إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
الثقة بين المواطن والحكومة لا تُبنى بالكلام وحده، وإنما بما يراه المواطن في حياته اليومية، فالناس يثقون بمن يجدونه واضحاً في قراراته، صادقاً في وعوده، وقادراً على تحمل مسؤولية ما يتخذه من قرارات، وكلما ارتبط القرار بحياة الناس ومعيشتهم، أصبحت هذه الثقة أكثر أهمية.
وفي العراق من الصعب أن نتحدث عن الثقة في القرارات الاقتصادية من دون التوقف عند سعر الصرف، فالدولار ليس رقماً يظهر على شاشة الصراف أو في نشرة البنك المركزي ثم ينتهي أثره؛ إنه يدخل بصورة مباشرة أو غير مباشرة في تفاصيل حياة الأسرة، فعندما تهتز قيمة الدينار، يبدأ المواطن بإعادة حساب راتبه ونفقاته، وأسعار المواد الغذائية والدواء، وكلفة السكن والتعليم والنقل، وحتى ما يستطيع أن يدخره لمستقبل أسرته.
ولهذا فإن المواطن لا ينظر إلى تغيير سعر الصرف باعتباره قراراً مالياً فحسب، وهو يسأل ببساطة:
ماذا سيحدث لراتبي؟
كم ستصبح كلفة احتياجاتي؟
وهل أستطيع أن أخطط للشهر المقبل أو السنة المقبلة؟
وهذه الأسئلة اليومية هي التي تجعل سعر الصرف مرتبطاً بالثقة، إذ شهد العراق خلال السنوات الأخيرة أكثر من تغيير في السعر الرسمي للدولار، ففي عام 2020 رُفع السعر الرسمي من 1190 إلى 1450 ديناراً للدولار في ظل ظروف مالية صعبة وانخفاض أسعار النفط وتداعيات جائحة كورونا، ثم عاد السعر في عام 2023 إلى 1320 ديناراً للدولار، وفي 7 تشرين الأول 2026 أُعلن اعتماد سعر 1520 ديناراً للدولار بعد قرار حكومي جديد بتعديل سعر الصرف.
وهذه الأرقام التي تبدو للوهلة الأولى شأناً اقتصادياً بحتاً، لها معنى مختلف عند المواطن، فالانتقال من 1320 إلى 1520 يعني أن شراء مئة دولار وفق السعر الرسمي الجديد يحتاج إلى 20 ألف دينار إضافية، وقد لا يكون هذا الفرق كبيراً في ورقة حسابية، لكنه يصبح مختلفاً عندما يتكرر أثره في أسعار السلع والخدمات التي تحتاجها الأسرة.

ومن المهم هنا ألا نخلط بين القرار الصعب والقرار الارتجالي، فقد تكون لدى الحكومة أسباب اقتصادية تدفعها إلى تغيير سعر الصرف، وقد تكون هناك ظروف مالية أو تجارية تستوجب اتخاذ إجراءات معينة، لكن وجود مبررات اقتصادية للقرار لا يلغي مسؤولية الدولة عن طريقة اتخاذه وشرحه وإدارة آثاره.
المواطن يستطيع أن يتقبل قراراً صعباً إذا فهم لماذا اتُخذ، وما الذي يُراد تحقيقه منه، وما الإجراءات التي ستتخذ لحماية أصحاب الدخول المحدودة لكنه يصبح أكثر قلقاً عندما تأتي التغييرات بصورة مفاجئة، أو عندما لا يعرف هل يمثل القرار سياسة طويلة الأمد أم خطوة مؤقتة، أو عندما يجد أن دخله لم يتغير بينما تتغير كلفة حياته.
وهنا تكمن العلاقة بين سعر الصرف والثقة، فالثقة لا تعني أن المواطن يتوقع من الحكومة أن تثبت سعر الدولار إلى الأبد، فهذا غير واقعي، لكنها تعني أن يشعر بأن هناك سياسة واضحة يمكن فهمها، وأن التغييرات لا تأتي من دون مقدمات، وأن آثارها محسوبة، وأن المواطن لن يتحمل وحده كلفة القرار.
فالأسرة العراقية لا تدير ميزانيتها على أساس المؤشرات الاقتصادية المجردة، وإنما على أساس دخل محدود ونفقات متزايدة والتزامات يومية، ورب الأسرة -نعني هنا ميسور الحال- الذي كان يستطيع أن يخصص جزءاً من راتبه للادخار قد يجد نفسه مضطراً إلى إنفاقه على احتياجات أساسية، ومن يخطط لشراء منزل أو سيارة أو دفع تكاليف دراسة أو علاج قد يؤجل خطته أو يعيد حساباتها، هنا يصبح تغير سعر الصرف أكثر من مجرد تغيير في قيمة العملة؛ يصبح تغييراً في قدرة الناس على التخطيط.
ومن جهة أخرى فإن تكرار التغييرات قد يترك أثراً على توقعات المواطن، فإذا اعتاد الناس أن تتغير القواعد الاقتصادية بين فترة وأخرى، فإنهم قد يتعاملون مع أي قرار جديد بحذر أكبر، ليس لأنهم يرفضون القرار بالضرورة، وإنما لأنهم لا يعرفون ما الذي سيأتي بعده، وهذه الحالة من عدم اليقين قد تكون في حد ذاتها جزءاً من مشكلة الثقة.
لذلك فإن إدارة سعر الصرف ليست مسؤولية اقتصادية فقط، وإنما هي أيضاً مسؤولية تتعلق بالتواصل مع المجتمع، فالقرار الذي يمس دخول الناس ومدخراتهم وأسعار حاجاتهم يحتاج إلى شرح واضح، وإلى قدر من التمهيد، وإلى إجراءات تقلل من آثاره على الفئات الأكثر تعرضاً للضرر، كما يحتاج إلى متابعة حقيقية لما يحدث في السوق، وإلى استعداد لمراجعة الإجراءات عندما تظهر نتائج لم تكن متوقعة.
وفي النهاية قد يتغير سعر الصرف بفعل الظروف الاقتصادية، وقد تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات لا تكون سهلة على المواطن، لكن ما يبقى مهماً هو أن يشعر المواطن بأن الدولة تعرف أثر قرارها عليه، وأنها لا تنظر إلى الدينار باعتباره رقماً في جداولها فقط، بل باعتباره دخلاً ومدخرات وحاجات ومستقبل أسرة.

إن قيمة الدينار يمكن أن تتغير صعوداً أو هبوطاً، لكن الثقة أصعب في الاستعادة عندما تهتز، ولذلك فإن السؤال الأهم: هل ما زال المواطن يشعر أن بإمكانه أن يخطط لحياته وهو يثق بأن القرارات التي تمس معيشته تُتخذ بوضوح واستقرار ومسؤولية؟
فحين تهتز قيمة الدينار قد ترتفع الأسعار وتتغير الحسابات؛ أما حين تهتز الثقة، فإن أثرها يتجاوز السوق ليصل إلى العلاقة نفسها بين المواطن والدولة.
نعم، وأرى أن تكون التوصيات عملية ومختصرة، وألا تبدو كأنها قائمة مطالب عامة. والأفضل أن تأتي قبل الخاتمة مباشرة، وتكون مرتبطة تحديداً بسعر الصرف والثقة.
توصيات
-
وضوح السياسة النقدية، فإعلان توجهات سعر الصرف بصورة واضحة، وبيان أسباب أي تغيير وأهدافه، بما يساعد المواطن والقطاع الخاص على بناء توقعات أكثر استقراراً.
-
تجنب المفاجأة قدر الإمكان، فالقرارات التي تمس القوة الشرائية تحتاج إلى تهيئة وشرح مسبقين متى ما سمحت الظروف، لأن عنصر المفاجأة يزيد حالة القلق وعدم اليقين.
-
حماية القوة الشرائية، فأن ترافق أي تغييرات في سعر الصرف إجراءات واضحة لحماية أصحاب الدخول المحدودة، ولا سيما الموظفين والمتقاعدين وذوي الدخل الثابت.
-
قياس الأثر قبل القرار وبعده، فلا يكفي اتخاذ القرار؛ بل ينبغي متابعة انعكاساته على الأسعار والأسواق ودخول الأسر، وإعلان النتائج بشفافية، مع الاستعداد لتعديل الإجراءات عند ظهور آثار غير مقصودة.
-
استقرار التوقعات، فالأهم للمواطن ليس ثبات سعر الصرف بصورة مطلقة، وإنما معرفة الاتجاه العام للسياسة النقدية. فاستقرار التوقعات يساعد الأسرة والتاجر والمستثمر على اتخاذ قراراتهم بثقة أكبر.
-
تعزيز التواصل مع المواطن، فينبغي شرح القرارات الاقتصادية بلغة يفهمها المواطن، بعيداً عن المصطلحات الفنية وحدها، حتى يدرك لماذا اتُخذ القرار وما الذي يعنيه له وما الإجراءات المتخذة لتخفيف آثاره.
-
ربط تغيير سعر الصرف بإصلاحات أوسع حتى لا يصبح تغيير سعر الصرف علاجاً منفرداً لمشكلات هيكلية، ينبغي أن يترافق مع سياسات تقلل الاعتماد على الاستيراد، وتدعم الإنتاج المحلي، وتنويع مصادر الدخل.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى