بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
ليست كل القصص القرآنية حكايات عن الماضي، فبعضها يشبه المرايا التي ترى فيها المجتمعات صورتها كلما دخلت زمنًا مضطربًا، ومن أكثر هذه القصص حضورًا في واقعنا الإنساني قصة الرجل الذي جاء “من أقصى المدينة يسعى”، ذلك الإنسان الذي لم يكن نبيًا ولا صاحب سلطان، لكنه امتلك شيئًا أخطر من السلطة: الضمير الحي.
في سورة يس لا يذكر القرآن اسمه، وكأن الرسالة تريد أن تقول إن البطولة الأخلاقية ليست حكرًا على الأسماء الكبيرة، بل يمكن أن يولدها أي إنسان حين ينتصر للحق في لحظة خوف جماعي، لقد كانت المدينة مليئة بالرفض والعناد، وكان الرسل الثلاثة يواجهون التكذيب، ومع ذلك لم يقل هذا الرجل: “هناك رسل يتكلمون، وما حاجتهم إليّ؟” بل شعر أن وجود الحق يفرض عليه مسؤولية لا تسمح له بالصمت.
وهنا تتجلى أعظم معاني التكليف، فالإيمان في الرؤية القرآنية ليس مجرد اقتناع داخلي، بل استعداد لتحمل مسؤولية الموقف، ولذلك خرج الرجل من “أقصى المدينة”، وهي عبارة تحمل معنى رمزيًا عميقًا، فكثيرًا ما يبدأ الإصلاح من الأطراف البعيدة عن مراكز النفوذ، من إنسان بسيط لا يملك سوى صدقه، لكنه يمتلك شجاعة الكلمة حين يصمت الجميع.
لقد كان يدرك أن الطريق قد ينتهي بالموت، ومع ذلك قالها واضحة: ﴿إِنِّي آمَنتُ بِرَبِّكُمْ فَاسْمَعُونِ﴾ لم يناور، ولم يبحث عن منطقة رمادية، ولم يخفِ موقفه خوفًا من الناس، وحين يقرأ الإنسان السياق يشعر أن القرآن حذف عمدًا مشهد العذاب الذي تعرّض له هذا المؤمن، لينقلنا مباشرة إلى أعظم لحظة في القصة: ﴿قِيلَ ادْخُلِ الْجَنَّةَ﴾…
إنها مكافأة إلهية مذهلة في سرعتها وعمقها، فبين كلمة الإيمان ودخول الجنة لا يذكر القرآن شيئًا، وكأن الله أراد أن يقول إن الألم الذي يتحمله أصحاب المواقف الصادقة لا يضيع، وأن المسافة بين التضحية والرحمة الإلهية أقصر مما يظن البشر.
ومن ألطف ما توقف عنده أهل التفسير في قصة مؤمن يس أن هذا الرجل لم تتغير روحه حتى بعد الموت، فقد كان قلبه ممتلئًا بالرحمة في حياته وبقي كذلك بعد استشهاده، لقد دعا قومه حيًّا وهو يواجه تهديدهم وغضبهم قائلاً: ﴿اتَّبِعُوا الْمُرْسَلِينَ﴾، فلم يكن همه أن ينتصر لنفسه أو يثبت تفوقه عليهم، بل كان يريد إنقاذهم من الضلال والهلاك، ثم لما قُتل – على ما ذكره أكثر المفسرين – وبُشّر بالجنة لم يتحول إلى إنسان حاقد يتمنى الانتقام ممن آذوه، بل خرجت من قلبه أرقّ كلمة يمكن أن يقولها مظلوم بعد موته: ﴿يَا لَيْتَ قَوْمِي يَعْلَمُونَ بِمَا غَفَرَ لِي رَبِّي وَجَعَلَنِي مِنَ الْمُكْرَمِينَ﴾، فكأن الجنة لم تنزع من قلبه همَّ الناس، بل زادته رحمةً بهم وشفقةً عليهم، وهذه من أعظم الصور الأخلاقية في القصص القرآني، إذ إن الرجل نسي ألم القتل ولم ينسَ هداية قومه، وكأن القرآن يريد أن يربي الإنسان على أن الإيمان الحقيقي لا يصنع قلبًا قاسيًا حتى مع الخصوم، بل يصنع روحًا تتمنى الخير للناس مهما أساؤوا إليها، ولهذا بقي مؤمن يس خالدًا في الوجدان القرآني لا لأنه قُتل فقط، بل لأنه قدّم نموذج الإنسان الذي انتصر على الكراهية، فكان داعيةً إلى الحق حيًّا، وشفيعَ رحمةٍ لقومه ميتًا.
إنها ذروة الصفاء الأخلاقي، فحتى بعد الظلم والقتل لم يتمنَّ هلاك قومه، بل تمنى هدايتهم، لم يكن يحمل روح الثأر، بل روح الإنقاذ، وكأن القرآن يريد أن يربّي الإنسان على أن الغاية من الدعوة ليست الانتصار على الناس، بل إنقاذهم من أنفسهم.
هذه الآية لا تمنح الإنسان وعدًا أخرويًا فقط، بل تمنحه طمأنينة أخلاقية، فالمؤمن الحقيقي قد يُهزم ظاهريًا، وقد يخسر حياته أو مكانته، لكنه في الميزان الإلهي منتصر لأنه لم يبع ضميره، ولهذا كانت الجنة هنا ليست مجرد ثواب بعد الموت، بل إعلانًا قرآنيًا عن قيمة الإنسان الذي يدفع ثمن الحقيقة.
ومن هنا تبدأ القيمة الكبرى للقصة في الواقع العراقي
فالعراق بلد مثقل بالذاكرة، ذاكرة الحروب، والطائفية، والاقتتال، والانتقام، والانقسامات السياسية والاجتماعية، وكل جماعة تحمل جراحها الخاصة، حتى صار الماضي أحيانًا سجنًا يمنع الناس من بناء المستقبل، وفي وسط هذا الإرث المتعب تصبح قصة مؤمن يس درسًا عميقًا في كيفية تجاوز الأحقاد.
إن هذا المؤمن لم يسمح للأذى أن يحوّل قلبه إلى خزان للكراهية، بل بقي يفكر في هداية الناس حتى بعد موته، وهذه الفكرة لو تحولت إلى ثقافة مجتمعية في العراق فإنها تستطيع أن تغيّر كثيرًا من أشكال الخطاب الديني والسياسي والاجتماعي.
فنحن بحاجةإلى خطاب يقول:
-
إن الإصلاح لا يعني الانتقام.
-
إن الاختلاف لا يعني الكراهية.
-
إن الإنسان يستطيع أن يتمسك بمظلوميته دون أن يتحول إلى مشروع ثأر دائم.
-
إن أعظم انتصار أخلاقي هو أن ترغب في هداية خصمك لا في تدميره.
إن أخطر ما يصيب المجتمعات الخارجة من الصراعات هو أن تتحول الذاكرة إلى وقود دائم للكراهية، أما القرآن فيقدّم نموذجًا آخر، نموذج الإنسان الذي ذاق الظلم لكنه بقي يحمل قلبًا رحيمًا، ولهذا فإن استثمار قصة مؤمن يس في العراق لا ينبغي أن يكون فقط في تمجيد التضحية، بل في صناعة ثقافة التسامح والوعي.
فالقصة تعلمنا أن:
-
الشجاعة ليست في حمل السلاح فقط، بل في القدرة على إطفاء الحقد.
-
أن التدين الحقيقي ليس كثرة الشعارات، بل سلامة القلب.
-
أن الدعوة إلى الله لا تكون بإلغاء الناس، بل بمحاولة هدايتهم مهما ابتعدوا.
ولهذا يمكن للخطاب الديني والتربوي والإعلامي في العراق أن يستثمر هذه القصة لبناء جيل جديد يرى أن قوة الإنسان ليست في مقدار ما يكرهه، بل في مقدار ما يستطيع أن يحافظ على إنسانيته وسط الألم.
إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى إعادة إعمار المدن، بل إلى إعادة إعمار النفوس، لأن الخراب الحقيقي يبدأ حين يفقد الإنسان رغبته في فهم الآخر أو مسامحته، ومن هنا تبدو كلمات مؤمن يس وكأنها رسالة عابرة للعصور إلى كل مجتمع أنهكته الصراعات.
“لا تجعلوا الجراح سببًا لفقدان الرحمة”
لقد دخل الرجل الجنة لأنه لم يبع إيمانه، لكنه خُلّد في القرآن لأنه لم يفقد قلبه، وهذه ربما أعظم رسالة يمكن أن يحتاجها العراقيون اليوم، أن الإنسان يستطيع أن يكون صاحب قضية، وصاحب جرح، وصاحب موقف… ومع ذلك يبقى حاملًا للرغبة في هداية الناس لا في تحطيمهم.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى