مدارس المتفوقين والمتميزين بين رعاية التفوق وعزل المتفوقين

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

حين يصبح التفوق سبباً للعزل

ينطلق إنشاء مدارس المتفوقين والمتميزين من فكرة تبدو، في ظاهرها، شديدة المنطقية: إذا كان بعض الطلبة أكثر قدرة على التحصيل وأسرع في التعلم من أقرانهم، فمن حقهم أن يحصلوا على تعليم يتناسب مع مستواهم، ومناهج أكثر عمقاً، وبيئة تعليمية أكثر تحدياً، ومعلمين قادرين على التعامل مع قدراتهم الأكاديمية المرتفعة. ومن هذه الفكرة نشأت في عدد من الأنظمة التعليمية برامج ومسارات ومدارس مخصصة للطلبة ذوي التحصيل المرتفع. غير أن السؤال التربوي الأهم لا يتعلق بمبدأ رعاية المتفوق؛ فهذا المبدأ يكاد يكون محل اتفاق، وإنما يتعلق بالطريقة التي ينبغي أن تتم بها هذه الرعاية: هل تحتاج رعاية التفوق إلى عزل المتفوقين في مدارس مستقلة، أم يمكن تحقيقها داخل المدرسة العامة من خلال التمايز والإثراء والتسريع والتجميع المرن؟

وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة في العراق؛ لأن الانتقال إلى مدارس المتفوقين والمتميزين لا يأتي من فراغ، وإنما بعد سنوات من التحصيل الدراسي. ففي ضوابط العام الدراسي2026–2027، حددت وزارة التربية شروطاً مرتفعة للتقديم إلى مدارس المتميزين وثانويات كلية بغداد، وأخضعت المتقدمين لاختبارين، أحدهما للذكاء والآخر تحصيلي في اللغة العربية واللغة الإنكليزية والرياضيات والعلوم، في حين حددت للقبول في مدارس المتفوقين معدلاً لا يقل عن 95% وفق الضوابط المعلنة لذلك العام. وفي ضوابط لاحقة منشورة في أيلول 2026، أكدت الوزارة أن القبول في مدارس المتميزين لا يتم إلا بعد اجتياز الاختبار، كما وضعت ترتيبات خاصة لقبول الطلبة المؤهلين حتى خارج الطاقة الاستيعابية.

وهذا يعني أن الطالب العراقي الذي يدخل هذه المنافسة لا يبدأ من نقطة الصفر؛ فهو يدخلها بعد أن أثبت، وفق معيار التحصيل الدراسي، مستوى مرتفعاً من النجاح. ومن هنا تنشأ مفارقة تستحق التأمل:

 

إذا كان الطالب قد أثبت تفوقه الدراسي خلال سنوات التعليم، فهل تتمثل المشكلة في عدم وجود مدرسة خاصة به، أم في أن المدرسة العادية لم تُصمم أصلاً بحيث تستطيع التعامل مع تفاوت مستويات المتعلمين؟

إن هذا السؤال ينقل النقاش من الدفاع عن مدارس المتفوقين أو مهاجمتها إلى مستوى أعمق: ما الفلسفة التربوية الأفضل لرعاية التفوق؟

 

أولاً: التفوق الدراسي ليس مجرد رقم

يميل التفكير المدرسي التقليدي إلى اختزال التفوق في المعدل الدراسي. ولا شك في أن التحصيل الدراسي مؤشر مهم، لأنه يمثل حصيلة تفاعل الطالب مع المنهج والمدرس والأسرة والدافعية والجهد والقدرة على التعلم خلال مدة زمنية طويلة. لكنه، من الناحية النفسية، ليس صورة كاملة عن الطالب.

فالطالب الذي يحصل على معدل مرتفع يمتلك سجلاً من الأداء الأكاديمي، بينما اختبار الذكاء يقيس جوانب معينة من الأداء العقلي في موقف اختباري محدد. والاختبار التحصيلي يقيس ما يستطيع الطالب إظهاره من تعلم في مواد معينة وفي زمن محدد. ولذلك لا ينبغي النظر إلى هذه المؤشرات الثلاثة على أنها شيء واحد.

 

لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى