“فلا تحاكم حياتك كلها في ليلة واحدة، ولا تجعل شعوراً عابراً حكماً دائماً، ولا تسمح لفكرة ولدت في لحظة إنهاك أن تكتب وحدها مستقبلاً كاملاً، قد لا تحتاج في بعض الليالي إلى إجابة جديدة، بقدر ما تحتاج إلى الراحة، وإلى نظرة أهدأ، وإلى صباح يمنحك فرصة لرؤية الأشياء من زاوية أخرى“.
بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
حين يهدأ العالم ولا يهدأ العقل
ثمة شيء يتغير في علاقتنا بأفكارنا حين يتقدم الليل، ويهدأ ضجيج الحياة، ويغيب الناس إلى أسرّتهم، وتخفت الحركة من حولنا، عندها، قد نجد أنفسنا نستعيد مواقف مضت، ونراجع كلمات قيلت لنا، ونستحضر أخطاء ارتكبناها، ونفكر في مستقبل لا نعرف ما الذي ينتظرنا فيه، وقد تتحول مشكلة صغيرة إلى قضية تشغل العقل ساعات طويلة، أو يبدو خلاف عابر وكأنه دليل على انهيار علاقة، أو يصبح قرار مؤجل مصدراً لقلق لا ينتهي.
في تلك الساعات، لا يتغير العالم بالضرورة، لكن الطريقة التي نراه بها قد تتغير، فما كان ممكناً تجاوزه في النهار قد يبدو في الليل مؤلماً، وما كنا نراه احتمالاً من بين احتمالات قد يتحول إلى حقيقة مؤكدة في أذهاننا، وما كنا نستطيع التعامل معه بهدوء قد يصبح عبئاً نفسياً يصعب التخلص منه.
ومن هنا تأتي فكرة “العقل بعد منتصف الليل“، لا بوصفها اعتقاداً بأن الإنسان يصبح شخصاً آخر بمجرد أن تدق الساعة الثانية عشرة، بل بوصفها محاولة لفهم ما يحدث لأفكارنا ومشاعرنا حين نجمع بين السهر والتعب والهدوء الخارجي والانشغال الداخلي.
وقد تناولت دراسة علمية بعنوان “The Mind After Midnight”، نشرها Tubbs وزملاؤه عام2022، العلاقة بين اليقظة الليلية والتغيرات المحتملة في الانفعالات والسلوك واتخاذ القرار، وتقدم هذه الدراسة مدخلاً لفهم الموضوع، مع ضرورة الانتباه إلى أن تأثير الليل يختلف بين الأشخاص، وأن الحرمان من النوم والظروف النفسية المحيطة به يؤديان دوراً مهماً في التجربة.
إن السؤال الذي يستحق التأمل ليس: لماذا يكون الليل سيئاً؟ بل: لماذا قد يصبح الإنسان، في بعض ساعات الليل، أكثر انشغالاً بمخاوفه، وأقل قدرة على تجاوز أفكاره، وأكثر ميلاً إلى اتخاذ مواقف حاسمة وهو في حالة من التعب والانفعال؟
لماذا تبدو المشكلات أكبر في الليل؟
من التجارب الشائعة أن يحمل الإنسان هموم يومه معه إلى السرير، ثم يجد نفسه يعيد التفكير فيها بعد أن ينتهي كل شيء، قد يتذكر نقاشاً في العمل، أو كلمة شعر أنها انتقاص من قيمته، أو موقفاً لم يحسن التصرف فيه، أو مشكلة أسرية لم يجد لها حلاً، ويبدأ في إعادة بناء الحدث وتفسيره، ثم ينتقل من السؤال عما حدث إلى التفكير في معانيه واحتمالاته ونتائجه.
وقد تستمر هذه العملية لأن الليل يوفر مساحة أكبر للأفكار الداخلية، بعدما تقل المشتتات التي كانت تشغل الإنسان خلال النهار؛ لكن الهدوء وحده لا يفسر كل شيء؛ فالتعب والقلق والضغوط المتراكمة قد تجعل الانتقال من فكرة إلى أخرى أكثر صعوبة، وتزيد الميل إلى تكرار الموقف نفسه دون الوصول إلى نتيجة جديدة.
وهنا ينبغي التمييز بين التفكير الذي يساعدنا على حل المشكلات، والتفكير الذي يرهقنا من دون فائدة، فالتفكير المفيد يقود إلى فهم أو قرار أو خطوة عملية، أما التفكير المتكرر فقد يجعلنا ندور حول السؤال ذاته: لماذا حدث هذا؟ ماذا لو تصرفت بطريقة مختلفة؟ هل كان يقصد إيذائي؟ ماذا سيحدث إذا تكرر الأمر؟
ومع كل إعادة للموقف، قد نضيف إليه تفسيراً جديداً أو احتمالاً سلبياً، حتى نصل إلى نتيجة تبدو لنا مقنعة، رغم أننا لم نحصل على أي معلومة جديدة، وهذا ما يعرف في علم النفس بالاجترار الفكري؛ أي تكرار الأفكار والمشاعر المزعجة دون تقدم حقيقي نحو الحل.
ولنتأمل شخصاً تأخر صديقه في الرد على رسالة أرسلها إليه، قد يفسر الأمر في البداية بأنه انشغال عابر، لكنه إذا استمر في التفكير ليلاً فقد يبدأ في التساؤل عما إذا كانت العلاقة قد تغيرت، ثم يستعيد مواقف سابقة، ويبحث فيها عما يؤيد شكوكه، حتى ينتهي إلى الاعتقاد بأنه لم يعد مهماً لدى صديقه، وربما يكتشف في اليوم التالي أن الأمر لم يتجاوز الانشغال أو التعب.

المشكلة هنا ليست في التفكير بالموقف، بل في تحويل احتمال واحد إلى حقيقة نهائية، ثم بناء سلسلة من المشاعر والأحكام عليه.
وقد وجدت مراجعة علمية واسعة حول فقدان النوم والانفعالات أن نقص النوم يرتبط بتغيرات في الحالة الانفعالية، منها انخفاض المشاعر الإيجابية وزيادة أعراض القلق، وهذا يساعد على فهم سبب شعور بعض الناس بأن المشكلات تصبح أثقل عندما يكونون مرهقين، من دون أن يعني أن كل فكرة ليلية خاطئة أو أن كل شخص يسهر سيعاني هذه الحالة.
لذلك، من المفيد أن نسأل أنفسنا حين تتكرر الأفكار المزعجة: هل أبحث فعلاً عن حل، أم أنني أعيد معاناة المشكلة؟ وهل ظهرت معلومات جديدة تستدعي التفكير، أم أنني أكرر التفسيرات نفسها لأنني لا أستطيع التوقف؟
أحياناً، لا تكون المشكلة في حجم الحدث وحده، بل في المساحة التي يحتلها داخل أذهاننا.
لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى