بقلم: د. محمد عبدالله أنور
السيادة ليست خروج الجندي فقط
في الثلاثين من أيلول، وقف العراق أمام مناسبة يفترض أن تحمل دلالة وطنية وتاريخية كبيرة، مع انتهاء المهمة العسكرية لقوات التحالف الدولي وخروج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية. ولا شك أن مغادرة القوات الأجنبية تمثل خطوة مهمة في مسار استعادة الدولة العراقية لسيادتها، وتستحق أن تُقرأ بوصفها انتقالاً من مرحلة الوجود العسكري المباشر إلى مرحلة يفترض أن تقوم فيها العلاقات بين العراق والدول الأخرى على أساس المصالح المتبادلة والاحترام المتبادل.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يرافق هذه المناسبة لا يتعلق فقط بخروج القوات الأجنبية، وإنما بما هو أعمق من ذلك: ماذا تعني السيادة بالنسبة إلى الإنسان العراقي؟
وهل السيادة أن تغادر القوات الأجنبية الأرض فقط، أم أن السيادة الحقيقية تبدأ عندما يشعر المواطن أن بلده يمتلك قراره، وأن دولته قادرة على حماية مصالحها، وأن مؤسساتها تستطيع أن تقول “نعم” أو “لا” انطلاقاً من المصلحة الوطنية، لا استجابة لضغط هذه الدولة أو تلك؟
إن السيادة في معناها الحديث ليست مجرد مفهوم قانوني يتعلق بالحدود والإقليم، وإنما هي أيضاً حالة سياسية واجتماعية ونفسية. فقد تكون الدولة مستقلة في القانون، وتمتلك علماً ودستوراً وحدوداً ومؤسسات، لكنها تظل في الواقع تعاني من ضعف في استقلال القرار بسبب اعتمادها على الخارج أو انقسامها الداخلي أو هشاشة مؤسساتها. ولذلك فإن أخطر صور فقدان السيادة ليست دائماً تلك التي تظهر في وجود جندي أجنبي على الأرض، وإنما تلك التي تتسلل إلى وعي المجتمع نفسه، عندما يعتاد الإنسان على الاعتقاد بأن الحلول الكبرى تأتي من الخارج، وأن القوى الأجنبية أقدر من دولته على تحديد مسار الأحداث.
ومن هنا يصبح يوم السيادة مناسبة لا للاحتفال فقط، بل للسؤال والمراجعة: هل استعاد العراق أرضه فحسب، أم بدأ يستعيد ثقته بنفسه أيضاً؟
المحور الأول: من السيادة السياسية إلى السيادة النفسية والاجتماعية
السيادة، في معناها السياسي، تعني امتلاك الدولة حقها في اتخاذ قراراتها وإدارة شؤونها الداخلية والخارجية بعيداً عن الإكراه الخارجي. لكن هذا التعريف، على أهميته، لا يكفي لفهم التجربة العراقية؛ لأن الدولة لا تتحرك في فراغ، وإنما تتحرك من خلال مجتمع، والمجتمع نفسه يمكن أن يكون قوياً أو ضعيفاً، واثقاً بنفسه أو فاقداً للثقة، قادراً على صناعة القرار أو معتاداً على انتظار القرار من الآخرين.
ومن هنا يمكن الحديث عن بعد آخر للسيادة، هو السيادة النفسية والاجتماعية؛ أي شعور الفرد والجماعة بأنهما قادران على التأثير في واقعهما وصناعة مستقبلهما. فالمجتمع الذي يثق بقدرته على إدارة شؤونه يكون أكثر قدرة على بناء مؤسسات قوية ورفض الوصاية، بينما المجتمع الذي تتراكم لديه خبرات الفشل والانقسام والتدخلات الخارجية قد يبدأ تدريجياً في تطوير شعور بالعجز، فيصبح الخارج في وعيه أقوى من الداخل.
وهنا تظهر مشكلة لا تقل خطورة عن التدخل السياسي نفسه. فعندما يسمع المواطن، عاماً بعد آخر، أن هذه الدولة تدعم هذا السياسي، وأن تلك الدولة تعارض ذاك، وأن قوة خارجية تستطيع التأثير في تشكيل الحكومة، أو أن دولة إقليمية قادرة على تعطيل قرار أو دفع آخر، فإن صورة الدولة في وعيه تبدأ بالتغير. وقد يصل الأمر إلى أن يصبح السؤال عن موقف الآخرين أكثر حضوراً من السؤال عن المصلحة الوطنية: ماذا تريد واشنطن؟ ماذا تريد طهران؟ ماذا تريد الدول الإقليمية؟ ومن يدعم هذا الطرف أو ذاك؟ وفي المقابل يتراجع السؤال الأكثر أهمية: ماذا يريد العراق؟
وهنا لا يعود التدخل الخارجي مجرد مشكلة سياسية، وإنما يتحول تدريجياً إلى حالة نفسية واجتماعية. فالمجتمع الذي يعتاد تفسير واقعه من خلال إرادات الآخرين قد يفقد جزءاً من ثقته بقدرته على صناعة واقعه بنفسه. وعندما تصبح هذه الحالة راسخة، فإن الخارج لا يحتاج دائماً إلى أن يتدخل بصورة مباشرة؛ لأن المجتمع نفسه يبدأ في افتراض وجوده خلف كل حدث، ويبدأ بعض الفاعلين السياسيين في البحث عن رضاه أو دعمه أو غطائه.
وهذه ربما تكون واحدة من أخطر نتائج التبعية: أن تتحول من ممارسة سياسية إلى ثقافة اجتماعية، ومن ضغط خارجي إلى استعداد داخلي لقبول هذا الضغط.
المحور الثاني: العراق بين التدخل الخارجي وأزمة الثقة بالذات
لقد عاش العراق خلال العقود الماضية ظروفاً سياسية وأمنية واقتصادية جعلته عرضة لتدخلات متعددة، ولا سيما بعد عام 2003، عندما أصبح البلد ساحة لتقاطع مصالح دولية وإقليمية واسعة. ولم يعد التدخل الخارجي يأخذ شكلاً عسكرياً مباشراً فقط، وإنما أصبح يظهر في صور متعددة: سياسية ودبلوماسية واقتصادية وأمنية، فضلاً عن تأثيره في موازين القوى داخل العملية السياسية.
لكن من الخطأ أن ننظر إلى هذه المسألة من زاوية الخارج وحده؛ لأن استمرار النفوذ الخارجي يرتبط أيضاً بقوة الداخل أو ضعفه. فالقوة الخارجية تجد طريقها إلى الداخل عندما تكون المؤسسات ضعيفة، وعندما تتحول الخلافات السياسية إلى صراعات تبحث عن الدعم خارج الدولة، وعندما يصبح الاستقواء بالخارج وسيلة للحصول على مكسب سياسي داخلي.
وهنا تظهر المفارقة المؤلمة: نحن نشتكي من التدخل الخارجي، لكن بعضنا يفتح له الباب من الداخل. فحين تستعين القوى السياسية بقوة خارجية لترجيح موقف على آخر، أو حين تصبح بعض العواصم الخارجية طرفاً غير معلن في التوازنات الداخلية، فإن المشكلة لا تعود مسؤولية الخارج وحده. إن المسؤولية تصبح مشتركة بين قوة خارجية تبحث عن مصالحها، وقوى داخلية تمنحها المجال لتحقيق تلك المصالح.
ولهذا فإن السيادة لا يمكن أن تُبنى فقط من خلال مطالبة الدول الأخرى بعدم التدخل؛ بل يجب أن تبدأ أيضاً من إعادة بناء الثقة بالدولة ومؤسساتها. فكلما كانت المؤسسة الدستورية قوية، كان السياسي أقل حاجة إلى الخارج. وكلما كان القانون محترماً، كان المواطن أقل حاجة إلى الوساطة. وكلما كانت الدولة قادرة على حماية مصالحها، أصبح تأثير القوى الخارجية أقل.
إن الدولة القوية لا تعني دولة معزولة عن العالم، وإنما دولة تستطيع أن تتعامل مع العالم من موقع الندية. أما الدولة التي تفتقد الثقة بنفسها، فقد تجد نفسها مضطرة إلى التعامل مع القوى الأخرى من موقع الخوف أو الحاجة أو الارتهان.
ولهذا فإن مشكلة السيادة العراقية ليست مشكلة حدود فقط، وإنما هي في جانب منها مشكلة ثقة: ثقة المواطن بدولته، وثقة السياسي بمؤسسات بلده، وثقة المجتمع بقدرته على صناعة المستقبل.

المحور الثالث: بين واشنطن وطهران.. السيادة التي لا تنحاز
لعل أكثر ما يربك مفهوم السيادة العراقية هو اختزاله في سؤال: هل العراق مع أميركا أم مع إيران؟
وهذا السؤال في حد ذاته يختزل العراق في صراع الآخرين. فالسيادة الحقيقية لا تعني أن يكون العراق مع واشنطن ضد طهران، ولا مع طهران ضد واشنطن، وإنما تعني أن يكون مع العراق أولاً. إن العراق يستطيع أن يقيم علاقات استراتيجية مع الولايات المتحدة، وأن يستفيد من التعاون الدولي، من دون أن يتحول إلى تابع للقرار الأميركي. كما يستطيع أن يحافظ على علاقات قوية مع إيران، بحكم الجغرافيا والتاريخ والمصالح الاقتصادية والاجتماعية، من دون أن يسمح بأن تتحول هذه العلاقات إلى وصاية على قراره الوطني.
وهذا هو المعنى الحقيقي للاستقلال في العلاقات الدولية: أن تكون للدولة مصالحها، وأن تعرف كيف تفاوض من أجلها، وأن تكون قادرة على الاختلاف مع حلفائها عندما تتعارض مصالحهم مع مصالحها.
ومن هنا يمكن النظر إلى الجدل المتعلق بالرحلات الجوية الإيرانية بوصفه مثالاً على السؤال السيادي، بعيداً عن الموقف من إيران أو الولايات المتحدة. فالمواطن العراقي لا ينظر إلى الطيران باعتباره مجرد ملف جيوسياسي؛ إنه وسيلة سفر، وعمل، واقتصاد، وزيارات، وعلاقات اجتماعية وإنسانية. ولذلك فإن شعور المواطن بأن قراراً يتعلق بالحياة اليومية لبلده يتأثر بصراع أو عقوبات أو ضغوط خارجية يثير لديه سؤالاً مشروعاً عن مدى استقلال القرار الوطني.
المسألة إذن ليست: هل ننفذ ما تريده إيران؟ ولا: هل ننفذ ما تريده أميركا؟
بل: ما الذي يراه العراق مناسباً لمصلحته، وفق دستوره وقوانينه ومؤسساته؟
هذه هي النقطة التي يجب أن يبدأ منها مفهوم السيادة. فالسيادة التي ترفض التدخل الإيراني ثم تقبل التدخل الأميركي ليست سيادة كاملة، والسيادة التي ترفض التدخل الأميركي ثم تقبل التدخل الإيراني ليست سيادة كاملة أيضاً. السيادة لا تكون انتقائية. والدولة التي تريد احترام الآخرين لها، يجب أن تبدأ باحترام قرارها الوطني.

المحور الرابع: استعادة السيادة تبدأ من استعادة الثقة
إذا أردنا أن يكون 30 أيلول بداية حقيقية لمرحلة سيادية جديدة، فإن المهمة لا تنتهي بخروج القوات الأجنبية، بل تبدأ بعدها. فخروج الجندي يمكن أن يكون قراراً سياسياً، أما استعادة الثقة فهي عملية اجتماعية ونفسية تحتاج إلى وقت ومؤسسات وممارسات يومية. نحن بحاجة إلى عراق لا يشعر فيه المواطن أن الحل دائماً في الخارج، ولا يعتقد فيه السياسي أن قوته تأتي من علاقته بهذه الدولة أو تلك، ولا تنظر فيه الأجيال الجديدة إلى الدولة بوصفها عاجزة عن حماية مصالحها.
إن بناء السيادة يبدأ من بناء المواطنة. والمواطنة لا تعني مجرد حمل الجنسية، وإنما الشعور بأن الدولة تمثل المواطن، وأن القانون يسري على الجميع، وأن صوته له قيمة، وأن المؤسسات قادرة على حمايته، وأن مستقبله لا يتحدد وفق موازين القوى الخارجية.
وحين يشعر المواطن بهذه الثقة، يصبح أكثر استعداداً للدفاع عن الدولة، وأكثر رفضاً للتدخل الخارجي، وأكثر قدرة على التمييز بين الصداقة الدولية والتبعية. كما أن بناء السيادة يتطلب تربية سياسية واجتماعية جديدة؛ تربية لا تجعل الاختلاف مع دولة أجنبية عداءً لشعبها، ولا تجعل التعاون معها تبعية لها، ولا تجعل الصداقة معها خضوعاً لإرادتها.
العراق بحاجة إلى ثقافة سياسية ناضجة تقول إن الولايات المتحدة دولة لها مصالحها، وإيران دولة لها مصالحها، وتركيا لها مصالحها، ودول الخليج لها مصالحها، كما أن للعراق مصالحه أيضاً.
والدبلوماسية الناجحة ليست في اختيار محور والانتماء إليه، وإنما في القدرة على التعامل مع المحاور كلها بما يخدم المصلحة الوطنية. إن الدولة التي تثق بنفسها لا تحتاج إلى أن تكون ضد أحد كي تثبت أنها مع نفسها.
وهنا تبرز مسؤولية النخب السياسية والثقافية والأكاديمية والإعلامية؛ إذ لا يكفي أن ننتقد التدخل الخارجي، بل يجب أن نعمل على بناء وعي اجتماعي يرفض تحويل العراق إلى ساحة صراع بين الآخرين. فالمجتمع الذي يضع مصلحته الوطنية فوق الولاءات الخارجية هو خط الدفاع الأول عن السيادة.
خاتمة
هل خرج الأجنبي من الأرض فقط أم من الوعي أيضاً؟
إن 30 أيلول يمكن أن يكون يوماً مهماً في تاريخ العراق، لكنه لن يكون نهاية قصة السيادة، بل بداية اختبارها الحقيقي. فخروج القوات الأجنبية من الأراضي العراقية خطوة مهمة، لكنها لا تكفي وحدها. فقد يخرج الجندي ويبقى النفوذ، وقد تنتهي المهمة العسكرية وتبقى التبعية الاقتصادية أو السياسية، وقد تتغير أشكال التدخل بينما يبقى أثرها في الوعي الاجتماعي.
ولهذا فإن السؤال الأكثر أهمية في يوم السيادة ليس: هل خرج الأجنبي من العراق؟
بل:
-
هل خرجت فكرة الاعتماد على الأجنبي من عقل العراقي؟
-
هل أصبح المواطن يثق بأن دولته قادرة على حماية مصالحه؟
-
هل أصبح السياسي يؤمن بأن قوته تستمد من مؤسسات الدولة لا من علاقاته الخارجية؟
-
هل أصبحت القوى السياسية ترى في الدستور مرجعيتها الأولى، وفي الشعب مصدر شرعيتها، وفي المصلحة الوطنية معياراً لقراراتها؟
إذا تحقق ذلك، فإن العراق يكون قد بدأ فعلاً باستعادة سيادته.
أما إذا بقي العراقي ينظر إلى الخارج باعتباره الحكم النهائي في شؤونه، وبقي السياسي يبحث عن قوة خارجية تحمي موقعه، وبقي المجتمع منقسماً بين محاور الآخرين، فإن السيادة ستظل ناقصة مهما ارتفعت راياتها ومهما خلا العراق من الجنود الأجانب.
إن السيادة الحقيقية ليست أن نغلق أبوابنا أمام العالم، وإنما أن نفتحها بإرادتنا. وليست أن نعادي أميركا أو إيران أو أي دولة أخرى، وإنما أن نتعامل مع الجميع من موقع الندية والمصلحة.
وليست أن نرفض الآخر، وإنما أن نرفض أن يكون الآخر هو الذي يقرر عنا.
لقد آن للعراقي أن ينتقل من سؤال: ماذا يريد الآخرون منا؟ إلى سؤال: ماذا نريد نحن لأنفسنا؟ وهنا تبدأ السيادة الحقيقية.
فالجندي يستطيع أن يغادر الأرض في يوم واحد، لكن استعادة الثقة بالنفس الوطنية تحتاج إلى سنوات.
والحدود يمكن أن تحمي الدولة، والمؤسسات يمكن أن تديرها، والقوانين يمكن أن تنظمها، لكن السيادة في أعمق معانيها تبدأ من عقل الإنسان، ومن إيمانه بأن وطنه قادر على أن يقرر مصيره بنفسه.
ولهذا، فإن 30 أيلول لا ينبغي أن يكون فقط يوم خروج القوات الأجنبية، بل ينبغي أن يكون يوم بدء خروج العراق من ثقافة الوصاية.
وعندها فقط نستطيع أن نقول: لقد خرج الأجنبي من الأرض، وبدأ العراق يستعيد نفسه.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى