلك من دون قصد واعٍ، فنقرأ صفحات من كتاب ثم نكتشف أننا لم نستوعبها، أو نستمع إلى حديث شخص بينما نفكر في مشكلة تشغلنا، أو نواصل عملاً اعتدنا عليه فيما يتنقل ذهننا بين الماضي والمستقبل.
وتوضح البحوث النفسية أن هذه الظاهرة ليست مجرد شرود عابر، بل ترتبط بكيفية توجيه الانتباه، ومدى وعينا بما يجري داخل أذهاننا، وعلاقة أفكارنا الداخلية بالمهمة التي نؤديها، وقد تكون لها كلفة حين تعطل الفهم أو متابعة المعلومات، كما قد تؤدي أحياناً دوراً في التخطيط والتفكير في المشكلات واستحضار الخبرات، لذلك لا يصح التعامل معها بوصفها ظاهرة سلبية في جميع الأحوال، وإنما ينبغي فهمها في ضوء طبيعة النشاط الذي ينشغل به الإنسان، والوظيفة التي تؤديها أفكاره في تلك اللحظة .
ولعل أهمية هذا المفهوم لا تقف عند القراءة والعمل والحديث، بل تمتد إلى خبرات أكثر خصوصية، نمنحها مكانة كبيرة في حياتنا، ومن بينها الصلاة، فقد يبدأ الإنسان صلاته منتبهاً إلى ما يقرأه ويفعله، ثم يجد ذهنه منشغلاً بمسألة مالية، أو مسؤولية أسرية، أو حوار جرى في وقت سابق، بينما يستمر لسانه في القراءة وجسده في أداء الحركات المعتادة، إلى أن ينتبه فجأة إلى أنه كان يفكر في أمر آخر، وهذه الملاحظة لا تستدعي إصدار حكم على إيمانه أو عبادته، لكنها تفتح مجالاً لفهم العلاقة بين أداء الفعل والحضور فيه.
من أداء الفعل إلى الحضور فيه
ثمة فرق بين أن يؤدي الإنسان فعلاً ما، وأن يعيش معناه، فقد يجلس مع أسرته بينما يتابع هاتفه، أو يستمع إلى صديق من دون أن يصغي إلى تفاصيل حديثه، أو يقرأ نصاً من دون أن يتفاعل مع أفكاره، وفي هذه الحالات لا يغيب الإنسان بجسده، لكنه لا يمنح التجربة انتباهه بالقدر نفسه، وهكذا قد يصبح الأداء مستمراً فيما يتفاوت الحضور داخله.
وتزداد هذه المسافة في حياة تتزاحم فيها الإشعارات والمطالب والالتزامات، إذ ينتقل الذهن باستمرار بين ما لم يُنجز، وما ينبغي إنجازه، وما يخشى الإنسان حدوثه، وقد يتحول هذا الانتقال المتكرر إلى نمط مألوف يصعب معه البقاء مع موضوع واحد مدة كافية، من دون أن يعني ذلك وجود عجز دائم عن التركيز.
ويقدم العلماء تفسيراً مهماً لهذه التجربة من خلال ما يُعرف بفرضية انفصال الانتباه عن المدخلات الحسية، ومفادها أن الانتباه قد ينصرف جزئياً عن المعلومات التي توفرها البيئة الخارجية، ليتجه نحو الأفكار الداخلية، وعندها قد يستمر الإنسان في النظر أو القراءة أو أداء بعض الأفعال، لكن معالجة ما يواجهه تصبح أقل اتصالاً بما يجري أمامه، كما يوضح مفهوم الوعي فوق المعرفي أن الإنسان لا يكون واعياً دائماً بأنه شارد الذهن، بل قد يكتشف ذلك بعد مرور بعض الوقت.
وتساعدنا هذه التفسيرات على فهم جانب من الحضور، لكنها لا تستنفد معناه؛ فقد يكون الإنسان شديد التركيز في مهمة ما من دون أن يستحضر غايتها، وقد تتجاوز قيمة فعل آخر مجرد دقة أدائه، لأنه يرتبط بعلاقة أو معنى أو مقصد، ومن هنا يصبح الانتقال إلى العبادة انتقالاً من الحديث عن الانتباه بوصفه عملية نفسية إلى الحديث عن الحضور بوصفه تجربة تحمل أبعاداً معرفية ووجدانية وروحية.

حضور القلب “بين الرؤية الدينية والتفسير النفسي”
يحتل حضور القلب مكانة واضحة في الرؤية الإسلامية للعبادة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ﴾ (المؤمنون: 1–2)، وقال سبحانه: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ (طه: 14)، فالخشوع والذكر يوجهان النظر إلى ما يتجاوز الحركات والألفاظ، نحو استحضار المعنى والتوجه إلى الله تعالى، وما تنطوي عليه العبادة من خضوع ووعي بالمقام الذي يقف فيه الإنسان.
وتؤكد روايات أهل البيت عليهم السلام هذا المعنى، فقد ورد عن الإمام الصادق عليه السلام، في رواية نقلها الحر العاملي في وسائل الشيعة، الحث على أن يُقبل المصلّي بقلبه على الله أثناء الصلاة، كما ورد عن الإمامين الباقر والصادق عليهما السلام: ليس لك من صلاتك إلا ما أقبلت عليه منها بقلبك، وهي عبارة تضع العلاقة بين الأداء وحضور القلب في صميم التجربة التعبدية، وتلفت النظر إلى أن الصلاة لا تُختزل في صورتها الخارجية وحدها .
ولا ينبغي أن نفهم هذه النصوص وكأنها تقدم وصفاً نفسياً بالمعنى العلمي الحديث، بل إنها تنطلق من رؤية دينية وأخلاقية تحدد منزلة التوجه القلبي في العبادة، أما علم النفس فيساعدنا على فهم بعض العمليات التي تجعل انتباه الإنسان ينتقل عن موضوعه، والفرق بين المجالين مهم، لأن التجوال العقلي يصف حركة الانتباه، بينما يتصل الخشوع بمعنى أوسع يشمل التوجه والخضوع والحالة الوجدانية والروحية، ولذلك يمكن أن يضيء المفهوم النفسي جانباً من تجربة الصلاة، لكنه لا يكفي وحده للحكم على خشوع الإنسان أو قيمة عبادته.
وهنا تتضح فائدة الجمع بين المنظورين، فالرؤية الدينية تشرح لماذا يحظى حضور القلب بهذه الأهمية، فيما تتيح المعرفة النفسية فهم بعض الصعوبات التي قد تعترض الإنسان وهو يحاول استحضار هذا المعنى، من دون أن نخلط بين تفسير الظاهرة الذهنية وتقييم التجربة الروحية.
حين يتجوّل العقل أثناء الصلاة
لنتأمل مشهداً مألوفاً، يبدأ الإنسان صلاته وهو يرغب في التركيز، ثم تتسلل إلى ذهنه فكرة عن عمل لم ينجزه، أو مشكلة أسرية، أو التزام مالي، وقد يستعيد حواراً انتهى أو يتخيل موقفاً ينتظره، ويستمر في القراءة والحركات إلى أن ينتبه إلى ابتعاده الذهني، ثم يحاول العودة إلى الصلاة، وقد تتكرر هذه التجربة أكثر من مرة في الصلاة الواحدة.
ولا تحدث جميع حالات الشرود بالطريقة نفسها؛ فقد ينتقل الذهن تلقائياً إلى فكرة عابرة، وقد ينشغل الإنسان عمداً بمشكلة يحاول حلها، وقد تجذب انتباهه مؤثرات خارجية، كما قد يستمر في ترديد كلمات اعتادها من دون متابعة معانيها بوعي كافٍ، والتمييز بين هذه الحالات ضروري، لأن كل واحدة منها قد ترتبط بعوامل مختلفة، ولا يصح وضعها جميعاً في تفسير واحد.
ومن النماذج التي تساعد على فهم ذلك ما يرتبط بدور التحكم التنفيذي للعمليات التي تسهم في توجيه الانتباه والمحافظة على المهمة المقصودة، إذ يمكن أن ينصرف هذا التوجيه نحو التفكير الداخلي بدل متابعة النشاط الجاري، ولا يعني هذا بالضرورة أن الإنسان قرر الشرود أو أنه لا يريد التركيز، فقد يحدث الانتقال من دون نية واضحة، ثم لا يكتشفه إلا لاحقاً، وهو ما يفسر لماذا قد تكون الرغبة في الانتباه غير كافية لضمان استمراره.
وقد تسهم ألفة الصلاة وتكرار بعض عناصرها في استمرار الأداء رغم انتقال الانتباه، فالإنسان الذي يحفظ السُور والأذكار ويعرف ترتيب الحركات لا يحتاج إلى التفكير الواعي في كل تفصيل حركي، وهذه الألفة قد تساعد على سلاسة الأداء، لكنها لا تضمن وحدها حضور المعنى، كما أنها لا تؤدي بالضرورة إلى الشرود، فالعلاقة بين الاعتياد والانتباه ليست حتمية، بل تتأثر بطبيعة الشخص وحالته الذهنية والظروف المحيطة به.
وتقدم دراسة منشورة عام 2025 تناولت تجارب الانتباه أثناء الصلاة لدى بعض من مسلمي بريطانيا وباكستان مثالاً معاصراً على أهمية دراسة هذه المسألة مباشرة، إذ وصف المشاركون دور الصلاة في تعزيز الصلة بالله تبارك وتعالى، وتخفيف أعباء الحياة، واستحضار المعاني الكبرى، كما أشاروا إلى أن الانتباه يعزز تجربتهم في الصلاة، مع وجود صعوبات تتعلق بالتجوال العقلي والهموم اليومية، غير أن محدودية العينة وطبيعة الدراسة لا تسمحان بتعميم النتائج على جميع المسلمين، ولا بإثبات أن عاملاً واحداً يفسر الحضور أو غيابه.
إن ما تكشفه هذه الأمثلة هو أن الإنسان قد يرغب في الحضور ويواجه صعوبة في المحافظة عليه، وأن الانشغال بمشكلة حقيقية لا يعني بالضرورة قلة الاهتمام بالصلاة، مثلما أن ملاحظة الشرود لا تمنحنا أساساً كافياً للحكم على إيمان الشخص أو إخلاصه، فهذه مسائل أوسع من أن تختزل في مؤشر نفسي واحد.

كيف نستعيد الحضور بصورة واقعية؟
إذا كان التجوال العقلي قد يحدث من دون قصد، فإن التعامل معه لا يبدأ بمطالبة النفس بإيقاف جميع الأفكار، بل بمحاولة تهيئة ظروف أفضل للانتباه، والاستفادة من اللحظة التي نكتشف فيها أننا ابتعدنا، ويمكن أن يبدأ ذلك بخطوات بسيطة، مثل تقليل المقاطعات الممكن تجنبها، والتخفف قبل الصلاة من بعض المشاغل العاجلة، وفهم معاني السور والأذكار تدريجياً، والتأني في القراءة بما يساعد على إدراك ما يُقال، بدل أن تتحول الألفاظ المألوفة إلى ترديد آلي.
ويمكن تهيئة الذهن قبل الصلاة من خلال منح النفس دقائق قليلة للانتقال من انشغالات الحياة اليومية إلى الصلاة، عبر تقليل المشتتات وتأجيل ما يمكن تأجيله من المهام، وتدوين ما يُخشى نسيانه، بما يساعد على تخفيف حضور المشاغل العالقة في الذهن.
ايضاً يمكن ربط الألفاظ بمعانيها فان فهم معاني السور والأذكار يساعد على إبقاء الانتباه قريباً مما يتلوه المصلي، فبدل أن تمر الكلمات بصورة آلية، يحاول استحضار معناها ولو بإيجاز، لتصبح المعاني نقطة ارتكاز يعود إليها ذهنه.
كذلك فالتأني في القراءة والأداء يمنح التمهل المناسب المصلي فرصة لإدراك ما يقول ويفعل، ويقلل من احتمال أن يسبق اللسانُ الذهنَ بفعل الاعتياد والتكرار، من دون حاجة إلى الإطالة المتكلفة أو تحويل الصلاة إلى تمرين ذهني.
وهناك من يشير الى ان استحضار معنى يناسب موضع الصلاة يمكن ربط القيام بمعنى الوقوف بين يدي الله تبارك وتعالى، والركوع بالتعظيم، والسجود بالخضوع والتقرب، فتمنح هذه المعاني الانتباه وجهة واضحة، من غير أن تتحول إلى قواعد جامدة ينبغي مراقبة النفس باستمرار للتأكد من تطبيقها.
ايضاً يمكن أن نشير الى اهمية العودة الهادئة عند الشرود، فعندما يكتشف المصلي أن ذهنه انشغل بفكرة دنيوية، يمكنه ملاحظة ذلك من دون لوم أو صراع مع الفكرة، ثم إعادة انتباهه إلى القراءة أو الذكر أو الفعل الذي يؤديه، فالمهم ليس منع كل شرود، بل استعادة الحضور كلما أمكن.
ولا ينبغي التعامل مع هذه الخطوات بوصفها وصفة مضمونة لتحقيق حضور كامل، فمعرفة المعاني لا تمنع الشرود دائماً، والاستعداد المسبق لا يلغي أثر الهموم الحقيقية، كما أن الناس يختلفون في عاداتهم وظروفهم وقدرتهم على توجيه الانتباه، لكن هذه الممارسات قد تهيئ فرصاً أفضل للحضور، وتساعد الإنسان على ملاحظة ما يمكنه تغييره بدل الاكتفاء بلوم نفسه.
وهنا تبرز قيمة العودة إلى الصلاة كلما انتبه الإنسان إلى شروده، فبدل أن ينشغل أثناء الصلاة بتحليل سبب ابتعاده أو محاكمة نفسه على تكراره، يمكنه أن يعيد انتباهه بهدوء إلى القراءة أو الذكر الذي يؤديه، ثم يتأمل بعد الصلاة- عند الحاجة- في العوامل التي تتكرر وتستحوذ على تفكيره، وهذا ينسجم مع أهمية الوعي فوق المعرفي في بحوث التجوال العقلي، أي القدرة على ملاحظة ما يجري في الذهن، وإن لم تكن هذه العملية النفسية مرادفة لحضور القلب في معناه الديني.
كما ينبغي ألا يتحول طلب الخشوع إلى معيار قاسٍ يقيس به الإنسان قيمة كل صلاة بعدد الأفكار التي مرّت في ذهنه، فالحضور ليس مجرد غياب للخواطر، والعبادة لا تُختزل في قياس الانتباه، إنما يمكن أن تكون ملاحظة الشرود والعودة المتكررة جزءاً من محاولة الإنسان أن يكون أكثر وعياً بما يؤديه، من دون أن يدّعي بلوغ حالة مثالية لا تعرف الانقطاع.
خاتمة
تقودنا فكرة التجوال العقلي إلى ملاحظة تتجاوز الصلاة إلى حياتنا اليومية، فقد نقرأ ولا نتأمل، ونستمع ولا نصغي، ونجالس من نحب بينما تنشغل أذهاننا بعالم آخر، وقد نؤدي أعمالنا بكفاءة من دون أن نمنح معانيها ما تستحقه من الانتباه، وهكذا قد تنشأ مسافة بين ما نفعله وما نعيشه بالفعل.
إن فهم التجوال العقلي يساعدنا على تفسير جانب من هذه المسافة، لكنه لا يقدم تفسيراً كاملاً للحضور في العبادة، لأن حضور القلب يتجاوز الانتباه إلى الكلمات والحركات، ويرتبط بمعنى الذكر والتوجه والخضوع، ومن هنا يلتقي التفسير النفسي بالرؤية الدينية من دون أن يتطابقا، فالأول يضيء بعض آليات الذهن، والثانية تمنح الحضور غايته ومعناه.
ولعل المطلوب ليس أن نضمن لأنفسنا عقلاً لا يشرُد أبداً، بل أن نتعلم كيف نمنح ما نفعله انتباهاً أعمق، وكيف نعود إليه حين نبتعد عنه، وأن نكتشف أن الحضور ليس مجرد جودة في أداء الأفعال، بل طريقة في عيشها، وفي عالم تتنافس فيه المشاغل على انتباه الإنسان، يصبح استرداد هذا الانتباه خطوة نحو علاقة أكثر وعياً بأنفسنا وبالآخرين وبما نعدّه جديراً بأن نمنحه وقتنا ومعناه.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى