إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
تكشف المجتمعات التي تعيش تحت وطأة الأزمات الممتدة والتحولات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية عن تغيرات عميقة في منظومة العلاقات والقيم التي تنظم سلوك أفرادها وجماعاتها، فالأزمات المتراكمة لا تقتصر آثارها على إضعاف القدرة على إشباع الحاجات الأساسية، وإنما تمتد إلى إعادة تشكيل أنماط التفاعل الاجتماعي، ومعايير التقدير والاعتراف، وحدود المسؤولية المتبادلة بين الأفراد والجماعات، وفي ظل استمرار الضغوط، قد تتراجع قيم التضامن والتكافل والوفاء، ويظهر في مقابلها سلوك اجتماعي يتمثل في نكران الجميل ومقابلة المعروف بالإساءة، ولا يمكن النظر إلى هذا السلوك بوصفه مجرد خلل أخلاقي فردي، بل يمكن فهمه باعتباره مؤشراً على اضطراب في منظومة التبادل الاجتماعي، حين يقدم طرف ما الدعم والمساندة والتضحية في لحظة الحاجة، ثم لا يجد في المقابل اعترافاً بما قدمه، بل قد يواجه بالتجاهل أو الجحود أو حتى الإساءة.
ومن منظور اجتماعي، يرتبط نكران الجميل بالمجال الذي تُنتج فيه العلاقات الاجتماعية وتُعاد صياغتها. فالمجتمع الذي يعاني بصورة مستمرة من الفقر والحرمان وعدم الاستقرار والصدمات المتكررة قد يشهد تحولاً تدريجياً من منطق التضامن والتبادل المتبادل إلى منطق أكثر نفعية، تصبح فيه المصلحة المباشرة معياراً أساسياً لتقييم العلاقات، ومع اشتداد الأزمات ينصرف جزء كبير من اهتمام الأفراد والجماعات إلى إدارة الحاضر وتأمين الاحتياجات العاجلة، الأمر الذي قد يضعف قدرتهم على استحضار التضحيات السابقة، فضلاً عن قدرتهم على التفكير في الاحتياجات والمخاطر المستقبلية.
وتتضح هذه الإشكالية بصورة أكبر عندما يتعلق الأمر بوسائل أو عناصر قوة جرى توظيفها في مرحلة سابقة لحماية المجتمع من خطر وجودي حقيقي، فقد ينظر بعض الأفراد أو الجماعات إلى هذه القوة في اللحظة الراهنة باعتبارها عبئاً أو مشكلة ينبغي التخلص منها، من دون استحضار الظروف التاريخية التي جعلت وجودها ضرورياً، أو تقدير الدور الذي أدته في حماية الأرواح والممتلكات ومنع التهجير والنزوح، وهنا يظهر خلل آخر يتمثل في ضعف الذاكرة الاجتماعية للمخاطر؛ إذ يجري تقييم الحاضر بمعزل عن التجربة السابقة، كما يجري التعامل مع المستقبل باعتباره امتداداً مضموناً للحاضر، رغم أن الظروف الأمنية والاجتماعية قد تتغير بصورة مفاجئة.
ومن هذه الزاوية، يمكن فهم العمى الأخلاقي بوصفه حالة لا تعني غياب المعرفة بالوقائع بالضرورة، وإنما تشير إلى تراجع القدرة على إدراك دلالاتها الأخلاقية والاجتماعية وربطها بعواقبها المستقبلية، فقد يكون الفرد أو الجماعة على معرفة بالتضحيات التي قدمها الآخرون، وبالدور الذي أدته بعض الوسائل في حماية المجتمع خلال مرحلة معينة، ومع ذلك يعجز عن استحضار هذه المعرفة عند اتخاذ موقفه في الحاضر، ويصبح الخلل هنا ليس في امتلاك المعلومات، وإنما في كيفية تفسيرها وإدماجها في الحكم الأخلاقي على الواقع.
ويتخذ العمى الأخلاقي بعداً أكثر تعقيداً عندما يضعف التفكير في المستقبل، فالمجتمع الذي ينظر إلى عناصر الحماية التي يمتلكها باعتبارها غير ضرورية لمجرد أن مستوى الخطر قد انخفض في الوقت الراهن، قد يغفل احتمال عودة التهديدات في أشكال جديدة، ومن ثم فإن إضعاف عناصر القوة أو التفريط بها دون بناء بدائل فاعلة للحماية قد يعكس قصوراً في استشراف المخاطر المستقبلية، ولا تكمن المشكلة في تبني موقف مؤيد أو معارض لوسيلة معينة، وإنما في تجاهل السؤال الأهم:
ماذا سيحدث إذا تغيرت الظروف، وعاد المجتمع إلى مواجهة التهديدات التي سبق أن عانى منها؟
فعندما يعيش الإنسان داخل مجتمع أو إقليم تتقاطع فيه جماعات متعددة، وبعضها لا يزال يحتفظ بعناصر قوة وينتظر الفرصة للسيطرة على المجتمع، والأخرى تمتلك عناصر قوة وظفتها في مراحل سابقة للدفاع عن نفسها وعن محيطها، فإن مطالبة الأخيرة بالتخلي عن تلك القوة دون مراعاة للجانب التاريخي الذي نشأت فيه، أو للوظائف التي أدتها، قد تكشف عن حالة من العمى الأخلاقي والتبلد الاجتماعي، فالقوة التي جرى توظيفها في لحظة تاريخية لحماية الأرض وصون الأرواح والدفاع عن الجماعات المهددة لا يمكن النظر إليها بمعزل عن التضحيات التي قدمت في سبيلها، ولا عن الظروف التي جعلت استخدامها ضرورة في حينها.
وتزداد المفارقة الأخلاقية عندما تكون الجماعة التي قدمت التضحيات قد دفعت ثمناً باهظاً من أبنائها ومواردها دفاعاً عن منطقة جغرافية أو مجتمع لم يكن الانتماء إليها قائماً بالضرورة على أساس مصلحي مباشر، وإنما انطلاقاً من اعتبارات التضامن والمسؤولية الإنسانية والجوار، ففي مثل هذه الحالات، يصبح تجاهل تلك التضحيات أو إنكارها نوعاً من مصادرة الذاكرة الاجتماعية للمعروف، ويعكس اختلالاً في آليات الاعتراف المتبادل التي تقوم عليها العلاقات بين الجماعات.
وتتجلى صورة أكثر حدة من هذا الخلل عندما تتحول الجماعة التي كانت في مرحلة سابقة بحاجة إلى الحماية والمساندة إلى طرف يطالب اليوم بنزع الوسيلة التي أسهمت في حمايتها، من دون تقديم بديل يضمن الأمن والاستقرار في ظل استمرار المخاطر والتهديدات، فالمشكلة هنا لا تتعلق بالقوة أو السلاح في حد ذاتهما بقدر ما تتعلق بالمعنى الاجتماعي الذي تحمله عملية نزع وسيلة الحماية بعد أن أدت وظيفة دفاعية في مرحلة سابقة، وبمدى قدرة المجتمع على استحضار ذاكرته الجماعية عند اتخاذ القرارات التي تمس أمنه ومستقبله.
كما أن المطالبة بالتخلي عن عناصر القوة أو الحماية في بيئة ما تزال تشهد تهديدات أمنية محتملة، من دون بناء منظومة بديلة قادرة على توفير الحماية، يمكن أن تُفهم اجتماعياً بوصفها انفصالاً بين الخطاب الأخلاقي والواقع الاجتماعي، فالمبادئ الأخلاقية لا تُقاس فقط بالنوايا المعلنة، وإنما أيضاً بقدرتها على حماية الإنسان وصون كرامته ومنع تكرار المآسي التي عاشها، ولذلك فإن أي نقاش حول القوة أو وسائل الحماية ينبغي أن يأخذ في الاعتبار ذاكرة المجتمع، وحجم التضحيات السابقة، وطبيعة المخاطر القائمة، والبدائل التي يمكن أن تضمن الأمن والاستقرار.
كما أن أخطر ما يمكن أن تنتجه هذه الحالة هو اضطراب البوصلة الأخلاقية للقوى السياسية أو للمجتمع؛ فعندما يصبح من قدّم المعروف هو موضع اللوم، ومن استفاد منه هو من ينكره، تتعرض منظومة القيم الاجتماعية لاختلال في معاييرها، وقد يؤدي ذلك إلى إضعاف قيم الوفاء والاعتراف والتضامن، وإحلال منطق المصلحة الآنية محل الذاكرة الأخلاقية والمسؤولية المتبادلة.

وفي هذا المجال يصبح نكران الجميل والدفع للتفريط بالقوة التي أسهمت في صد قوى الإرهـ ـاب والتكفير أكثر من مجرد عدم الاعتراف بمساعدة سابقة؛ إذ قد يتحول إلى إعادة تفسير انتقائية للذاكرة الجماعية، يجري فيها استحضار التضحيات عندما تكون الحاجة إليها قائمة، ثم تهميشها أو إنكارها والمطالبة بالتخلي عنها بعد الاعتقاد او التوهّم بزوال الخطر رغم وجود احتمالات عودته، وهذا النمط من التعامل يضعف مبدأ المعاملة بالمثل، الذي يمثل أحد الأسس المهمة لاستمرار الثقة والتعاون داخل الجماعات والمجتمعات، فعندما يشعر الطرف الذي قدم التضحية بأن ما قدمه أصبح منسياً أو جرى التقليل من قيمته، فقد يعيد النظر في استعداده لتقديم التضحيات مستقبلاً.
وفي هذه الحالة قد تتحول المساعدة من فعل تضامني يحمل قيمة أخلاقية إلى مجرد مورد يُستفاد منه عند الحاجة، ثم يُنسى بمجرد انتهاء الحاجة، وهنا تنتقل العلاقة من منطق الثقة والاعتراف والتبادل إلى منطق المنفعة والمصلحة الآنية.
وهذا التحول يحمل آثاراً اجتماعية تتجاوز العلاقة بين الطرفين؛ لأنه يؤثر في الثقة الاجتماعية ورأس المال الاجتماعي والاستعداد للتضامن في المستقبل، فإذا أصبحت الخبرة المتكررة للأفراد والجماعات تشير إلى أن التضحية قد تُقابل بالجحود، فإن العقل الجمعي قد يتجه تدريجياً نحو تقليل الاستثمار في العلاقات التضامنية، وتفضيل حماية المصالح الذاتية، والاحتفاظ بعناصر القوة والموارد الخاصة تحسباً للحاجة المستقبلية، وبذلك يتحول نكران الجميل من سلوك موجه إلى الماضي إلى عامل يعيد تشكيل السلوك الاجتماعي تجاه المستقبل.
ومن هنا، فإن الخطر الحقيقي للعمى الأخلاقي لا يتمثل فقط في تجاهل ما حدث، وإنما في عدم التعلم من التجربة السابقة وعدم تحويل الذاكرة الاجتماعية إلى مصدر لاستشراف المستقبل، فالمجتمع الذي ينسى من وقف إلى جانبه في أوقات الخطر قد يفقد تدريجياً قدرته على إنتاج التضامن في الأزمات اللاحقة، أما المجتمع الذي يحافظ على ذاكرته الأخلاقية، ويعترف بالتضحيات، ويوازن بين مقتضيات الحاضر واحتمالات المستقبل، فإنه يكون أكثر قدرة على بناء الثقة وتعزيز التماسك الاجتماعي.
وعليه، فإن معالجة ظاهرة نكران الجميل والحفاظ على القوة التي دحرت قوى الإرهـ ـاب لا ينبغي أن تقتصر على الدعوة الأخلاقية إلى الامتنان، بل تتطلب إعادة بناء ثقافة الاعتراف والوفاء والذاكرة الاجتماعية واستشراف المخاطر، فالاعتراف بتضحيات الآخرين ليس مجرد مجاملة أخلاقية، وإنما يمثل آلية لإنتاج الثقة وتعزيز التضامن وحماية العلاقات الاجتماعية من التفكك، كما أن التفكير في المستقبل يقتضي عدم تقييم عناصر الحماية والقوة بمعزل عن الظروف التي أنتجتها، بل دراسة ضرورتها ووظيفتها والبدائل الممكنة لها في ضوء طبيعة المخاطر القائمة والمحتملة.
وفي المحصلة النهائية، يمكن النظر إلى العمى الأخلاقي ونكران الجميل بوصفهما ظاهرتين مترابطتين؛ فالأول يعطل القدرة على رؤية القيمة الأخلاقية للأفعال والتضحيات السابقة وربطها بعواقب المستقبل، بينما يعبر الثاني عن النتيجة الاجتماعية لهذا التعطيل، حين يصبح المعروف منسياً، والتضحية أمراً مفروغاً منه، والحماية السابقة موضع إنكار، ومن ثم فإن استعادة البصيرة الأخلاقية للمجتمع تبدأ من القدرة على قراءة الماضي بإنصاف، وفهم الحاضر بواقعية، واستشراف المستقبل بمسؤولية، بما يضمن ألا تتحول التجارب والتضحيات السابقة إلى مجرد وقائع منسية، بل إلى ذاكرة اجتماعية تؤسس لمزيد من الثقة والتضامن والاستعداد لمواجهة المخاطر القادمة.
ومن هنا يمكن فهم هذه الظاهرة بوصفها أحد مظاهر تآكل رأس المال الاجتماعي؛ فالعلاقات الاجتماعية لا تقوم على المنفعة المادية وحدها، وإنما تحتاج إلى الثقة والاعتراف المتبادل والالتزام والامتنان. وعندما يشيع الاعتقاد بأن المعروف لا يُقابل بالتقدير، وأن التضحية بالآخرين لا تؤدي إلا إلى الاستغلال أو الجحود، يتراجع استعداد الأفراد لمساعدة بعضهم بعضاً، ومع الوقت، يصبح الإنسان أكثر حذراً في تقديم المساعدة، وأكثر ميلاً إلى حماية ذاته ومصالحه، الأمر الذي يضعف شبكات التضامن الاجتماعي ويزيد من عزلة الأفراد.
لذلك فإن استعادة قيم الوفاء والامتنان والتراحم والتعاون ليست مسألة أخلاقية فردية فحسب، بل هي ضرورة اجتماعية لإعادة بناء الثقة ورأس المال الاجتماعي، فالمجتمع الذي يتذكر المعروف ويحفظ لأصحابه مكانتهم هو مجتمع أكثر قدرة على تجاوز الأزمات، لأن أفراده يدركون أن العلاقات الإنسانية لا تقوم على الأخذ وحده، وإنما على التبادل والاعتراف والتكافل.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى