محمد البخيتي وصناعة التأثير..

التوازن الخطابي وفاعلية التواصل في زمن الصراع

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الر أي والدراسات المجتمعية

 

الكلمة في ميدان المعركة

لم تعد الحروب المعاصرة تُخاض بالسلاح وحده، ولم يعد الانتصار فيها مرهوناً بما تحققه الجيوش على الأرض فحسب، فثمة ميدان آخر، أقل وضوحاً وأكثر تعقيداً، تتصارع فيه الأطراف على تفسير الأحداث، وتحديد المسؤوليات، وصناعة الشرعية، وتوجيه مشاعر الجمهور وتصوراته، وفي هذا الميدان لا تكون الكلمة مجرد تعليق على الحدث، بل تصبح جزءاً من الحدث نفسه، إذ يمكن للتصريح السياسي أن يبرر قراراً، أو يهيئ الرأي العام لقبول تحوّل، أو يبعث برسالة إلى الخصم، أو يسعى إلى إعادة تعريف الصراع من أساسه.

من هذا المنظور يمكن دراسة محمد البخيتي، القيادي في المكتب السياسي لحركة أنصار الله اليمنية، بوصفه حالة تستحق التحليل في العلاقة بين القيادة السياسية والاتصال الاستراتيجي، فقد ظهر اسمه في المنابر الإعلامية العربية منذ مرحلة التحولات السياسية اليمنية عام 2014، واستمر حضوره خلال الحرب والتصعيد الإقليمي، وصولاً إلى الملفات المرتبطة بغزة والبحر الأحمر، ولم يقتصر دوره العام على الدفاع عن مواقف الحركة في المقابلات الإعلامية، بل شمل أيضاً مسؤولية إدارية محلية عندما تولّى منصب محافظ ذمار عام 2020، وتتيح هذه الأدوار المتداخلة قراءة شخصيته من زاوية تتجاوز السيرة السياسية إلى تحليل وظيفة المتحدث في تنظيم يخوض صراعاً عسكرياً وسياسياً وإعلامياً متشابكاً.

غير أن دراسة شخصية سياسية مرتبطة بأحد أطراف الحرب تقتضي الحذر من الخلط بين التأثير والشرعية، وبين المهارة الخطابية وصحة الموقف، وبين القدرة على الدفاع عن رواية والقدرة على إثباتها، ولذلك لا تنطلق هذه القراءة من افتراض أن البخيتي قائد عسكري أو صاحب القرار الاستراتيجي الأعلى داخل حركة أنصار الله اليمنية، كما لا تنطلق من تبنّي خطابه أو رفضه مسبقاً، بل تتعامل معه بوصفه فاعلاً سياسياً وإعلامياً يمكن دراسة خطابه وأدواره وحدود تأثيره باستخدام مفاهيم القيادة الاتصالية، والتأطير الإعلامي، وبناء المصداقية، وإدارة الأزمات.

 

وتتمثل الإشكالية المركزية في السؤال الآتي: كيف يتحول المتحدث السياسي في بيئة الحرب من ناقل لموقف التنظيم إلى مشارك في تشكيل معناه وشرعيته، وما الذي يجعل خطابه قادراً على جذب الانتباه والتأثير، وما الحدود التي تفصل بين النجاح الاتصالي والنجاح السياسي الفعلي؟

 

أولاً: من موقع المتحدث إلى وظيفة صناعة المعنى

لفهم موقع محمد البخيتي، ينبغي العودة إلى سياق ظهوره السياسي، ففي تشرين الاول 2014، وبعد سيطرة حركة أنصار الله اليمنية على مؤسسات الدولة في صنعاء، قدّمته قناة الجزيرة بوصفه عضواً في المكتب السياسي للحركة، وأجرت معه مقابلة تناولت مستقبل الحركة وعلاقتها بالقوى اليمنية والحكومة والرئاسة وإيران، وقد دافع في تلك المقابلة عن تفسير يركز على العوامل الداخلية وتوازنات القوى السياسية اليمنية، ورفض اختزال ما يجري في العلاقة مع طهران وحدها.

تكشف هذه المقابلة المبكرة عن وظيفة أساسية في خطابه، تتمثل في نقل مركز تفسير الأزمة من الإطار الذي يضع حركة أنصار الله اليمنية في سياق النفوذ الإقليمي إلى إطار يركز على التناقضات الداخلية اليمنية، وهذه ليست مجرد مسألة لغوية، بل هي عملية سياسية تتعلق بتحديد السؤال الذي ينبغي أن يجيب عنه الجمهور، فحين يُقدَّم الصراع بوصفه أزمة داخلية تتعلق بالسلطة والفساد والتمثيل السياسي، تصبح شرعية التحرك مرتبطة بمطالب الداخل، أما حين يُقدَّم بوصفه جزءاً من صراع إقليمي، فإن الأسئلة تتجه إلى طبيعة التحالفات ومصادر الدعم وحدود استقلال القرار.

هنا تظهر إحدى وظائف المتحدث السياسي، إذ لا تقتصر مهمته على الإجابة عن الأسئلة المطروحة، بل قد يسعى أيضاً إلى إعادة صياغة السؤال نفسه، وتحديد المفاهيم التي يجري النقاش من خلالها، وبذلك لا ينافس خصومه في تقديم المعلومات وحدها، وإنما ينافسهم أيضاً في تحديد المعنى الذي ستكتسبه المعلومات.

ومع تطور الحرب منذ عام 2015، اتسع نطاق هذه الوظيفة، فقد أصبحت تصريحات البخيتي مرتبطة بالدفاع عن موقف حركة أنصار الله اليمنية من التدخل العسكري، وبالعلاقة مع السعودية والولايات المتحدة، ثم بالتصعيد المتصل بغزة والبحر الأحمر، وفي هذه المرحلة لم يعد موضوع الخطاب محصوراً في الأزمة السياسية اليمنية، بل أصبح متصلاً بسردية إقليمية أوسع تحاول الحركة من خلالها تفسير أفعالها وتقديمها بوصفها جزءاً من مواجهة تتجاوز حدود اليمن.

وهذا الانتقال من المحلي إلى الإقليمي يمنح الخطاب مجالاً أوسع للتأثير، لكنه يجعله أيضاً أكثر عرضة للاختبار، لأن الرسائل المتعلقة بالسيادة والمقاومة لا تُقاس بقدرتها على إثارة التعاطف وحده، بل تُقاس كذلك بنتائج السياسات التي تبررها، وبمدى اتساقها مع الوقائع، وبالأثمان التي يتحملها المجتمع.

 

 

ثانياً: معركة التأطير – من يملك حق تعريف الحرب؟

في علم الإعلام السياسي، لا يُفهم التأطير باعتباره مجرد اختيار مفردات جميلة أو مؤثرة، بل بوصفه عملية انتقاء جوانب معينة من الواقع وإبرازها حتى تصبح أساساً لتفسير الحدث والحكم عليه، فالحرب الواحدة قد تُقدَّم باعتبارها دفاعاً عن السيادة، أو صراعاً على السلطة، أو مواجهة إقليمية، أو أزمة إنسانية، وقد تتعايش هذه الأطر في الحدث نفسه، وإن اختلفت في ترتيب الأولويات وتحديد المسؤولية.

يستند جانب مهم من خطاب البخيتي إلى مفاهيم السيادة ورفض التدخل الخارجي والمقاومة، وهي مفاهيم تحمل شحنة أخلاقية وسياسية قوية في المجتمعات التي عانت من الحرب أو ترى في التدخل الخارجي تهديداً لاستقلالها، وتسمح هذه المفردات بربط الأحداث المتفرقة ضمن قصة واحدة، بحيث لا تظهر كل عملية أو مواجهة بوصفها واقعة منفصلة، وإنما حلقة في مسار أوسع من الصراع.

وتقدم الدراسات الحديثة لخطاب حركة أنصار الله اليمنية مثالاً على أهمية هذا التمييز، فقد حللت دراسة منشورة عام 2025 ست عشرة مادة من وسائل الإعلام المرتبطة بالحركة، ووجدت أن الخطاب المدروس يستخدم بناء صورة الجماعة وصورة الخصم، وإبراز المقاومة المسلحة بوصفها استجابة للعدوان، مع تقليل شرعية الأطراف المنافسة في الرواية الإعلامية، وهذه نتائج تتعلق بعينة محددة من المحتوى المؤسسي، ولا يجوز تحويلها آلياً إلى حكم على كل تصريح يصدر عن البخيتي، لكنها توفر إطاراً علمياً لفهم البيئة الخطابية التي يعمل داخلها.

من هنا يمكن القول إن أحد مفاتيح قراءة البخيتي يتمثل في فحص الطريقة التي يربط بها بين الواقعة والسبب، وبين الفعل والغاية، وبين هوية الجماعة والشرعية التي تسعى إلى تثبيتها، والسؤال المهم ليس فقط ما إذا كان يكرر مفردات المقاومة والسيادة، بل كيف يوظفها، وما الوقائع التي يبرزها أو يتجاوزها، وما نوع الاستنتاج الذي يريد من المتلقي الوصول إليه.

 

ثالثاً: هندسة الخطاب – كيف تُبنى الرسالة السياسية؟

لا يُقاس الأداء الإعلامي للمتحدث السياسي بارتفاع صوته، أو سرعة إجابته، أو قدرته على إحراج المحاور، فهذه مؤشرات انطباعية قد تجذب المشاهد، لكنها لا تكفي لتقييم جودة الخطاب، إذ يتطلب التحليل العلمي تفكيك الرسالة إلى مكوناتها الأساسية، بدءاً من تعريف المشكلة وتحديد المسؤولية، مروراً بتقديم التبرير وإبراز الهدف، وصولاً إلى توقع الاعتراضات ومحاولة احتوائها.

 

في هذا السياق، يمكن قراءة خطاب البخيتي عبر ثلاث عمليات متداخلة:

تتمثل العملية الأولى في تحديد المشكلة، إذ يسعى المتحدث إلى وضع الحدث ضمن سياق سياسي يراه أساسياً، مثل التدخل الخارجي أو الصراع على استقلال القرار اليمني، أما العملية الثانية فتتمثل في تفسير المسؤولية، أي تحديد الطرف الذي يحمّله مسؤولية الأزمة أو التصعيد، وهو عنصر جوهري في الخطاب السياسي، لأن تحديد المسؤولية يسبق عادة الحكم الأخلاقي على الفعل، في حين تتمثل العملية الثالثة في تقديم التبرير، إذ تُربط المواقف أو العمليات بأهداف معلنة، مثل الردع أو الضغط السياسي أو التضامن مع قضية إقليمية.

وتصبح هذه العمليات أكثر فاعلية حين تتصل ببعضها ضمن بناء متماسك، فإذا عرّف المتحدث المشكلة بطريقة معينة، ثم نسب مسؤوليتها إلى طرف محدد، ثم قدّم فعل حركة أنصار الله اليمنية بوصفه استجابة ضرورية، فإنه يكون قد بنى سلسلة تفسيرية تسعى إلى جعل النتيجة تبدو منطقية داخل الإطار الذي اختاره.

ومن المفيد أيضاً الانتباه إلى ما لا يقوله المتحدث، لا إلى ما يقوله فقط، فالخطاب السياسي يتشكل عبر الحضور والغياب معاً، إذ يتطلب تحليله النظر في الموضوعات التي يختارها المتحدث لتكون محوراً رئيسياً، والقضايا التي يعاملها بوصفها تفاصيل ثانوية، ومدى إجابته عن السؤال المحدد أو نقله النقاش إلى قضية أوسع، فضلاً عن التمييز بين تقديم معلومات قابلة للتحقق والاكتفاء بالتوصيفات العامة، إن تحليل هذه الاختيارات يكشف منطق الرسالة بدرجة قد لا يكشفها الاكتفاء بتسجيل المفردات المتكررة.

 

رابعاً: إدارة المواجهة التلفزيونية – بين الإجابة والسيطرة على مسار الحوار

تختلف المقابلة التلفزيونية السياسية عن الحديث العادي، فالمتحدث لا يواجه محاوراً فقط، بل يواجه زمناً محدوداً، وأسئلة قد تكون عدائية، وجمهوراً متنوعاً، وسياقاً سياسياً يحمّل كل عبارة دلالات تتجاوز معناها المباشر، لذلك تصبح إدارة الحوار مهارة مستقلة عن امتلاك المعلومات، وإن كانت لا تغني عنها.

ومن الأدوات التي ينبغي فحصها في مقابلات البخيتي، قدرته على إعادة السؤال إلى الإطار الذي يفضله، وانتقاء المفردات التي يكررها، وتحديد مدى إجابته بصورة مباشرة، وطريقة تعامله مع الافتراضات المسبقة في أسئلة المحاور، فضلًا عن مدى استعداده للاعتراف بالتعقيد أو بحدود المعلومات المتاحة.

فعلى سبيل المثال، عندما يُسأل مسؤول سياسي عن علاقة التنظيم الذي ينتمي إليه بقوة إقليمية، يمكنه أن يجيب عن تفاصيل العلاقة مباشرة، أو أن يعيد توجيه النقاش نحو الأسباب المحلية للصراع، أو أن يطعن في الافتراض الذي بُني عليه السؤال، ولكل خيار وظيفة مختلفة، إذ يركز الأول على المعلومات، بينما يعيد الثاني ترتيب الأولويات، في حين ينازع الثالث المحاور في نقطة الانطلاق نفسها.

وقد ظهر هذا النوع من إعادة التأطير في مقابلة البخيتي مع قناة الجزيرة عام2014، حين شدد على أن فهم الأزمة اليمنية يقتضي النظر إلى السياسة الداخلية وتوازنات القوى، لا اختزالها في العلاقة مع إيران، ويمكن تحليل هذا الموقف بوصفه محاولة لتغيير مركز النقاش، من دون أن يعني ذلك أن إعادة توجيه الحوار وحدها تثبت صحة تفسيره أو تحسم الأسئلة المتعلقة بالعلاقات الخارجية.

لكن ثمة فرقاً بين إدارة الحوار بمهارة والتهرب من السؤال، فالمتحدث الذي يُقيَّم أداؤه مهنياً لا يكتفي بنقل النقاش إلى موضوع يفضله، بل يستطيع أن يوضح ما يعرفه، وما لا يستطيع تأكيده، وما الأدلة التي تدعم موقفه، أما إذا تكرر تحويل الأسئلة المباشرة إلى شعارات عامة، فقد ينجح الخطاب في تعبئة المؤيدين، لكنه يخسر بعض قدرته على إقناع جمهور متشكك أو محايد.

 

 

خامساً: القيادة الاتصالية – ما الذي يستطيع المتحدث فعله وما الذي لا يستطيع؟

تنبع أهمية البخيتي من موقعه السياسي واتصاله المتكرر بالمنابر الإعلامية، لكن ذلك لا يعني أن دوره يساوي دور القائد الأعلى لحركة أنصار الله اليمنية أو صاحب القرار العسكري فيها، فالتنظيمات السياسية والعسكرية تتضمن مستويات متعددة من القيادة، تشمل قيادة تحدد التوجهات الكبرى، وقيادات تدير الملفات المختلفة، ومتحدثين يشرحون المواقف أو يدافعون عنها، ومسؤولين إداريين يتعاملون مع شؤون الحكم المحلي، وقد تتقاطع هذه الوظائف، لكنها ليست مترادفة.

إن وصف البخيتي بأنه فاعل اتصالي مهم أكثر دقة من وصفه، من دون دليل، بأنه صاحب القرار الاستراتيجي النهائي، وتبرز أهمية هذا التمييز لأن الجمهور يميل أحياناً إلى مساواة الظهور الإعلامي بالنفوذ الداخلي، مع أن القدرة على الحديث باسم الحركة لا تكشف وحدها مقدار المشاركة في صناعة قراراتها.

ومن زاوية القيادة، يمكن طرح سؤال أعمق، هل تكمن قوة المتحدث في قدرته على التأثير في الجمهور فقط، أم في قدرته على نقل معلومات دقيقة إلى القيادة، وإدارة التوقعات، وتفسير القرارات الصعبة، والحد من التناقض بين الرسالة الرسمية والواقع، فالمتحدث الذي يرفع سقف الوعود دون سند قد يحقق مكسباً آنياً في جذب الانتباه، لكنه يعرّض مصداقيته للتآكل لاحقاً، أما المتحدث الذي يوازن بين وضوح الموقف والاعتراف بحدود المعرفة، فقد يحقق تأثيراً أقل صخباً، لكنه أكثر استدامة.

وهنا يظهر الفرق بين الاتصال بوصفه أداة للدفاع عن حركة أنصار الله اليمنية، والاتصال بوصفه وظيفة قيادية مسؤولة أمام الجمهور، فالأول يقيس النجاح غالباً بمدى تماسك الرسالة وحشد التأييد، بينما يضيف الثاني معايير الدقة والمساءلة والقدرة على تصحيح المعلومات عند ظهور أدلة جديدة.

 

سادساً: البعد النفسي – كيف يُستدعى الانتماء والخوف والأمل؟

لا يتلقى الجمهور الرسائل السياسية بعقل منفصل عن مشاعره وتجربته الاجتماعية، ففي زمن الحرب تتداخل المعلومات مع الخوف من المستقبل، والشعور بالظلم، والرغبة في الكرامة، والحاجة إلى تفسير ما يحدث، ولذلك قد تصبح بعض المفردات أكثر تأثيراً حين تلامس تجربة يعيشها الناس، لا لأنها تثبت كل ما تقوله، بل لأنها تمنح تلك التجربة معنى يمكن استيعابه.

وتستطيع مفردات مثل السيادة والمقاومة والعدوان أن تؤدي وظيفة تتجاوز وصف الوقائع، إذ قد تربط بين الألم الفردي ومعنى جماعي أوسع، وتمنح الجمهور شعوراً بأن ما يمر به ليس معاناة معزولة، بل جزء من قضية ذات دلالة، وهذه آلية معروفة في الاتصال السياسي، تتمثل في ربط الحدث بهوية جماعية وقصة أخلاقية تساعد على تنظيم المشاعر وتحديد الموقف من الخصم.

ومن هنا تأتي أهمية عدم التعامل مع الجمهور بوصفه كتلة واحدة، فهناك مؤيدون يثقون بالخطاب مسبقاً، ومعارضون يقرؤونه بوصفه تبريراً للسلطة، وجمهور متردد يبحث عن أدلة، وآخرون يتأثرون بتجربتهم المعيشية أكثر من تأثرهم بالتصريحات، وتختلف فاعلية الرسالة باختلاف هذه المواقع، وهو ما يجعل قياس التأثير الحقيقي بحاجة إلى بحوث ميدانية أو دراسات لاستقبال الجمهور، لا إلى أعداد المشاهدات والتفاعلات وحدها.

 

سابعاً: مكامن القوة في الأداء الإعلامي والقيادي لمحمد البخيتي

يمكن قراءة تجربة محمد البخيتي من منظور الإعلام والقيادة السياسية من خلال مجموعة من السمات التي أسهمت في حضوره ضمن المشهد اليمني والإقليمي، ويمكن إجمال أبرزها فيما يأتي:

 

  1. وضوح الموقع السياسي: يستند حضوره الإعلامي إلى موقعه في المكتب السياسي لحركة أنصار الله اليمنية، بما يتيح له عرض مواقف الحركة والدفاع عنها ضمن إطار سياسي معروف.

  2. استمرارية الخطاب: حافظ على حضور إعلامي ممتد عبر مراحل مختلفة من الصراع اليمني، مع تكرار مفاهيم مركزية تتصل بالسيادة ورفض التدخل الخارجي والمقاومة.

  3. القدرة على تأطير الأحداث: يربط الوقائع الجزئية بسياقات سياسية أوسع، ويقدم تفسيراً للأحداث من منظور الحركة، بما يساعد على بناء رواية مترابطة لمواقفها.

  4. مخاطبة الجمهور المتنوع: يتيح ظهوره في المنابر العربية والدولية إيصال رسائله إلى جماهير تتجاوز البيئة الإعلامية المؤيدة للحركة، ويضع خطابه في مواجهة تفسيرات سياسية مختلفة.

  5. إدارة المواجهة الحوارية: تتيح مقابلاته دراسة قدرته على التعامل مع الأسئلة الجدلية، وإعادة وضعها ضمن سياق سياسي أوسع، مع المحافظة على مسار الرسالة التي يسعى إلى إيصالها.

  6. الربط بين المحلي والإقليمي: يربط خطابه بين تطورات اليمن والقضايا الإقليمية، ولا سيما فلسطين والبحر الأحمر، الأمر الذي يوسع نطاق النقاش الذي تتحرك فيه رسائله السياسية.

  7. توظيف الرموز السياسية: يستخدم مفاهيم ذات دلالات معنوية قوية، مثل السيادة والمقاومة، لربط المواقف السياسية بقضايا الهوية والكرامة والاستقلال في الوعي الجمعي.

  8. بناء سردية متماسكة: يعتمد خطابه على مجموعة من المفاهيم المتكررة التي تساعد على تنظيم الرسائل وربط التصريحات الجديدة بالمواقف السابقة، بما يعزز وضوح هويته الاتصالية.

  9. المرونة في تناول القضايا: يتنقل في خطابه بين تفاصيل الأزمة اليمنية وأبعادها الإقليمية، بما يتيح تناول الأحداث عبر مستويات متعددة من التفسير السياسي.

  10. تعدد الخبرة السياسية والإدارية: يضيف تولّيه منصب محافظ ذمار عام 2020 بُعداً إدارياً إلى سيرته السياسية، ويفتح المجال لدراسة العلاقة بين التمثيل الإعلامي والمسؤولية العامة.

  11. استمرارية الحضور الإعلامي: أسهم ظهوره المتكرر في إبقائه ضمن دائرة النقاش العام، وأتاح متابعة تطور مواقفه ورسائله عبر مراحل مختلفة من الصراع.

  12. قابلية الرسائل للتداول: يرتبط خطابه بملفات تحظى باهتمام إقليمي ودولي، ما يمنح تصريحاته فرصاً للانتشار وإثارة النقاش خارج حدود المقابلات الأصلية.

  13. الحضور في المنابر الإعلامية المناوئة: يُعدّ ظهوره في قنوات عربية تنتمي إلى بيئات إعلامية وسياسية مناوئة لحركة أنصار الله اليمنية إحدى نقاط القوة في حضوره الاتصالي، إذ يتيح له عرض مواقف الحركة أمام جمهور لا يتبنى بالضرورة رؤيتها السياسية، ويضعه في مواجهة مباشرة مع أسئلة وانتقادات مضادة، الأمر الذي يتيح دراسة قدرته على الدفاع عن مواقفه وإدارة الحوار في بيئة إعلامية تنافسية، كما يمنح رسائله فرصة للوصول إلى جمهور أوسع خارج الدوائر المؤيدة له، مع بقاء مدى تأثيرها الفعلي مرتبطاً بكيفية استقبال الجمهور لها وتقييمه لمصداقيتها.

 

 

خاتمة

 تكشف تجربة محمد البخيتي عن الدور المحوري الذي تؤديه الكلمة في تشكيل الحضور السياسي خلال الصراعات، فالشخصية السياسية لا تُعرَف بمواقفها المعلنة فحسب، بل بقدرتها على تحويل هذه المواقف إلى خطاب يحمل رؤية متكاملة للأحداث، ويمنحها دلالات تتجاوز حدودها المباشرة، وفي هذا السياق، تمثل تجربته مدخلاً لفهم العلاقة بين الاتصال السياسي وصناعة المعنى، وكيف تصبح المقابلة الإعلامية ساحة تتقاطع فيها الرؤى والمصالح والتفسيرات.

وتبقى القيمة الأعمق لهذه التجربة في قدرتها على إثارة أسئلة تتجاوز الأداء الإعلامي إلى طبيعة العلاقة بين الخطاب والواقع، وبين الصورة التي تقدمها الشخصية السياسية عن نفسها والقضية التي تدافع عنها، فالحضور قد يلفت الانتباه، والبلاغة قد تستقطب الجمهور، لكن الأثر المستدام يتشكل من تفاعل الخطاب مع الوقائع، ومدى قدرته على الإقناع والصمود أمام النقد والاختبار، ومن هنا، فإن دراسة محمد البخيتي لا تقتصر على تحليل شخصية سياسية في سياق يمني وإقليمي متشابك، بل تسهم في فهم أوسع لكيفية تشكّل الروايات السياسية، وتنافسها على وعي الجمهور، وتأثيرها في تفسير الأحداث وصناعة المواقف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab
 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى