بقلم: د. عذاب محسن الربيعي
وزارة التربية
مقدمة
يُعدّ يوم عاشوراء من أكثر الأيام حضورًا في الوعي الإسلامي، لكنه في الوقت نفسه من أكثر المناسبات التي تعرّضت للتوظيف السياسي والتزييف التاريخي، فبينما ارتبط هذا اليوم عند المسلمين الأحرار بمأساة استشهاد الإمام الحسين بن علي وأهل بيته وأصحابه في كربلاء سنة 61 هـ، عملت السلطة الأموية على إعادة تشكيل الوعي الجمعي حوله، وتحويله من يوم حدادٍ على جريمة كبرى إلى يوم فرح واحتفال وصيام شكري، تحت عناوين متعددة أبرزها “نجاة النبي موسى عليه السلام”.
كربلاء: الجريمة التي هزّت ضمير الأمة
لم تكن واقعة كربلاء حادثة عابرة في التاريخ الإسلامي، بل شكّلت نقطة تحول خطيرة في مسار الحكم والسياسة والدين، فقد وقف الإمام الحسين (عليه السلام) بوجه حكم يزيد بن معاوية رافضًا تحويل الخلافة إلى ملك وراثي قائم على القمع والفساد، وكانت النتيجة أن قُتل الحسين مع أهل بيته (عليهم السلام) وأصحابه بطريقة وحشية، وسُبيت نساء آل البيت، في مشهدٍ صدم ضمير المسلمين.
هذه الجريمة وضعت السلطة الأموية أمام مأزق أخلاقي وتاريخي، فقتل سبط النبي لم يكن أمرًا يمكن تبريره بسهولة، لذلك كان لا بد من صناعة رواية موازية تُخفف من وقع الفاجعة، وتُعيد توجيه اهتمام الناس بعيدًا عن الدم المسفوك في كربلاء.

الأمويون وصناعة الوعي البديل
أدرك بنو أمية أن السيطرة على السيف وحده لا تكفي، بل يجب السيطرة على الذاكرة أيضًا، ومن هنا بدأت عملية إعادة تشكيل صورة يوم عاشوراء في الوعي الشعبي، فبدل أن يبقى يومًا للتذكير بظلامة الحسين، جرى الترويج له بوصفه:
-
يوم نجاة النبي موسى (عليه السلام) من فرعون.
-
يوم توبة آدم (عليه السلام).
-
يوم استقرار سفينة نوح (عليه السلام).
-
يوم مبارك تُوسع فيه الأرزاق.
-
يوم للفرح والاكتحال والاحتفال.
وقد انتشرت روايات كثيرة في العصر الأموي وما بعده تُضفي قداسة احتفالية على عاشوراء، حتى تحوّل عند بعض المجتمعات إلى موسم للزينة والطعام والبهجة، في مفارقة مؤلمة مع الدم الذي أريق فيه.
لماذا التركيز على “نجاة موسى عليه السلام”؟
إن الحديث عن نجاة النبي موسى عليه السلام في عاشوراء ليس مرفوضًا بحد ذاته، إذ وردت بعض الروايات – مشكوك بصحتها- عن صيامه، لكن الإشكال يكمن في التوظيف السياسي المكثف لهذه الرواية بعد كربلاء، بحيث أصبحت أداة لتغييب الجريمة الأصلية.
فالسلطة الأموية كانت بحاجة إلى:
-
نقل التركيز من مقتل الحسين عليه السلام إلى أحداث أخرى.
-
صناعة أجواء فرح تُناقض أجواء الحزن والاحتجاج.
-
تصوير المعترضين على الجريمة وكأنهم يرفضون “يوماً مباركاً”.
-
تفكيك التعاطف الشعبي مع أهل البيت تدريجيًا.
وهكذا أصبح الحديث عن “يوم نجاة موسى عليه السلام” يُستخدم كستارٍ عاطفي وديني لتخفيف أثر مأساة كربلاء في الوعي الإسلامي.
عاشوراء والعالم العربي: كيف تشكلت الثقافة الشعبية؟
في بعض البلدان العربية، تطورت طقوس شعبية مرتبطة بعاشوراء، مثل إعداد أطعمة خاصة أو اعتباره يوم بركة واحتفال، وهذه العادات لم تنشأ كلها بدافع العداء للحسين (عليه السلام)، بل كثير منها جاء نتيجة تراكمات ثقافية وروايات دينية شعبية كرّستها السلطات المتعاقبة عبر قرون، لكن اللافت أن الذاكرة الشعبية في هذه البيئات كثيرًا ما غُيّبت عن حقيقة أن اليوم نفسه شهد واحدة من أبشع الجرائم السياسية والدينية في التاريخ الإسلامي.
لقد نجحت الأنظمة الحاكمة عبر الزمن في تحويل المناسبة من: “يوم سؤال عن العدالة والسلطة” إلى: “طقس ديني شعبي منزوع البعد السياسي والأخلاقي”.
وهذا بحد ذاته شكل من أشكال التزييف الهادئ للتاريخ، وأخطر ما فعله الأمويون تحويل الضحية إلى قضية ثانوية، ولم يقتصر التزييف على نشر روايات الفضائل، بل تعداه إلى محاولة التقليل من شأن الحسين (عليه السلام) نفسه، أو تصوير خروجه وكأنه سبب الفتنة، بينما جرى تلميع صورة السلطة.
إن أخطر أنواع التلاعب بالتاريخ ليس الكذب المباشر، بل إعادة ترتيب الأولويات:
-
يصبح القاتل “ولي أمر”.
-
وتصبح الثورة على الظلم “فتنة”.
-
ويصبح يوم المذبحة “عيدًا”.
وهذا ما فعله الإعلام الأموي مبكرًا، مستخدمًا الخطباء والرواة والمال والسلطة لتشكيل وعي جديد يخدم الدولة لا الحقيقة.
عاشوراء: قراءة نقدية
تقوم فكرة تحويل عاشوراء إلى يوم فرح في بعض الخطابات على رواية نجاة النبي موسى من فرعون، وما ارتبط بها من أحاديث الصيام والتوسعة والاكتحال، غير أن هذه الفكرة، عند إخضاعها للفحص الحديثي والعقلي والتاريخي، لا تنهض كدليل على “عيد فرح”، بل أقصى ما تدل عليه، إن ثبت أصلها هو عبادة شكر فردية تتمثل بالصيام، لا طقوس احتفال أو مظاهر زينة عامة، فالصيام في بنيته الشرعية عبادة انقطاع وخشوع، لا مناسبة سرور اجتماعي، وبالتالي فإن تحويله إلى “عيد فرح” يمثل انتقالًا غير مبرر من العبادة إلى الطقس الاحتفالي.
ومن الإشكالات التاريخية المهمة في هذا السياق، مسألة التقويم، إذ إن ربط حدث نجاة موسى (عليه السلام) تحديد يوم “العاشر من المحرم” يواجه خللًا زمنيًا واضحًا، لأن التقويم اليهودي الذي تُنسب إليه أحداث تلك الحقبة ليس تقويمًا هجريًا قمريًا خالصًا، بل هو تقويم مركب (شمسي-قمري) يختلف في بنيته عن التقويم الهجري الإسلامي الذي وُضع لاحقًا بشكل مستقل. وهذا الاختلاف يجعل من الصعب علميًا الجزم بأن حدثًا تاريخيًا في زمن موسى (عليه السلام) مكن أن يُطابق بدقة يومًا محددًا في التقويم الهجري، مما يضعف فكرة التحديد الزمني الذي بُني عليه ربط عاشوراء بالفرح بشكل قطعي.
وعلى المستوى العقلي والأخلاقي، يطرح الخطاب الشيعي إشكالًا مركزيًا، مفاده أن عاشوراء ارتبط تاريخيًا بمأساة استشهاد الإمام الحسين بن علي (عليهما السلام) وما رافقها من قتل وسبي وإحراق خيام، ومن ثم فإن تحويل هذا اليوم إلى مناسبة فرح وزينة يمثل تناقضًا مع البنية الأخلاقية للحدث، إذ كيف يمكن لعقل ديني أو إنساني أن يفصل بين يوم ارتبط بجريمة كبرى وبين مظاهر سرور عامة دون أن يطرح سؤال العدالة والذاكرة؟ لذلك يُنظر إلى “الفرح بعاشوراء” بوصفه انفصالًا عن الحس الأخلاقي للتاريخ، أكثر من كونه موقفًا تعبديًا ثابتًا.
وعند الرجوع إلى التراث السني نفسه، نجد أن كثيرًا من العلماء لم يسلّموا بصحة الروايات التي تُبنى عليها مظاهر الفرح بعاشوراء، فقد صرّح ابن الجوزي بأن عددًا من أحاديث التوسعة والاكتحال والاغتسال “موضوعة” ولا تثبت من جهة الحديث، وهو ما يضعف الأساس النصي للممارسات الاحتفالية، كما أشار ابن تيمية إلى أن ما شاع من جعل عاشوراء عيدًا أو موسم زينة لا أصل له في السنة الثابتة، وأن الإفراط في تحويله إلى فرح هو من المحدثات التاريخية، وذهب الذهبي والسيوطي إلى تضعيف عدد من الروايات المنتشرة في فضائل مخصوصة لعاشوراء، مما يضعف البناء الحديثي الذي يقوم عليه خطاب “الفرح”.
أما في الرؤية الشيعية، فإن المسألة لا تتوقف عند نقد الأحاديث إذ يؤكد محمد باقر المجلسي أن كثيرًا من روايات التوسعة والفرح ظهرت في سياق مواجهة الحزن على الحسين عليه السلام، بينما يرى جعفر مرتضى العاملي أن هذا التحول كان جزءًا من مشروع أوسع لإنتاج وعي ديني رسمي ينسجم مع السلطة ويخفف من أثر كربلاء.
وعند جمع هذه المعطيات العقلية والنقلية والتاريخية، يتضح أن فكرة “عاشوراء يوم فرح” لا تستند إلى دليل حديثي حاسم، ولا إلى انسجام تاريخي دقيق، ولا إلى منطق أخلاقي متماسك مع الحدث المركزي الذي وقع فيه، فحتى الروايات التي تُذكر في هذا السياق لا تفيد بالضرورة عيدًا احتفاليًا، بل أقصى ما تدل عليه صيام شكر، مع وجود إشكالات في السند والدلالة والسياق، إضافة إلى التعارض الأخلاقي مع ذاكرة كربلاء التي تجعل من هذا اليوم محطة تأمل في العدالة والظلم، لا مناسبة فرح تتجاهل الدم المسفوك بأسم الدين.

عاشوراء الحقيقي: موقف أخلاقي لا ذكرى عابرة
-
عاشوراء ليس يوم فرح، بل يوم موقفٍ أخلاقيٍّ خُلّد بالدم. هو اليوم الذي جسّد فيه الإمام الحسين بن علي معنى المواجهة الصريحة مع الظلم، ورفض شرعنة الاستبداد باسم الدين أو السلطة.
-
خرج الحسين (عليه السلام) ليقول بوضوح: لا شرعية لسلطةٍ تقتل العدالة وتستبيح الإنسان. لذلك صار عاشوراء ميزانًا دائمًا للحق، لا مجرد حدث تاريخي.
-
أما بني أمية، فقد ارتبط اسمهم في الوعي التاريخي بمحاولة إسكات صوت كربلاء. لم يكتفوا بالجريمة، بل حاولوا طمسها وتشويه معناها، وإعادة صياغة الوعي الديني بما يخدم السلطة. قتلوا الحسين جسدًا، ثم حاولوا قتله معنىً وذاكرةً وقضية.
-
لقد سعى الأمويون إلى تحويل يوم الجريمة إلى يوم عادي، بل إلى يوم يُروّج له بوصفه يوم بركة وفرح، في محاولة واضحة لعكس الحقيقة الأخلاقية للتاريخ. لكن الدم لا يُمحى بالدعاية، ولا تُدفن القيم بالخطابة.
-
عاشوراء الحقيقي هو فضح الاستبداد، وكشف تزييف الدين، ورفض تحويل السلطة إلى قداسة زائفة. وهو إعلان دائم أن الحق لا يُقاس بالقوة، بل بالعدل.
-
وهكذا بقي الحسين حيًا في الوعي، بينما بقيت السلطة التي قاتلته مثالًا على سقوط الحكم حين يتحول إلى ظلمٍ مُقنّع بالدين.
الاستنتاجات
-
إن ربط عاشوراء بالفرح والاحتفال يفتقر إلى دليل تاريخي وحديثي قاطع، بينما يرتبط اليوم يقينًا بواقعة كربلاء واستشهاد الإمام الحسين (عليه السلام).
-
إن الاختلاف بين التقويم اليهودي والتقويم الهجري يثير تساؤلات علمية حول دقة ربط نجاة موسى بالعاشر من المحرم على نحوٍ جازم.
-
إن كثيرًا من الروايات المتعلقة بالاكتحال والتوسعة وإظهار الفرح في عاشوراء قد تعرضت للتضعيف أو الحكم بالوضع من قبل عدد كبير من علماء السنة قبل الشيعة.
-
تكشف الدراسة أن السلطة الأموية لم تخض صراعًا عسكريًا فحسب، بل خاضت أيضًا صراعًا على الذاكرة والوعي وتفسير الأحداث.
-
لا ينسجم تحويل عاشوراء إلى يوم سرور مع البعد الأخلاقي والإنساني لمأساة كربلاء وما شهدته من قتل وسبي وانتهاك لحرمة أهل بيت النبي.
-
يمثل الإمام الحسين (عليه السلام) رمزًا عالميًا لمقاومة الظلم والاستبداد، ولذلك بقيت قضيته حية رغم محاولات التهميش والتشويه.
-
إن جوهر عاشوراء الحقيقي يتمثل في الدفاع عن العدالة والكرامة الإنسانية ورفض استغلال الدين لخدمة السلطة.
-
أثبتت كربلاء أن الدم المظلوم أقوى من السيف، وأن الذاكرة الحرة قادرة على هزيمة محاولات التزييف مهما طال الزمن.
خاتمة
إن النقاش حول عاشوراء ليس خلافًا على مناسبة دينية فحسب، بل هو صراع على الذاكرة والتاريخ والمعنى، فحين يُختزل يوم استشهاد الحسين (عليه السلام) في طقوس احتفالية أو روايات تُبعد الأنظار عن كربلاء، فإننا أمام عملية طويلة من إعادة تشكيل الوعي بدأت منذ الدولة الأموية.
ويبقى السؤال الأخلاقي قائمًا: هل يُمكن لأمةٍ أن تفهم تاريخها حقًا إذا احتفلت في اليوم الذي قُتل فيه سبط نبيها؟
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى