كيف تحول الفساد من حالات فردية إلى ثقافة مجتمعية؟
بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
ليس كل غزوٍ يأتي من وراء الحدود، فثمة غزوٌ أشدُّ خطرًا وأعمق أثرًا يتسلل من داخل مؤسسات الدولة نفسها، حين تمتد الأيدي إلى المال العام، فتستبيحه باسم المنصب أو النفوذ أو السلطة. إن الفساد، في جوهره، ليس مجرد مخالفة قانونية أو انحراف إداري، بل هو عدوان منظم على ثروة المجتمع، واغتصاب لحقوق المواطنين، واستنزاف لمقدرات الوطن. فكل دينار يُنهب من المال العام يعني مدرسة لم تُبنَ، ومستشفى لم يُجهَّز، وطريقًا لم يُعبَّد، وفرصة عمل ضاعت، ومستقبلًا أُهدر. ومن هنا فإن الفساد لا يسرق الأموال فحسب، بل يسرق التنمية، ويبدد الثقة، ويقوض أسس الدولة، ويُضعف العقد الاجتماعي بين المواطن ومؤسسات الحكم.
وفي الحالة العراقية، تتجلى خطورة الفساد بصورة أكثر إيلامًا؛ إذ تجاوز حدود التجاوزات الفردية ليغدو، في كثير من الأحيان، عملية نهب ممنهجة استهدفت موارد الدولة وثرواتها على نحو غير مسبوق. فالمال العام، الذي يمثل ملكية مشتركة لجميع العراقيين، تحول في أغلب الحالات إلى غنيمة تتنازعها المصالح الضيقة، فاستنزفت الموازنات، وتعطلت المشاريع، وتراجعت الخدمات الأساسية، رغم الإمكانات الاقتصادية الكبيرة التي يمتلكها العراق. وبذلك أصبح الفساد أحد أخطر التحديات التي تهدد الأمن الاقتصادي والاجتماعي، لأنه يلتهم الموارد التي يفترض أن تُسخَّر لبناء الإنسان وتنمية الوطن.
إن خطورة الفساد لا تكمن في قيمة الأموال المختلسة وحدها، بل في كونه غزوًا داخليًا لا يستخدم الدبابات ولا الأسلحة، وإنما يعتمد على إساءة استغلال السلطة، والالتفاف على القانون، وتحويل الوظيفة العامة من أمانة لخدمة المجتمع إلى وسيلة للإثراء غير المشروع. وإذا كان الغزو الخارجي يهدد حدود الدولة وسيادتها، فإن الفساد يهدد روح الدولة ذاتها، ويقوض مؤسساتها من الداخل، حتى تصبح عاجزة عن أداء وظائفها الأساسية. ولهذا فإن كثيرًا من الدراسات الحديثة تعد الفساد أحد أخطر أشكال التهديد للأمن الوطني، لأنه يضعف الاقتصاد، ويعمق الفقر، ويهدم الثقة، ويزرع اليأس، ويُفقد المواطن شعوره بالعدالة والانتماء.
كيف يتحول الفساد إلى ثقافة؟
في بداياته يكون الفساد فعلاً فرديًا معزولًا، يرتكبه شخص بدافع الطمع أو الحاجة أو استغلال السلطة. ومع تكراره دون عقاب يتحول إلى ظاهرة، أي يصبح ممارسة متكررة بين عدد كبير من الأفراد. أما المرحلة الأخطر فهي عندما يتحول إلى ثقافة، أي عندما يعاد تعريفه اجتماعيًا بوصفه أمرًا طبيعيًا أو ضروريًا أو حتى دليلاً على الذكاء والقدرة على “تدبير الأمور”. عند هذه المرحلة لا يعود الفساد استثناءً، بل يصبح هو القاعدة، بينما تصبح النزاهة استثناءً.
الأسباب النفسية لتحول الفساد إلى سلوك وثقافة
-
التطبيع مع الانحراف
يُعد التطبيع مع الانحراف من أخطر الآليات النفسية التي تفسر انتشار الفساد، إذ يؤكد علماء النفس الاجتماعي أن الإنسان يمتلك قدرة كبيرة على التكيف مع البيئة التي يعيش فيها مهما كانت طبيعتها. فالموظف الذي يدخل مؤسسة تنتشر فيها الرشوة أو المحسوبية قد يشعر في البداية بالرفض والاستنكار، لكنه مع تكرار مشاهدته لهذه الممارسات دون وجود عقاب أو استنكار اجتماعي يبدأ تدريجيًا بالنظر إليها بوصفها جزءًا من الواقع الوظيفي، ثم يتكيف معها، وقد ينتهي به الأمر إلى ممارستها بنفسه. وهكذا ينتقل الفساد من كونه سلوكًا مرفوضًا إلى ممارسة اعتيادية لا تثير الحس الأخلاقي، ويصبح الانحراف هو “الوضع الطبيعي” داخل المؤسسة، بينما تبدو النزاهة وكأنها سلوك استثنائي.
-
التبرير الأخلاقي
يميل الإنسان بطبيعته إلى الحفاظ على صورته الإيجابية أمام نفسه، لذلك يلجأ إلى بناء مبررات نفسية تخفف من شعوره بالذنب عند ارتكاب السلوك الفاسد، وهي عملية يسميها علماء النفس بـ”التبرير الأخلاقي”. فيبدأ الموظف بإقناع نفسه بأن “الجميع يفعل ذلك”، أو أن “الدولة لم تنصفه”، أو أن “راتبه لا يكفي لتلبية احتياجات أسرته”، أو أن ما يحصل عليه ليس رشوة بل حقٌ ضائع يسترده. ومع تكرار هذه المبررات تتغير دلالات الألفاظ، فتتحول الرشوة إلى “إكرامية”، والمحسوبية إلى “واسطة”، والاختلاس إلى “تعويض”، مما يؤدي إلى إضعاف الحاجز الأخلاقي الذي يمنع الفرد من الانخراط في الفساد، ويجعله يشعر بأنه لم يرتكب فعلًا مستهجنًا.
-
التعلم بالملاحظة
ترى نظرية التعلم الاجتماعي أن الإنسان لا يكتسب السلوك من خلال التجربة المباشرة فقط، وإنما من خلال مراقبة الآخرين وتقليدهم، ولا سيما إذا كانوا يحققون مكاسب واضحة. وفي بيئات العمل التي يترقى فيها الموظف الفاسد، ويحصل على النفوذ والامتيازات، بينما يُهمَّش الموظف النزيه أو يُنظر إليه على أنه غير قادر على “مجاراة الواقع”، فإن الرسالة النفسية التي تصل إلى العاملين تكون أن الفساد هو الطريق الأسرع للنجاح. ومع مرور الوقت يصبح تقليد هذه النماذج أمرًا متوقعًا، ليس بسبب اقتناع الأفراد بقيمة الفساد، وإنما بسبب إدراكهم أن البيئة تكافئ هذا السلوك أكثر مما تكافئ النزاهة.
-
الاعتياد النفسي
من الخصائص النفسية للإنسان أن المشاعر السلبية المرتبطة بسلوك معين تتضاءل كلما تكرر ذلك السلوك، وهي ظاهرة تعرف بالاعتياد النفسي. ففي المرة الأولى التي يتلقى فيها الموظف رشوة أو يستغل منصبه قد يشعر بالخوف أو القلق أو تأنيب الضمير، لكن مع تكرار الفعل، وغياب العقوبة، يبدأ هذا الشعور بالانخفاض تدريجيًا حتى يختفي تقريبًا. وعند هذه المرحلة يتحول الفساد إلى ممارسة روتينية لا تستدعي صراعًا داخليًا أو مراجعة أخلاقية، بل يصبح جزءًا من السلوك المهني اليومي. وهذا الاعتياد يمثل مرحلة خطيرة؛ لأنه لا يقتصر على تغيير السلوك فحسب، بل يمتد إلى إعادة تشكيل الضمير المهني والقيم الشخصية، بحيث يغدو الفساد ممارسة مألوفة أكثر من كونه استثناءً.

الأسباب الاجتماعية لتحول الفساد إلى سلوك وثقافة
أولًا: انهيار منظومة القيم
يُعد تراجع المنظومة القيمية من أبرز العوامل الاجتماعية التي أسهمت في انتشار الفساد، إذ إن المجتمع الذي يتعرض لفترات طويلة من الحروب، والعقوبات الاقتصادية، والأزمات السياسية والأمنية، غالبًا ما يشهد اضطرابًا في معاييره الأخلاقية والاجتماعية. وفي الحالة العراقية، أدت هذه التحولات المتراكمة إلى إضعاف العديد من القيم التي كانت تنظم العلاقات الاجتماعية، مثل الأمانة، والنزاهة، والإيثار، واحترام المال العام، مقابل صعود قيم المنفعة الفردية والمصلحة الشخصية والبقاء بأي وسيلة ممكنة. ومع استمرار هذه الظروف، لم يعد النجاح يقاس دائمًا بالاستقامة والكفاءة، بل بقدرة الفرد على تحقيق المكاسب، حتى وإن جاءت بوسائل غير مشروعة، الأمر الذي هيأ بيئة اجتماعية أكثر تقبلًا للفساد وأقل استنكارًا له.
ثانيًا: المحاصصة والولاءات الفرعية
تسهم الولاءات الحزبية والعشائرية والفئوية، عندما تتغلب على مبدأ المواطنة وسيادة القانون، في خلق بيئة تشجع على الفساد وتضعف المساءلة. فعندما يدرك الموظف أن انتماءه السياسي أو العشائري قد يوفر له الحماية من العقوبات أو يضمن له الدعم عند ارتكاب المخالفات، تتراجع هيبة القانون ويزداد الشعور بالإفلات من العقاب. كما تؤدي هذه الولاءات إلى تفضيل المصالح الخاصة على المصلحة العامة، وتغليب العلاقات الشخصية على معايير الكفاءة والاستحقاق، مما يجعل الفساد جزءًا من شبكة المصالح المتبادلة داخل بعض المؤسسات، ويصعب مكافحته لأنه يصبح محميًا بمنظومات اجتماعية وسياسية متداخلة.
ثالثًا: غياب العدالة وسيادة القانون
يشكل الإحساس بعدم العدالة أحد أهم العوامل التي تضعف الالتزام بالقيم القانونية والأخلاقية. فعندما يلاحظ المواطن أو الموظف أن بعض المتورطين في قضايا الفساد الكبيرة ينجون من المحاسبة أو تتأخر مساءلتهم، بينما تطبق العقوبات بسرعة على المخالفات الصغيرة أو على الموظفين الأقل نفوذًا، تتراجع الثقة بمبدأ المساواة أمام القانون. ويترتب على ذلك شعور عام بأن العدالة انتقائية، وأن الالتزام بالنزاهة لا يحقق ميزة حقيقية، الأمر الذي يدفع بعض الأفراد إلى تبرير الانخراط في الفساد باعتباره استجابة لواقع يفتقر إلى الإنصاف، لا مجرد انحراف أخلاقي فردي.
لماذا أصبح الفساد عند بعض الموظفين ثقافة؟
لا يتحول الفساد إلى ثقافة بمجرد تكرار ممارسته، وإنما عندما يصبح جزءًا من البيئة التنظيمية والاجتماعية التي يعمل فيها الموظف، فتتغير نظرته إلى ما هو مقبول وما هو مرفوض. فالموظف الذي يقضي سنوات طويلة في مؤسسة تنتشر فيها الرشوة والمحسوبية واستغلال المنصب، يتعرض يوميًا لرسائل مباشرة وغير مباشرة تؤكد له أن الرشوة تُسرّع إنجاز المعاملات، وأن الوساطة أقوى من القانون، وأن الالتزام بالنزاهة قد يؤدي إلى العزلة أو الحرمان من الامتيازات، بينما يحقق الفاسد مكاسب مادية ووظيفية أكبر دون أن يتعرض للمساءلة. ومع استمرار هذه الرسائل وتكرارها، يعاد تشكيل الضمير المهني تدريجيًا، فلا يعود الفساد يُنظر إليه باعتباره انحرافًا أخلاقيًا، بل يصبح أسلوبًا طبيعيًا للعمل وآلية مقبولة للتعامل داخل المؤسسة. وعند هذه المرحلة يتحول الفساد من قرار فردي إلى ثقافة تنظيمية يعيد الموظفون إنتاجها ونقلها إلى القادمين الجدد، فتغدو النزاهة هي السلوك الاستثنائي، بينما يصبح الفساد هو السلوك المألوف.
الحلقة المفرغة للفساد
يتميز الفساد بأنه لا يقتصر على إنتاج آثار سلبية آنية، بل يمتلك قدرة على إعادة إنتاج نفسه من خلال ما يمكن تسميته بـ”الحلقة المفرغة للفساد”. فكلما ضعفت مؤسسات الدولة وتراجعت هيبة القانون، ازدادت فرص انتشار الفساد، ومع اتساعه تتراجع ثقة المواطنين بالمؤسسات العامة، فيلجؤون إلى الرشوة والوساطة والمحسوبية للحصول على حقوقهم أو إنجاز معاملاتهم. ويؤدي ذلك إلى إضعاف سلطة الدولة أكثر، وانخفاض كفاءة الإدارة العامة، وتراجع مستوى الخدمات، مما يخلق بيئة أكثر ملاءمة لانتشار الفساد من جديد. وهكذا يدخل المجتمع في دائرة مغلقة يصبح فيها الفساد سببًا ونتيجةً في الوقت نفسه؛ فهو يضعف مؤسسات الدولة، ثم يستفيد من هذا الضعف ليزداد انتشارًا وترسخًا. ومع مرور الزمن، لا يقتصر أثر هذه الحلقة على المؤسسات الحكومية، بل يمتد إلى المنظومة القيمية للمجتمع، فتتراجع الثقة، وتضعف روح المواطنة، ويغدو الفساد أحد المكونات غير الرسمية التي تنظم العلاقات الاقتصادية والإدارية والاجتماعية، الأمر الذي يجعل مكافحته أكثر تعقيدًا، لأنها تتطلب إصلاح البيئة المنتجة له، وليس مجرد معاقبة الأفراد المتورطين فيه.

شكل 1 (دورة الفساد)
المؤشرات الثقافية الخطيرة لتحول الفساد إلى ثقافة مجتمعية
لا يُقاس انتشار الفساد بعدد قضايا الرشوة أو الاختلاس المسجلة فحسب، وإنما يُقاس أيضًا بمدى تغلغله في الوعي الجمعي وتحوله إلى منظومة من القيم والممارسات المقبولة اجتماعيًا. فعندما يفقد المجتمع حساسيته الأخلاقية تجاه الفساد، ويصبح جزءًا من الحياة اليومية، فإن ذلك يمثل أخطر مراحل الظاهرة؛ لأن الثقافة الفاسدة أكثر بقاءً واستمرارًا من الأفعال الفردية. ومن أبرز المؤشرات الدالة على هذا التحول ما يأتي:
-
عدم استنكار الرشوة اجتماعيًا
من أخطر المؤشرات الثقافية أن تتراجع نظرة المجتمع السلبية تجاه الرشوة، فلا تُقابل بالرفض أو الاستهجان، بل تُعد وسيلة اعتيادية لتسيير المعاملات أو تجاوز الإجراءات الإدارية. وعندما يصبح دفع الرشوة أو تلقيها أمرًا مألوفًا في الأحاديث اليومية، فإن ذلك يعكس تآكل المعايير الأخلاقية التي كانت تحكم العلاقة بين المواطن والدولة، ويؤدي إلى تطبيع الفساد في الوعي الجمعي.
-
مدح الشخص القادر على “تسيير الأمور“
في البيئات التي تتجذر فيها ثقافة الفساد، يتحول الشخص القادر على استغلال العلاقات أو النفوذ لإنجاز المعاملات بطرق غير قانونية إلى نموذج يحظى بالإعجاب والثناء. فيُنظر إليه بوصفه شخصًا “ذكياً” أو “صاحب معارف”، بدل النظر إليه على أنه يلتف على القانون. ويؤدي هذا التحول في التقييم الاجتماعي إلى منح السلوك الفاسد شرعية غير مباشرة، ويشجع الآخرين على تقليده.
-
اعتبار استغلال المنصب نوعًا من الذكاء
من المؤشرات الخطيرة أيضًا أن يُفسَّر استغلال المنصب العام لتحقيق المنافع الشخصية على أنه دليل على الحنكة والقدرة على استثمار الفرص، لا بوصفه خيانة للأمانة الوظيفية. وعندما يصبح تحقيق المكاسب الخاصة من الوظيفة معيارًا للنجاح، تتراجع قيمة النزاهة والكفاءة، ويُعاد تعريف النجاح الوظيفي بمعايير مادية لا أخلاقية، الأمر الذي يسهم في ترسيخ ثقافة الفساد داخل المؤسسات.
-
السخرية من الموظف النزيه واعتباره ساذجًا
عندما يصبح الموظف الملتزم بالقانون والنزاهة محل سخرية أو استغراب من زملائه، ويُوصف بأنه لا يعرف كيف “يستفيد من الفرص”، فإن ذلك يعكس انقلابًا في سلم القيم داخل المؤسسة. ففي هذه الحالة لا يُكافأ السلوك الأخلاقي اجتماعيًا، بل قد يُعد سببًا للخسارة أو ضعف الشخصية، مما يخلق ضغوطًا نفسية واجتماعية تدفع بعض الموظفين إلى التخلي عن نزاهتهم من أجل الاندماج مع الجماعة.
-
انتقال هذه الأفكار إلى الأبناء والشباب
تبلغ ثقافة الفساد ذروة خطورتها عندما تنتقل من المؤسسات إلى الأسرة وعمليات التنشئة الاجتماعية. فعندما يسمع الأبناء باستمرار عبارات تبرر الرشوة أو تمجد الواسطة أو تقلل من قيمة الالتزام بالقانون، فإنهم يكتسبون هذه التصورات منذ الصغر، وتصبح جزءًا من منظومتهم الفكرية والأخلاقية. وبهذا لا يعود الفساد مجرد ممارسة تخص جيلًا معينًا، بل يتحول إلى ثقافة تنتقل عبر الأجيال، مما يجعل معالجتها أكثر صعوبة، لأنها تتطلب إصلاحًا تربويًا وثقافيًا طويل الأمد، إلى جانب الإصلاحات القانونية والإدارية.
الاستنتاجات
-
لم يعد الفساد في العراق يقتصر على حالات فردية، بل تحول في بعض المؤسسات إلى ظاهرة اجتماعية ذات امتدادات ثقافية.
-
أسهم ضعف مؤسسات الدولة وتراجع سيادة القانون في توفير بيئة مناسبة لانتشار الفساد.
-
أدى غياب العدالة وتفاوت تطبيق القانون إلى إضعاف ثقة المواطنين بالمؤسسات الرسمية.
-
ساعدت عمليات التطبيع النفسي مع الفساد على تحويله من سلوك مرفوض إلى ممارسة اعتيادية لدى بعض الموظفين.
-
لعبت البيئة الوظيفية دورًا رئيسًا في إعادة إنتاج الفساد من خلال التعلم بالملاحظة والتقليد.
-
أصبحت بعض أشكال الفساد تحظى بتبريرات اجتماعية وأخلاقية تقلل من خطورتها في الوعي العام.
-
أسهمت المحاصصة والولاءات الفرعية في إضعاف الرقابة وتعزيز الإفلات من المساءلة في بعض المؤسسات.
-
أدى انتشار الفساد إلى تراجع جودة الخدمات العامة واستنزاف الموارد المالية للدولة.
-
أضعف الفساد رأس المال الاجتماعي من خلال تقويض الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة.
-
إن أخطر ما يميز الفساد هو قدرته على إعادة إنتاج نفسه عبر الثقافة التنظيمية والتنشئة الاجتماعية، مما يجعل معالجته أكثر تعقيدًا من مجرد ملاحقة الأفراد.
التوصيات
-
ترسيخ مبدأ سيادة القانون من خلال تطبيق العقوبات على جميع مرتكبي جرائم الفساد دون تمييز، بغض النظر عن مناصبهم أو انتماءاتهم.
-
تعزيز استقلالية الأجهزة الرقابية والقضائية وتوفير الحماية القانونية والإدارية للعاملين فيها.
-
إعادة بناء الثقافة الوظيفية عبر برامج تدريبية مستمرة تركز على النزاهة وأخلاقيات الوظيفة العامة.
-
تبسيط الإجراءات الإدارية والتحول الرقمي لتقليل الاحتكاك المباشر بين الموظف والمراجع، وهو ما يحد من فرص الرشوة والابتزاز.
-
اعتماد معايير الكفاءة والنزاهة في التعيين والترقية بعيدًا عن المحاصصة والولاءات الشخصية.
-
تعزيز الشفافية من خلال نشر المعلومات المتعلقة بالمشاريع العامة والإنفاق الحكومي وتمكين المجتمع من متابعتها.
-
تفعيل دور المؤسسات التربوية والإعلامية في ترسيخ قيم الأمانة واحترام المال العام وبيان الآثار المدمرة للفساد على التنمية.
-
حماية المبلغين عن الفساد وتشجيع الإبلاغ عن المخالفات من خلال توفير ضمانات قانونية ومهنية لهم.
-
تكريم النماذج الوظيفية النزيهة وإبرازها إعلاميًا لتصبح قدوة إيجابية داخل مؤسسات الدولة.
-
اعتماد إستراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد تجمع بين الإصلاح القانوني والإداري والتربوي والثقافي، لأن الفساد ليس مشكلة قانونية فحسب، بل هو تحدٍ مجتمعي يتطلب معالجة متكاملة.
خاتمة
إن أخطر ما يواجه العراق ليس وجود الفساد المالي أو الإداري فحسب، بل تحول الفساد إلى ثقافة اجتماعية يتعلمها الأفراد، ويبررها المجتمع، وتتسامح معها بعض المؤسسات. فالثقافة الفاسدة أخطر من الفاسد نفسه؛ لأن إزالة الشخص الفاسد قد تكون ممكنة، أما تغيير الثقافة فيتطلب إصلاحًا طويل الأمد يبدأ من التربية والتعليم، وترسيخ سيادة القانون، وتحقيق العدالة، وبناء القدوة الصالحة في مؤسسات الدولة، حتى تعود النزاهة معيارًا للنجاح بدل أن يُنظر إليها على أنها استثناء.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى