قراءة في الرسائل السلبية التي يحملها فيديو الجوبي في إحدى حفلات الزفاف
بقلم: الباحثة إسراء محمود الدليمي
ليست المشكلة دائماً فيما يحدث أمام الكاميرا، بل في الرسالة التي تصل إلى من يشاهد الصورة، وهذا تحديداً ما يجعل الفيديو المتداول من إحدى حفلات الزفاف في المنطقة الغربية من العراق جديراً بالتوقف والتأمل؛ فالمشهد لا يكتفي بعرض رقصة الجوبي الشعبية، وإنما يحوّل محاكاة ذبح المواطنين وإسقاطهم أرضاً إلى جزء من مشهد احتفالي تتخلله الموسيقى والرقص والفرح، وهنا تظهر المفارقة الصادمة: كيف يمكن أن تتحول صورة القتل إلى جزء من طقوس الاحتفال؟
إن القضية هنا لا تتعلق بالجوبي بوصفها رقصة شعبية عراقية متجذرة في المناسبات والأعراس، وإنما بالمضمون الذي أُدخل عليها، وبالرسائل التي يمكن أن يحملها هذا المضمون إلى المتلقي، ولا سيما الأطفال والشباب.
أولى الرسائل السلبية التي يمكن أن يبعث بها هذا المشهد هي تطبيع صورة القتل والعنف، فالقتل في الوعي الإنساني فعل صادم ومرفوض، وصورة الذبح يفترض أن تستدعي الخوف والألم والتعاطف مع الضحية، لكن عندما توضع هذه الصورة داخل أجواء موسيقية احتفالية، ويحيط بها أشخاص يرقصون ويتفاعلون معها، فإنها تفقد شيئاً من سياقها الأخلاقي والإنساني، ومع التكرار، يمكن أن تصبح صورة العنف أقل إثارة للرفض وأكثر قابلية للمشاهدة، وكأن الرسالة غير المباشرة تقول إن القتل يمكن أن يتحول إلى مشهد للفرجة.
والرسالة الثانية هي تحويل الضحية إلى مادة للترفيه، ففي المشهد التمثيلي هناك شخص يؤدي دور الضحية، وآخرون يؤدون أدوار المعتدين، بينما يستمر الاحتفال من حولهم، وهنا يحدث خلل في الصورة الإنسانية؛ فالضحية التي يفترض أن تستدعي التعاطف تتحول إلى أداة لإثارة الحماس وإكمال العرض، وهذا يضعف قيمة أساسية في بناء الإنسان والمجتمع، وهي التعاطف مع الألم الإنساني ورفض إذلال الآخر، حتى عندما يكون المشهد تمثيلاً.
أما الرسالة الثالثة فتتعلق بربط القوة بالعنف والغلبة، فحين تقدم عملية إخضاع الآخر وإسقاطه وذبحه ضمن سياق احتفالي، فقد يقرأها بعض المتلقين بوصفها صورة للقوة والرجولة والانتصار، وهنا تكمن المشكلة في انتقال الرمز من مجرد محاكاة للعنف إلى منحه قيمة إيجابية أو بطولية. فالرسالة التي ينبغي أن تصل إلى الأجيال هي أن القوة في حماية الإنسان وصيانة الكرامة، لا في إخضاع الآخر أو إذلاله أو القضاء عليه.
وتزداد خطورة الأمر عندما يكون الأطفال جزءاً من المشهد، فالطفل لا يملك دائماً القدرة على تفكيك الرموز وفهم الفرق بين التمثيل والواقع بالطريقة التي يفهمها البالغ، وقد يرى أن مشهد الجلاد والضحية والذبح يمكن أن يكون جزءاً من لعبة أو احتفال، وأن تمثيل العنف يمكن أن يكون مصدراً للمتعة والضحك والتفاعل الاجتماعي، وهنا لا تكمن المشكلة في أن الطفل شاهد مشهداً تمثيلياً واحداً فحسب، وإنما في الرسالة الثقافية التي قد تتراكم لديه مع تكرار مثل هذه الصور.

والأخطر من ذلك أن المشهد قد يسهم في نقل العنف من الذاكرة إلى الاحتفال؛ فالعراق مجتمع عاش عقوداً طويلة من الحروب والإرهـ ـاب والقتل والتهجير، ومن الطبيعي أن تبقى صور تلك المرحلة حاضرة في الذاكرة الجمعية، لكن هناك فرقاً كبيراً بين أن يتذكر المجتمع العنف بوصفه مأساة يجب ألا تتكرر، وبين أن يعيد إنتاج صورته في مناسبات الفرح بوصفها مادة للترفيه، في الحالة الأولى تصبح الذاكرة درساً، وفي الثانية يمكن أن تتحول المأساة تدريجياً إلى مشهد مألوف فاقد لقدرته على الصدمة.
كما أن الفيديو يبعث برسالة سلبية تتعلق بصورة المنطقة والمجتمع، فالمتلقي خارج المنطقة قد لا يعرف شيئاً عن تاريخها وثقافتها وتقاليدها، وقد لا يرى سوى بضعة دقائق من الفيديو، وعندما تختزل ثقافة منطقة بأكملها في مشهد يحاكي الذبح والقتل، فإن الصورة النمطية تكون أسرع من التفسير. وتزداد المشكلة مع وسائل التواصل الاجتماعي؛ لأن المشهد الذي كان يمكن أن يبقى محدوداً داخل حفلة يتحول بمجرد تصويره ونشره إلى مادة قابلة للمشاهدة من آلاف أو ملايين الأشخاص. وغالباً ما تصل الصورة الصادمة أسرع من سياقها، فيصبح الفيديو قابلاً للتأويل والسخرية والتعميم، وقد يُستخدم لتكريس صورة سلبية عن جماعة أو منطقة بأكملها. وهكذا لا يعود أصحاب المشهد وحدهم من يصنعون رسالته، بل تشارك المنصات الرقمية والجمهور في إعادة إنتاجها وتفسيرها.
ولعل أخطر رسالة يمكن أن يتركها مثل هذا الفيديو هي إضعاف الحساسية الأخلاقية تجاه العنف، فالمشكلة ليست فقط في أن نرى مشهد قتل تمثيلي، وإنما في أن يصبح المشهد مألوفاً إلى درجة لا يعود معها الإنسان يشعر بالتناقض بين صورة الذبح وصورة الفرح، أن نرى الضحية تسقط بينما تستمر الموسيقى، وأن نرى الأطفال يؤدون أدواراً مرتبطة بالقتل، وأن يصبح المشهد جزءاً من الاحتفال، ثم نمر عليه باعتباره مجرد فقرة ترفيهية؛ هنا يصبح السؤال أعمق من سؤال: هل كان القتل حقيقياً أم تمثيلاً؟ السؤال الحقيقي هو: ماذا يحدث في وعينا عندما يصبح تمثيل القتل جزءاً من الفرح؟
إن المجتمع الذي يريد أن يتجاوز سنوات العنف لا يكفيه أن يتوقف عن ممارسة العنف، بل يحتاج أيضاً إلى مراجعة الصور والرموز والخطابات التي تعيد إنتاج العنف في الوعي، فالمطلوب أن تكون مناسبات الفرح مساحة للاحتفاء بالحياة، لا لاستحضار القتل بوصفه مشهداً مثيراً. وأن يتعلم الطفل أن القوة في حماية الآخر، وأن الرجولة في حفظ الكرامة، وأن الضحية ليست مادة للفرجة، وأن الموت ليس رقصة.
ولهذا فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه هذا الفيديو ليس: منطقة غربية أم غيرها؟ ولا جوبي أم غيرها؟ بل سؤال أكثر عمقاً: ما الرسالة التي نرسلها إلى الجيل القادم عندما نجعل من صورة الذبح جزءاً من احتفال بالحياة؟
إن خطورة المشهد لا تكمن فقط في مضمونه المباشر، وإنما في إمكانية أن يجعل العنف أقل غرابة، والضحية أقل حضوراً، والقتل أقل صدمة، ويحوّل ما كان ينبغي أن يكون جرحاً في الذاكرة إلى مادة للفرجة. ومن هنا فإن رفض هذه الرسالة ليس رفضاً للتراث، وإنما هو دفاع عن المعنى الإنساني للفرح، وعن حق الأجيال الجديدة في أن تتعلم أن الحياة تُحتفل بها، وأن العنف يُرفض، لا أن يُرقص على صورته.
خاتمة
المشكلة ليست في الجوبي… بل في الرسالة
علينا أن نكون منصفين في قراءة هذا الفيديو، فالجوبي تراث شعبي عراقي، وله حضور واسع في الأعراس والمناسبات، ولا ينبغي اختزال هذا التراث في مشهد واحد أو ربطه بالعنف، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي استخدام كلمة “تراث” لإعفاء أي ممارسة من النقد، “التراث ليس حصانة أخلاقي”.
ما نحتاج إلى مناقشته هو الرسالة التي يقدمها هذا النوع من المشاهد:
-
هل نريد أن يتعلم أطفالنا أن العنف مادة للترفيه؟
-
هل نريد أن تصبح صورة الذبح أقل صدمة؟
-
هل نريد أن ترتبط الرجولة بإذلال الآخر؟
-
هل نريد أن تتحول الضحية إلى جزء من الفرجة؟
-
هل نريد أن تختزل مناطق عراقية كاملة في صور العنف؟
-
وهل نريد أن تنتقل ذاكرة الإرهـ ـاب من كونها جرحاً نحذر من تكراره إلى مشهد نحتفل بإعادة تمثيله؟
إن رفض هذه الرسائل لا يعني رفض ثقافة المنطقة، ولا مهاجمة الجوبي، ولا اتهام أهلها.
بل يعني ببساطة أن نقول: نحن نحترم التراث، لكننا لا نريد أن نورث العنف لأطفالنا بوصفه فناً، ولا أن نورثهم صورة الجلاد بوصفها بطولة، ولا أن نجعل من معاناة الضحية مشهداً للفرح، فالمجتمع الذي يريد أن يتجاوز سنوات العنف لا يكفيه أن يتوقف عن ممارسة العنف؛ بل عليه أيضاً أن يتوقف عن الاحتفال بصوره.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى