إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم تعد الحروب تُفهم من خلال ميادين القتال وحركة الجيوش وحدها، فقد اتسعت ساحاتها لتشمل الاقتصاد والمعلومات والفضاء الرقمي، وصولاً إلى المجتمع نفسه، بما يختزنه من أفكار ومخاوف وانتماءات وعلاقات ثقة.
وفي ظل هذا التحول، تبرز إمكانية أن يصبح المجتمع أكثر من مجرد ضحية للحرب أو متلقٍ لآثارها؛ إذ قد يتحول إلى بيئة تُدار فيها بعض عمليات الصراع، وإلى أداة تُستثمر مواقفه وتفاعلات أفراده في التأثير في مساراته ونتائجه، من هنا، تحاول هذه الورقة استشراف طبيعة هذا التحول، وفهم أبعاده النفسية والاجتماعية والاستراتيجية، مع إيلاء اهتمام خاص للمنطقة العربية والإسلامية والعراق، حيث تتداخل التحديات الداخلية مع التنافس الإقليمي، وتغدو قدرة المجتمع على التماسك والتمييز وإدارة الخلاف جزءاً أساسياً من مقومات الأمن الوطني.
أولاً: التحول الذي يستحق أن نتوقف عنده
ظلّت الحروب في صورتها التقليدية، تُفهم من خلال الجيوش والأسلحة والأراضي والحدود وموازين القوة المادية، ثم اتسع هذا الفهم مع تطور الحروب الجوية والصاروخية والاقتصادية والإلكترونية، وصولاً إلى الحروب السيبرانية وحروب المعلومات، غير أن التحول الأعمق الذي يستحق الاستشراف لا يتعلق بإضافة أداة جديدة إلى ترطسانة الحرب فحسب، بل بتغير موقع المجتمع نفسه في معادلتها؛ إذ يمكن أن يصبح المجتمع، إلى جانب كونه هدفاً للعمليات العسكرية ومتلقياً لنتائجها، جزءاً من البيئة التي تُدار فيها عمليات الصراع وتُصنع من خلالها بعض نتائجه.
في هذا التصور، لا تُختزل القوة في القدرة على تدمير منشأة أو تعطيل شبكة أو السيطرة على منطقة، بل تشمل أيضاً القدرة على التأثير في الطريقة التي يفهم بها الناس ما يحدث، وفي الجهات التي يثقون بها، وفي تفسيرهم لأفعال الآخرين، وفي استعدادهم للتعاون أو المواجهة، وفي طبيعة القرارات التي يقبلونها أو يرفضونها؛ فالمجتمع الذي يفقد قدرته على التفاهم بشأن الوقائع الأساسية، أو يعجز عن التمييز بين الخلاف الطبيعي والتهديد الوجودي، قد يتعرض للاستنزاف حتى قبل أن يدخل في حرب عسكرية مباشرة.
ولا يعني ذلك أن الجيوش والأرض والبنية التحتية ستفقد أهميتها، فالحروب المقبلة قد تجمع بين التدمير المادي والتعطيل التقني والضغط الاقتصادي والتأثير النفسي والاجتماعي، لكن الفارق أن هذه الأدوات يمكن أن تعمل بصورة متزامنة، بحيث يُستهدف ميدان مادي، فيما يجري التأثير في المجتمع الذي يعتمد عليه، وتُستثمر التداعيات الاجتماعية والاقتصادية الناتجة عنه في تشكيل مواقف الناس واستجاباتهم.
هذا التحول ليس مجرد افتراض نظري؛ فقد تناولت دراسات حديثة مفهوم (الحرب الإدراكية) بوصفه مجالاً يتقاطع فيه الصراع المعلوماتي مع علم النفس والسلوك واتخاذ القرار، مع بقاء المفهوم نفسه موضع نقاش بشأن حدوده وتعريفه ومدى تميزه عن أنماط التأثير السياسي والإعلامي المعروفة سابقاً.
ثانياً: من المجتمع المستهدف إلى المجتمع الذي يدخل في بنية الصراع
تكمن أهمية هذا التحول في أن المجتمع قد يُستثمر في الصراع من دون أن يكون أفراده مقاتلين، ومن دون أن يتلقوا أوامر مباشرة من جهة خارجية، فقد يشارك مواطن في نشر معلومة غير متحققة، أو يندفع آخر إلى اتهام جماعة اجتماعية بأكملها، أو يتحول خلاف محدود إلى حملة تخوين واسعة، أو يفقد جمهور ثقته بجميع المؤسسات ومصادر المعلومات، فتتراكم هذه الأفعال لتنتج بيئة اجتماعية أكثر اضطراباً وأقل قدرة على الاستجابة المتوازنة للأزمات.
إن التحول الذي تستحق الحروب المقبلة أن تُقرأ في ضوئه لا يتمثل في اختفاء الجيوش أو انتهاء المعارك المادية، بل في اتساع مفهوم القوة ليشمل البيئة التي يفكر المجتمع ويتواصل ويتخذ قراراته ضمنها، فالمجتمع قد يكون هدفاً للضغط، وبيئة لتفاعلات الصراع، وأداة تُستثمر استجاباته في تحقيق نتائج لا تتحقق بالسلاح وحده.
لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى