التدين الرقمي وتحولات الوعي الديني في عصر الإعلام الجديد

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

شهدت العقود الأخيرة من القرن الحادي والعشرين انقلاباً جذرياً في الوعي الإنساني إذ لم تعد التقنية مجرد اداةٍ للتواصل أو المعرفة، بل تحولت إلى بيئةٍ شاملة للحياة تسكنها الذات وتعيد من خلالها بناء رؤيتها للعالم ولذاتها وللمقدس ومع توسع الفضاء الافتراضي، وتحول الإنترنت إلى بيئة ذهنية وثقافية عميقة نشأت انماط جديدة من التدين لا يستند إلى نصوصٍ تشريعية، بل إلى تجارب فردية متفرقة تتغذى من ثقافة الصورة وسرعان التفاعل وتنوع الخطاب الرقمي، ومنذ ظهور شبكة الانترنت ونموها وتوسع عدد مستخدميها من منتجين ومستهلكين للمحتوى الديني مما اسهم ذلك بظهور مفاهيم حاولت ان تضع توصيف المحتوى الديني على الشبكة منهم من يسميها التدين الشبكي وقد أدى ارتباط التدين بالبيئة الرقمية إلى خلق أشكال جديدة من التصورات حول الدين بعضها يوتبي متفائل وبعضها الآخر متشائم وآخر خيالي، فضلًا عن ان هذه البيئة الرقمية انتجت ايضاً سلوكات دينية مستحدثة لم تكن معروفة من قبل هذا الواقع انتج ما يعرف بالتدين الرقمي، الذي يعود الفضل في بلورته الى هايدي كامبل من خلال دراسته العلاقة بين التدين عبر الانترنت وخارجه في المجتمع الشبكي ويتجسد هذا المفهوم في كمية المعلومات االتي تنشر حول الدين عبر مواقع وشبكات التواصل التي أحدثت تغيراًً جذرياً في علاقة الإنسان بالمعلومة.

وقد امتدَّ هذا التأثير ليشمل الجوانب الاقتصادية والاجتماعية والفكرية والثقافية والدينية. وعلى المستوى الديني، بدأ الباحثون في العلوم الاجتماعية يتحدثون عن التدين الرقمي في المجتمعات الغربية والعربية التي تشهد تحولاتٍ متعددة في مجالات تداول المعلومات عبر الإنترنت، وارتفاعًا في أعداد مستخدميه، مما أسهم في ظهور توجهٍ لدى بعض الأفراد نحو تلقي المعلومة الدينية من خلال الإنترنت دون تمحيص أو إخضاعها لعملية فلترة معرفية تستند إلى أسسٍ وضوابط دينية؛ للتحقق من مدى مصداقيتها وصحة تواترها، وقد أدى ذلك إلى نشوء توجهٍ ديني سطحي لدى البعض، يقوم على تلقي المعلومات من مواقع التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي بوصفها مسلَّمات، بعيدًا عن التخصص أو الرجوع إلى أصحاب الاختصاص، كما يجري تداول هذه المعلومات في بعض الأوساط الشبابية على أنها حقائق مطلقة، أو تُستخدم في نقد منظومة دينية لها أسسها وبرامجها المعرفية المتواترة والخاضعة للفحص والتدقيق من قبل المؤسسة الدينية.

كما أن اغلب هؤلاء المتدينين الرقميين ليسوا من أصحاب الاختصاص الديني، وإنما تكون الفكرة الأساسية في طرحهم، أحيانًا، قائمة على النقد لمجرد النقد، من دون الاستناد إلى أرضية فكرية دينية رصينة، وفي كثير من الأحيان، يمكن تصنيف هذه الطروحات ضمن الهجمات التي تُشن ضد الدين، أو أنها تهدف إلى تحقيق الحضور الاجتماعي لصاحب الفكرة، وتصدير نفسه للآخرين على أنه يمتلك رصيدًا معرفيًا في مجال الدين، محاولًا من خلال طرحه نزع القداسة عن بعض الجوانب الدينية، أو تقديم نفسه بوصفه مالكًا للمعلومة التي يعتقد أنها تمكِّنه من كشف ما يراه مغالطاتٍ دينية.

 

وبذلك تمثل الثورة الرقمية الحالية فرصةً وتحديًا في آنٍ واحد؛ فهي، من جهة توسِّع دائرة الوصول إلى المعرفة الدينية، ومن جهةٍ أخرى قد تؤدي إلى تسطيح الخطاب الديني وفقدان المرجعية العلمية إذا لم يُضبط بمنهجٍ علميٍّ رصين، مما يسمح بانتشار التأويلات غير المنضبطة، ويُضعف الصلة بالمؤسسات العلمية الراسخة.

 

اولًا: الهوية الدينية السائلة

يمكن توصيف هذا النمط بـ الهوية الدينية السائلة، وهي هوية تتسم بعدم الثبات وسرعة التحول، نتيجة التعرض المستمر لتدفقات كثيفة ومتنوعة من المضامين والخطابات الدينية عبر الوسائط الرقمية، ويخضع هذا التحول لمدى قوة التلقي وفاعلية الإقناع، وما توظفه تلك الخطابات من استثارة للعواطف وتوجيه للانفعالات، ومن ثم تتشكل الهوية الدينية ضمن شبكة من الأنساق الفكرية والعقدية والسلوكية التي يعتمدها الفرد أو الجماعة في بناء الذات الدينية وإعادة تعريفها بصورة متواصلة، وفي هذا الإطار تكتسب الهوية طابعًا سيالًا يتأثر بخصائص الثقافة الرقمية، مثل النزعة الاستهلاكية، وتعظيم الخصوصية، والانعزال، والتمرد على الأنماط الاجتماعية التقليدية، الأمر الذي يجعلها أكثر قابلية لإعادة التشكل تبعًا لتحولات البيئة الإعلامية والميديولوجية.

ويفضي هذا النمط من تشكُّل التدين الرقمي إلى إنتاج أنماط متعددة من الصراع، بسبب التفسيرات والرؤى التي يكتسبها الأفراد، ولا سيما الشباب، عبر البيئات الإعلامية والرقمية التي أصبحت تمثل لهم الحاضنة الرئيسة لتكوين الوعي الديني، ونتيجة لذلك لم يعد التدين انعكاسًا مباشرًا للنص الديني أو للواقع الاجتماعي، بل أصبح يتشكل ضمن منظومة ميديولوجية تعيد إنتاج المعاني الدينية وتوظفها إطر إيديولوجية متنوعة، ومن هذا المنطلق، فإن الميديولوجيا الجديدة لا تؤدي دور الوسيط في نقل الخطاب الديني فحسب، وإنما تمارس دورًا فاعلًا في إعادة بنائه وصياغته، بما يعزز حضور الأطر الإيديولوجية ويزيد من قدرتها على التأثير في تشكيل المواقف والسلوكات الاجتماعية والدينية.

فضلًا عن تأثير الفضاء الرقمي على ظهور النزعة الفردانية، والتدين الاستعراضي، وتجزئة المحتوى الديني، وفقدان العمق العلمي والروحي، وانتشار الفتاوى غير المنضبطة، أو مناقشة الأفكار والآراء الدينية بهدف التقليل من أهميتها وتسطيحها، مما قد يفسح المجال لظهور اجيال متذبذبة معرفيًا، مع تشتت السلطة الدينية بين المؤسسات الرسمية والمؤثرين الرقميين.

فالجيل (الرقمي) الحالي يتَّسم بمواكبته لتسارع عالم الوسائط الرقمية، وتعرُّضه لآثار العولمة الرقمية، مع القابلية للتأقلم السريع مع أنماط التعايش ضمن محيط اجتماعي افتراضي رقمي، وقابلية أسرع للمواكبة والتعلُّم والاكتساب لكل معطيات الرقمنة التواصلية، والتي تعيد بعض جوانبها إنتاج بنية الثقافة الدينية بشكل يستجيب لميولات الجيل الحالي وانشغالاته الإلكترونية، لتنقلها من مسارات التدين وما يرتبط بها من مراجع دينية من مشايخ ودعاة ودراسات وكتب وبحوث رصينة، إلى الدين الرقمي الخاضع لتكوين تدين يساير العولمة الثقافية المدعومة بالعولمة الرقمية، عبر تقديم دين السوق (إسلام السوق)، أي تسليع المحتوى الديني بحسب الطلب، وإخضاع الدين وتعاليمه ونشره لنظرية السوق والتسويق الدعائي الاستعراضي والتوجيه لشريحة مجتمعية معينة، وتكوين دعاة يخاطبون فئات عمرية أو جنسية معينة، وتطوير خطاباتهم من حيث الأسلوب واللغة والموضوعات والإخراج الدعائي، والهيئة، والتصوير، والبرمجة، بالاعتماد على شركات مختصة في برمجة خطابات الجماهير لتحقيق حضور أكثر من قبل المتدينين الرقميين.

كما إن هذا النمط من بناء التدين يؤدي، في كثير من الأحيان، إلى نشوء حالات من الصراع والتوتر، نتيجة للأفكار والتفسيرات التي يتلقاها الأفراد، ولا سيما فئة الشباب، عبر بيئات معرفية وإعلامية تُشكِّل معتقداتهم وتؤثر في أحكامهم ورؤيتهم للواقع. فبدلاً من أن يستند التدين إلى فهمٍ راسخ للنصوص الدينية وإدراكٍ واعٍ للسياقات الواقعية، يصبح في كثير من الأحيان نتاجًا لخطابات إعلامية وإيديولوجية تُعيد تشكيل الوعي الديني وفق منطقها الخاص. ومن ثم، يغدو التدين المعاصر مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالميديولوجيا الجديدة، التي لا تكتفي بنقل الخطاب الديني، بل تسهم في إعادة إنتاجه وتوجيهه بما يعزز الأطر الإيديولوجية ويمنحها قدرة أكبر على التأثير والانتشار.

 

ثانيًا: الثقة الزائفة التي تمنحها شبكة الانترنت للمتدين الرقمي

أنّ النصوص الدينيّة تستند في بعض الموارد إلى التفكير والتعقّل، في الرؤية الدينية يمتاز الإنسان من سائر الموجودات في العالم بميزةٍ خاصةٍ، وإنّ هذه الميزة لا تُختزل بطاقاته الروحية والمعنوية فقط، بل هي مرتبطةٌ بقواه الفكرية والعقلية أيضًا، وإنّ اتصاله بعالم الغيب، والتوصل إلى دور الله سبحانه وتعالى في مصيره، يكمن إلى حدٍّ ما في قواه وطاقاته الإدراكية والعقلية، في حين ان التدين الرقمي يعتمد فيه الفرد على ما توفره البيئة الرقمية من بيانات ومعلومات دينية يستقي منها توجهه الديني، فالمعلومة الدينية أو غيرها؛ أصبحت في عالم الرقمنة سيلًا متدفقًا؛ سهل المنال، بل يسهل أن تتقصد الفرد أو المتابع المعلومة نفسها، عبر إعادة برمجة عقله رقميًا بواسطة منصات التواصل؛ بخلق عناصر الجذب الرقمية، والملاحقة الخوارزمية لفهم ميولاته وتوجهاته ونفسيته ومستواه الفكري. وبذلك تشكل له نمط مستحدث من العلاقات الانتمائية الافتراضية لجماعة افتراضية، أو لأديان افتراضية لا وجود لها على الواقع.

هذا التدين الرقمي؛ يتماثل في مستويات من الوعي، انطلاقًا من المتابعة للعلماء والدعاة مباشرة، للمتابع عبر المواقع، للقراءة وفقط، لنصل لمستوى الاستغناء عن أهل الاختصاص، والاكتفاء بطرح السؤال على محرك البحث لتخرج الإجابة الجاهزة، دون الانتباه لأصل الفتوى أو الجواب، ولا فهم أن الجواب يحتاج من السائل فهمًا مسبقًا لسؤاله وللغة العلم الباحث فيه، وأن الجواب يجب أن يكون من أهل الاختصاص للمستفتي المعني؛ من المفتي الذي سيستفسر المستفتي عما يعينه على تصوير الحكم قبل إنزاله على مسألته.

ومن أبرز الآثار المعرفية لهذا التحول نشوء ما يمكن تسميته بالثقة المعرفية الزائفة أو فرط الثقة المعرفية؛ إذ تمنح سهولة الوصول إلى المعلومات الرقمية المستخدم شعورًا مضخمًا بامتلاك المعرفة، فيختلط لديه امتلاك المعلومة بامتلاك العلم. فسرعة الوصول إلى النصوص والفتاوى، والقدرة على استدعائها خلال ثوانٍ، قد تولدان اعتقادًا بأن الفرد أصبح مؤهلًا للحكم في المسائل الشرعية أو مناقشتها أو حتى الإفتاء فيها، رغم محدودية تكوينه العلمي، وضعف أدواته المنهجية، وعدم امتلاكه الملكة الفقهية اللازمة لفهم النصوص وربطها بسياقاتها ومقاصدها. ومن ثم فإن البيئة الرقمية لا تمنح معرفة أعمق بالضرورة، وإنما قد تمنح إحساسًا مضللًا بالمعرفة يفوق حجم الرصيد العلمي الحقيقي.

مما يفرز تخوفًا من تنامي الارتباط بين الجيل الرقمي والمعلومة الدينية، حدَّ الإدمان على التدين الرقمي، الذي يضعف القيمة الجمالية الروحية، ليتشكل الوعي وفق صورة نمطية رقمية افتراضية يصعب تركيبها واقعيًا، لانتفاء المؤثرات المرئية والسمعية، وفقدان العمق الروحي الأخلاقي الميداني الواقعي المكتسب من مخالطة الناس ومعاشرتهم، نظرًا لمعايشة تدين مثالي افتراضي خالٍ من المباشرة والاحتكاك الواقعي، يسهل فيه تكوين العلاقات وإنهاؤها، ثم استبدالها على نطاق عالمي، ويسهل التفاعل الأدائي غير الواقعي ولا الحقيقي.

فالجيل الرقمي يؤمن ابتداءً بفكرة عالمية أو غربية، ثم يبحث لها عن مسوغ في دينه، لذا تجده يفتي لنفسه بنفسه، فما أعجب به وتقبله لا بد أنه مشروع دينيًا، ومن هنا اتخذ معيار القبول: هواه، فهو المرجعية، لذا تجد حملات دعاة السوق وأتباعهم شرسة على ما يسمونه بالتراث، ومتعاظمة على العلماء والفقهاء وطلبة العلوم الشرعية تحت شعار التجديد.

لكن لا تخلو رقمنة الدين من التأثير على الدين نفسه، لأن استعمالات النص الديني تُوظَّف أكثر فأكثر من قبل أصحابه وأعدائه على حد سواء من أجل أهداف غير دينية، وبالتالي ينعكس ذلك على الممارسات الدينية نفسها وعلى صورة الدين بوجه عام.

 

 

ثالثًا: تحولات المتدين الرقمي في تلقي المعرفة الدينية

هناك مجموعة من العوامل التي تسهم بتغيير علاقة المتلقي بالمعرفة الدينية ومنها:

  1. الانتقال من التلقي إلى التفاعل

شهدت علاقة المتلقي بالمعرفة الدينية تحولًا جوهريًا؛ إذ لم يعد الجمهور الرقمي يكتفي بالتلقي السلبي للمعلومة الدينية، بل أصبح يسعى إلى المشاركة الفاعلة في إنتاج المحتوى الديني ونشره، وإبداء الرأي ومناقشة الفتاوى والمسائل العقدية، وقد يسهم هذا التحول في إحداث تغييرات عميقة في مكانة المرجعيات التقليدية، ممثلةً بالعلماء والمؤسسات الدينية، كما قد تفضي هذه التفاعلات الرقمية إلى زيادة سيولة المعرفة الدينية، وانتشار فوضى الفتاوى، وتراجع الالتزام بالضوابط العلمية والمنهجية، الأخلاقية والعلمية، مما يطرح تحديات جديدة أمام الحفاظ على القيم الروحية، وبناء المعرفة الدينية المتوازنة، فقد أعاد الانتشار العالمي لوسائل التواصل الاجتماعي تشكيل الطريقة التي يتفاعل بها الأفراد مع الدين والممارسات الروحية؛ إذ يستخدم بعض الأفراد منصات التواصل الاجتماعي لاستكشاف الدين، والتعبير عنه، والتواصل من خلال المحتوى الروحي والديني، كما أدى صعود الإعلام الرقمي إلى تنامي التدين الرقمي الذي يهدف البعض من خلاله إلى البحث عن اشكاليات دينية معينة وطرحها للنقاش بعيداً عن المتخصصين في العلوم الدينية بهدف التشكيك ببعض العلوم والآراء الدينية لا لغرض التقويم والنقد البناء وانما بهدف التقليل من أهمية الدين والتشكيك في بعض الآراء والاحكام الدينية.

 

  1. فقدان الحصانة العلمية والتعلُّم الذاتي

يميل البعض من المتدينين الرقميين إلى التعلُّم الذاتي السريع، واكتساب المعلومة بأقصر الطرق، معتمدًا على محركات البحث بوصفها «مفتيًا عالميًا». ويؤدي ذلك إلى انتشار التلقّي غير المنهجي، والتعلُّم الذاتي غير المؤصل بين الشباب، والتجرؤ على الإفتاء دون تأصيل علمي راسخ، وفي هذا الإطار يُشير النص إلى أن عولمة فهم علوم الدين والشريعة، والتعامل معها على أنها سهلة المنال، والخوض فيها من قبل أيّ كان، كما يصرح بذلك كثير من الحداثيين والعلمانيين ومتسلقي مشروع تجديد الخطاب الديني، تمثل سعيًا إلى إقصاء علوم القرآن، وبقية العلوم الدينية الأخرى، والحط من جهود المتخصصين في العلوم الدينية، تحت ذريعة نقد التراث البشري، وانتهاء صلاحيته الزمانية، والاكتفاء بالقرآن مصدرًا، لاستنباطات معاصرة، وعقلنة علوم الشريعة، هذا الطرح يمكن لفكرهم المبسط لعلوم الشريعة، وفق نظرية التسويق الدعائية، من الانتشار بسرعة والتغلغل في صفوف الجيل الرقمي الذي يمتاز بفقدان الحصانة العلمية والفكرية، حيث تدفعهم الثقافة الرقمية نحو استهلاك منتجات السوق الدينية الرقمية دون احتياطات علمية، ولا تكوين في الغالب؛ لأنها سريعة الاستهلاك، وتناسب الرغبات والأمزجة والأذواق والمستويات الثقافية والتعليمية. فالمرغوب فيه من قبل المواطن الرقمي بعدّه الشخص الذي تتحدد هويته بفعل قدرته في التعامل مع التقنيات الرقمية هو تحصيل المعلومة بسرعة واختصار، دون عناء بحث وقراءة وتحليل ومقارنة واستنباط، بثقافة الأطعمة والألبسة الجاهزة وفق الرغبات والأذواق، هذا التدين الرقمي يتماثل في مستويات من الوعي، انطلاقًا من المتابعة للعلماء والدعاة مباشرة للمتابع عبر المواقع للقراءة فقط، لنصل إلى مستوى الاستغناء عن أهل الاختصاص، والاكتفاء بطرح السؤال على محرك البحث أو الذكاء الاصطناعي لتخرج الإجابة الجاهزة، دون الانتباه إلى أصل الفتوى أو الجواب، ولا فهم أن الجواب يحتاج من السائل فهمًا مسبقًا لسؤاله وللغة العلم الباحث فيه، وأن الجواب يجب أن يكون من أهل الاختصاص للمستفتي المعني، من المفتي الذي سيستفسر المستفتي عما يعينه على تصوير الحكم قبل إنزاله على مسألته.

 

  1. النزعة الفردانية

يتمحور التدين الرقمي حول الفرد بدلًا من الجماعة أو المؤسسة، إذ تتشكل الهوية الرقمية المستقلة، مما يؤدي إلى إضعاف التماسك الاجتماعي والشعور بالانتماء للجماعة في الواقع، إن أحد أوجه التعارض الواضحة بين طبيعة المجال الافتراضي وطبيعة التدين الإسلامي، أن العبادات الإسلامية تقوم جميعها تقريبًا على أساس من الاحتكاك والتفاعل المباشر بين أعضاء الجماعة الإيمانية، وعليه فإن مفهوم المشاركة الإنسانية القائم على الاحتكاك المباشر بين الجميع يعد من أهم ملامح الرؤية الإسلامية، فالمجتمع المسلم “جسد واحد” يلفظ الانعزال والانكباب على النفس، وهي الصفات التي تميز، للأسف، المجال الافتراضي وتفاعلاته، إذن فالعلم الديني هو دراسة مقرونة بحلقات وتفاعل مباشر، في إطار عملية متكاملة تتضمن بناء شخصية طالب العلم ليكون أهلًا لتعليمه فيما بعد، وهذا مما يتعارض بدرجة كبيرة مع فلسفة مواقع التواصل الاجتماعي التي تعزل الفرد في قوقعته، وتحصره في إطار كل ما هو افتراضي وغير إنساني.

 

  1. التدين الاستعراضي

أصبحت بعض المناقشات أو طرح الآراء والممارسات الدينية الفردية ذات طابع أدائي، حيث يتم الإعلان عنها ومشاركتها مع (الجمهور/ شبكة الأصدقاء) لتوكيد الذات والحصول على اعتراف الآخرين (التدين الاستعراضي)، والإعلان غير المباشر عن الحالة النفسية، وهو ما أطلق عليه بعض الباحثين: (التدين المراوغ)، الذي ينطوي طرح الآراء والمناقشت بهدف الاستعراض لا البحث عن الحقيقة، بينما السلوك الفعلي اليومي ينطوي على تناقض بين الشكل الطقوسي والإيمان العميق، وبين اللغة الدينية الشعارية والأفعال اليومية التي تتناقض معها، إنه تدين الأقنعة الكاذبة في معظم الأحيان، ومن أبرز مظاهره في العصر الرقمي: سيطرة النزعة الدينية الاستعراضية الرقمية على التدين الرقمي من بعض الجموع الرقمية، لإثبات أنهم الأكثر إيمانًا وتدينًا أو الأكثر ِمعرفةً لامتلاك المعلومة الدينية من الآخرين، وأنهم الأكثر جسارةً في الدفاع عن دينهم أو مذهبهم. تشكل نزعة التدين الاستعراضي الوضعي، والشعبي جزءًا من التدين المراوغ، وتوظيفه في السعي نحو الشهرة والذيوع بين الجموع الرقمية.

 

  1. فقدان العمق الروحي والأخلاقي

تعيش المجتمعات الرقمية، التي تتزايد بشكلٍ مثير، منعطفَ أفول القيم، فلم يعد لهذه المجتمعات أخلاقٌ يحتكمون إليها، إن افتراضية المكان الرقمي جعلت مرتاديه لا يفكرون في عواقب ما ينشرونه من صور أو منشورات، فالصورة مثلًا هي رسالة دومًا، وهي رغبة في تدمير الآخرين أحيانًا، يصور فيها الفرد نفسه كما يتمنى، لا كما هو فعلًا.

لقد خلق لنا مجتمع الصورة علاقاتٍ هشةً مبنيةً على المصالح والنفاق، لقد أضحت محادثات هذه المجتمعات مبنيةً على ترميز التفاهة، أي جعل التافهين رموزًا والاقتصار على الصور التي تم إعدادها مسبقًا، وتم اختيار المكان بعنايةٍ كبيرة، واختيار الإضاءة، وتنقيح شوائب الوجه بتلك التطبيقات الإلكترونية التي جنت ثرواتٍ كبيرة من التفاهة جراء تقديمها لخدماتٍ مغرية لمرتادي العالم الافتراضي، بعد الإعداد المتكلف في صناعة صورةٍ جميلة لا تعكس واقع هؤلاء، يتم تنزيل الصورة الصناعية في العالم الإلكتروني، فتحصد الكثير من الإعجاب المصطنع والعبارات الركيكة والمتكررة.

وتُبين مؤشرات عدد مستخدمي الويب والزمن المستغرق فيها أن الاستهلاك الرقمي في تصاعدٍ متسارع على جميع الأصعدة والمجالات دون استثناء؛ مما يفرز تخوفًا من تنامي الارتباط بين الجيل الرقمي والمصادر الرقمية للمعلومة الدينية حدَّ الإدمان على التدين الرقمي، الذي يضعف القيمة الجمالية الروحية. ليتشكل الوعي وفق صورة نمطية رقمية افتراضية يصعب تركيبها واقعيًا؛ لانتفاء المؤثرات المرئية والسمعية، وفقدان العمق الروحي والأخلاقي الميداني الواقعي المكتسب من مخالطة الناس ومعاشرتهم والصبر عليهم، نظرًا لمعايشة تدين مثالي افتراضي خالٍ من المباشرة والاحتكاك الواقعي، يسهل فيه تكوين العلاقات وإنهاؤها، ثم استبدالها على نطاق عالمي، ويسهل التفاعل الأدائي غير الواقعي ولا الحقيقي.

فوسائل التواصل الاجتماعي الحديثة تعد أحد المتغيرات ذات الفعالية المؤثرة على تماسك البناء القيمي والأيديولوجي لمجتمعات العالم الثالث والعالم الإسلامي؛ فأحيانً لغربية، تُعد العولمة الثقافية أخطر ما أفرزه الغزو الثقافي الغربي؛ فهي تهدد الهوية الدينية والقومية والاجتماعية، وتفكك نسيج العقائد والتقاليد والأعراف؛ حيث تدفع العولمة الثقافية الرقمية الجيل الرقمي نحو فكر عدمي يفقده الثقة في بلوغ اليقين الديني؛ مما يُركِّب لديه فلسفة سفسطائية، تدفعه نحو اللاأدرية، أو العندية، أو العدمية، فيصبح بلا هوية دينية، بعد تخلُّصه من جميع الروابط التربوية والمجتمعية لينتقل إلى الإلحاد.

 

استنتاجات

  1. أسهم التحول الرقمي في إعادة تشكيل أنماط التدين، وانتقاله من المجال التقليدي إلى فضاءات رقمية أكثر انفتاحًا وتفاعلًا.

  2. أدى تدفق المحتوى الديني غير المنضبط إلى زيادة ظاهرة التفسير الفردي للنصوص، وانتشار الفتاوى غير المؤصلة علميًا.

  3. ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في بروز أنماط جديدة من التدين، مثل التدين الاستعراضي، والفرداني، والانتقائي، والهوية الدينية السائلة.

  4. أدت خوارزميات المنصات الرقمية إلى تكوين فقاعات معرفية تعزز القناعات المسبقة وتحد من الانفتاح على الرأي العلمي الرصين.

  5. يواجه الخطاب الديني تحديًا يتمثل في تحقيق التوازن بين متطلبات العصر الرقمي والمحافظة على أصالة المرجعية العلمية والعمق الروحي.

  6. لا يكمن الخطر في التكنولوجيا ذاتها، وإنما في كيفية توظيفها وإدارة المحتوى الديني المتداول عبرها.

 

توصيات

  1. تعزيز الثقافة الرقمية والوعي الإعلامي لدى الجمهور، بما يمكنه من التمييز بين المصادر العلمية الموثوقة والمحتوى غير المنضبط.

  2. إنشاء منصات رقمية متخصصة للإجابة عن الأسئلة الشرعية بإشراف هيئات علمية معتمدة.

  3. تشجيع الدراسات البينية التي تجمع بين علوم الشريعة والإعلام الرقمي والذكاء الاصطناعي وعلم الاجتماع لفهم التحولات الدينية المعاصرة.

  4. توجيه المؤسسات التعليمية إلى إدراج مقررات في التربية الإعلامية والرقمية، مع التركيز على أخلاقيات استخدام وسائل التواصل الاجتماعي.

  5. تعزيز قيم الحوار والاعتدال، والحد من ظواهر التطرف والاستقطاب والجدل غير المنضبط في الفضاء الرقمي.

  6. دعم المبادرات التي توظف التقنيات الرقمية في خدمة المقاصد الشرعية، وتنمية الوعي الديني الرشيد، وترسيخ القيم الأخلاقية والإنسانية.

 

خاتمة

أحدثت الثورة الرقمية تحولات عميقة في بنية التدين المعاصر، فلم تعد وسائل الإعلام الرقمي مجرد أدوات لنقل المعرفة الدينية، بل أصبحت فضاءات فاعلة في إنتاج الخطاب الديني وإعادة تشكيل الوعي والهوية الدينية. وقد أتاح هذا التحول فرصًا واسعة لنشر المعرفة الشرعية، إلا أنه في المقابل أوجد تحديات معرفية وأخلاقية ومنهجية، تمثلت في انتشار الفتاوى غير المنضبطة، وتجزئة المعرفة الدينية، وصعود التدين الاستعراضي والفرداني، فضلًا عن تشكل هويات دينية سائلة تتأثر بخوارزميات المنصات الرقمية أكثر من تأثرها بالمؤسسات العلمية الرصينة.

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى