التدمير الخلّاق والاقتصاد العراقي.. من الريع إلى الابتكار
بقلم: د. حسن هاشم حمود
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
يُعد مفهوم التدمير الخلّاق الذي شكّل لفترة طويلة محوراً أساسياً في دراسات الابتكار من إسهامات جوزيف ألويس شومبيتر (1883–1950)، الذي يُنظر إليه على نطاق واسع بوصفه الأب المؤسس لهذا الحقل، وقد قدّم شومبيتر هذا المفهوم في كتابه الرأسمالية والاشتراكية والديمقراطية، الذي كُتب في سياق الاضطرابات الشديدة التي رافقت الحرب العالمية الثانية، إلى جانب صعود الاشتراكية والكِينزية، حيث كانت أسس النظام الرأسمالي الاجتماعي-السياسي موضع تساؤل جدي.
Joseph Schumpeter
وانطلاقاً من هذا القلق، طرح شومبيتر مفهوم التدمير الخلّاق لوصف العملية الاقتصادية التي تُجسّد الاقتصاد الرأسمالي، والتي وصفها بأنها “عواصف دائمة من التدمير الخلّاق”، وأوضح أن فتح أسواق جديدة، سواء كانت داخلية أو خارجية، والتطور التنظيمي من الورش الصغيرة إلى الشركات الكبرى، يمثلان عملية تحول صناعي مستمرة تُحدث ثورة دائمة في البنية الاقتصادية من الداخل، من خلال تدمير القديم باستمرار وخلق الجديد باستمرار.
وبهذا يُعرّف شومبيتر التدمير الخلّاق بوصفه عملية تطورية وديناميكية تمثل جوهر الرأسمالية، تتولد من خلالها التحولات الاقتصادية عبر إدخال سلع وتقنيات وأساليب إنتاج ونقل وأسواق وأشكال تنظيم صناعي جديدة، بحيث يؤدي ظهور الجديد إلى إعادة تشكيل البنية الاقتصادية من الداخل، وفي الوقت نفسه إلى إزاحة أو تدمير المنتجات والتقنيات والمؤسسات والاستثمارات وأساليب الإنتاج القائمة، ومن ثم لا يشير التدمير الخلّاق إلى التدمير بمعناه السلبي أو المادي، وإنما إلى عملية مستمرة من إعادة تخصيص الموارد ورأس المال والعمل، تتراجع فيها الأنشطة التي فقدت قدرتها على المنافسة، بينما تنمو أنشطة جديدة أكثر ابتكاراً وإنتاجية، وبذلك يصبح التدمير والخلق وجهين متلازمين لعملية واحدة هي التطور الرأسمالي.
وفي هذا المقال سنوظّف مفهوم التدمير الخلّاق لتحليل واقع الاقتصاد العراقي، والبحث في مدى إمكانية توظيف آلياته في تجاوز بعض الاختلالات الهيكلية، وتحفيز الابتكار، وإعادة تخصيص الموارد نحو القطاعات الأكثر إنتاجية، بما يسهم في تنويع الاقتصاد ودعم نموه المستدام.
اولاً: تبنّي التكنولوجيا والابتكار والتنمية الاقتصادية في العراق
يكتسب التمييز بين الابتكار عند الحدّ التكنولوجي وتبنّي التكنولوجيا القائمة أهمية خاصة في الحالة العراقية. فالعراق لا يواجه في المقام الأول مشكلة غياب القدرة على اختراع التقنيات بقدر ما يواجه تحديات تتعلق بضعف تبنّي التكنولوجيا ونقلها وتكييفها وتوطين استخدامها داخل القطاعات الاقتصادية والإنتاجية، ولذلك فإن السياسة الاقتصادية العراقية قد تحقق عوائد أكبر، من التركيز على رفع قدرة الشركات والمؤسسات على استخدام التكنولوجيا المتاحة عالمياً، بدلاً من توجيه الموارد المحدودة بصورة أساسية نحو البحث والتطوير عند الحد التكنولوجي.
وتتجلى هذه المسألة بوضوح في قطاعات النفط والطاقة والصناعة والزراعة والنقل والخدمات الحكومية، فوجود التكنولوجيا على المستوى العالمي لا يعني بالضرورة القدرة على استخدامها بكفاءة داخل الاقتصاد العراقي؛ إذ قد تعوق عملية التبنّي مجموعة من القيود المرتبطة بالبنية التحتية، والمهارات، والتمويل، والبيئة التنظيمية، وضعف القدرات الإدارية والمؤسسية، ومن ثم فإن الفجوة التكنولوجية العراقية هي في جانب مهم منها، فجوة في القدرة على التبنّي والتكييف والتنفيذ.
ومن منظور شومبيتيري، ينبغي ألا يُنظر إلى التبنّي بوصفه مرحلة أدنى من الابتكار، بل باعتباره جزءاً من عملية النمو نفسها، فاستيراد التكنولوجيا لا يولد قيمة اقتصادية تلقائياً؛ إذ يتطلب تحقيق مكاسب الإنتاجية وجود شركات قادرة على التعلم والتكيف وإعادة تنظيم عمليات الإنتاج، ومن هنا فإن التحدي العراقي يتمثل في الانتقال من مجرد استيراد التكنولوجيا إلى استيعابها وتوطينها ثم تطوير تطبيقات محلية لها.
ويتطلب تحقيق ذلك مجموعة من السياسات، من أهمها بناء سياسات تربط الاستثمار في رأس المال المادي بالاستثمار في رأس المال البشري من خلال تحسين التعليم والتدريب المهني، وتطوير مهارات العاملين، وتحسين البنية التحتية، وتوفير بيئة تنظيمية مناسبة، وتشجيع المنافسة، ومساعدة الشركات المحلية على التعلم والاستفادة من التكنولوجيا المستوردة، ومن ثم يمكن أن يكون تبنّي التكنولوجيا نقطة بداية للابتكار المحلي؛ فكلما تمكنت المؤسسات والشركات العراقية من فهم التكنولوجيا واستخدامها وتطويرها، زادت قدرتها مستقبلاً على إنتاج حلول وابتكارات تتناسب مع احتياجات الاقتصاد العراقي.
ثانياً: التكنولوجيات ذات الأغراض العامة والذكاء الاصطناعي في العراق
تمثل التكنولوجيات ذات الأغراض العامة، ولا سيما الذكاء الاصطناعي والحوسبة والرقمنة، فرصة مهمة أمام الاقتصاد العراقي؛ لأنها لا ترتبط بقطاع اقتصادي واحد، وإنما يمكن توظيفها في قطاعات النفط والطاقة والصحة والتعليم والزراعة والمصارف والنقل والخدمات الحكومية.
غير أن الأثر الاقتصادي للذكاء الاصطناعي في العراق لن يتحدد بمجرد توافر التكنولوجيا، وإنما بقدرة الاقتصاد على استيعابها وتحويلها إلى إنتاجية وفرص اقتصادية جديدة، فإدخال أنظمة الذكاء الاصطناعي إلى المؤسسات التي تعاني أصلاً من ضعف البنية الرقمية أو نقص المهارات أو التعقيد الإداري قد لا يؤدي تلقائياً إلى زيادة الإنتاجية، بل قد يخلق شكلاً من أشكال “الرقمنة الشكلية” التي تغير الأدوات دون أن تغير جوهر عمليات الإنتاج والإدارة.
ومن منظور التدمير الخلّاق، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يخلق مسارين متوازيين في العراق، يتمثل الأول في إزاحة بعض المهام والأعمال التقليدية من خلال الأتمتة، بينما يتمثل الثاني في خلق مهام جديدة مرتبطة بتحليل البيانات والبرمجة وإدارة الأنظمة الرقمية والأمن السيبراني وتطوير التطبيقات، ولذلك فإن تأثير الذكاء الاصطناعي في سوق العمل لن يكون محصوراً في عدد الوظائف التي يمكن أن تختفي، بل ينبغي النظر كذلك إلى الوظائف والأنشطة الاقتصادية التي يمكن أن تنشأ نتيجة استخدامه.
وتظهر هذه المشكلة بوضوح في الاقتصاد العراقي، حيث يعتمد كثير من أفراد المجتمع على القطاع العام للحصول على فرص العمل، في حين ما يزال القطاع الخاص المنتج محدوداً، وحركة إنشاء الشركات وتطورها ضعيفة، لذلك فإن إدخال الذكاء الاصطناعي في الوضع الحالي قد يؤدي فقط إلى تقليل بعض الأعمال والمهام الموجودة، من دون أن يصاحبه ظهور شركات جديدة أو خلق فرص عمل وابتكارات جديدة، وهذا يعني أن الاستفادة الحقيقية من الذكاء الاصطناعي تتطلب أولاً تحسين بيئة الأعمال ودعم القطاع الخاص وتشجيع تأسيس الشركات والمشروعات الجديدة.
ومن هنا فإن التعامل مع الذكاء الاصطناعي في العراق يجب ألا يقتصر على شراء التكنولوجيا أو إدخالها إلى المؤسسات، بل ينبغي أن يركز على تهيئة الظروف التي تسمح بالاستفادة منها، ويشمل ذلك تحسين البنية التحتية الرقمية، وتطوير التعليم والتدريب، وتحسين جودة البيانات، ودعم البحث العلمي، وتشجيع الشركات الناشئة، وتسهيل الاستثمار، وتطوير البيئة التنظيمية، وتعزيز المنافسة بين الشركات.
وبذلك، يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح في العراق أداة لتحسين الإنتاجية وخلق أنشطة اقتصادية جديدة، وليس مجرد وسيلة لأتمتة الأعمال القائمة، وهذا هو الجانب المهم من منظور التدمير الخلّاق؛ إذ لا تقتصر التكنولوجيا على استبدال بعض الأعمال القديمة، وإنما يمكن أن تفتح المجال أمام أعمال وشركات وخدمات جديدة، شرط أن يمتلك الاقتصاد العراقي القدرة على استيعابها وتطويرها.
ثالثاً: التغير التقني الموجَّه والبيئة في العراق
تكتسب فكرة التغير التقني الموجَّه أهمية خاصة في العراق بسبب طبيعة اقتصاده واعتماده الكبير على النفط فالتحدي لا يتمثل فقط في زيادة الابتكار، وإنما في تحديد الاتجاه الذي ينبغي أن يسلكه الابتكار والتكنولوجيا خلال عملية التحول الاقتصادي.
وقد أدى الاعتماد الطويل على النفط كمورد وحيد إلى تشكيل بنية اقتصادية ريعية ترتبط فيها الإيرادات العامة والتجارة والاستثمار بدرجة كبيرة بقطاع النفط، وفي مثل هذه البيئة، قد تكون الحوافز الاقتصادية للابتكار الأخضر([1])، محدودة مقارنة بالحوافز المرتبطة بالأنشطة التقليدية، ولذلك فإن التحول نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة يتطلب إعادة توجيه جزء من الحوافز الاستثمارية والبحثية نحو كفاءة الطاقة، والطاقة المتجددة، وإدارة المياه، والزراعة الذكية، والنقل المستدام، والتقنيات البيئية.
ولا يعني ذلك التخلي عن قطاع النفط، وإنما استخدام الإيرادات والقدرات المتراكمة فيه لتمويل التحول التدريجي نحو قطاعات أكثر تنوعاً وأقل تعرضاً للصدمات الخارجية، وهنا يصبح التدمير الخلّاق مفهوماً ذا دلالة خاصة؛ إذ لا ينبغي أن يعني ببساطة تدمير الأنشطة القائمة، وإنما إعادة تخصيص الموارد تدريجياً من الأنشطة الأقل إنتاجية أو الأكثر تعرضاً للمخاطر إلى أنشطة أكثر إنتاجية واستدامة.
ويواجه العراق في هذا المجال تحدياً مزدوجاً: فمن جهة، يحتاج إلى تحديث القطاعات القائمة؛ ومن جهة أخرى، يحتاج إلى خلق قطاعات جديدة قادرة على استيعاب العمالة ورأس المال، ومن ثم فإن نجاح الابتكار الأخضر يعتمد على تتابع السياسات بصورة مناسبة، بحيث لا تؤدي سياسات التحول البيئي إلى تكاليف اجتماعية مفاجئة، خصوصاً في المناطق والقطاعات التي تعتمد بدرجة كبيرة على الأنشطة المرتبطة بالطاقة.
رابعاً: رأس المال البشري وتخصيص المواهب في العراق
لا يمكن بناء اقتصاد قائم على الابتكار في العراق من دون معالجة مشكلة رأس المال البشري وتخصيص المواهب، فوجود خريجين ومتخصصين لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد يستخدم هذه الطاقات في الأنشطة الأكثر إنتاجية، وتظهر المشكلة عندما يجد أصحاب المهارات العالية أنفسهم أمام فرص محدودة في البحث العلمي أو الشركات التكنولوجية أو ريادة الأعمال، فيتجهون إلى وظائف لا تستفيد بصورة كاملة من مهاراتهم.
وتكتسب هذه المسألة أهمية أكبر في اقتصاد يتمتع بقاعدة شبابية واسعة، لكنه يعاني في الوقت نفسه من اختلالات في سوق العمل ومن فجوة بين مخرجات التعليم واحتياجات السوق، ولذلك فإن الاستثمار في التعليم لا يكفي وحده؛ إذ ينبغي أن يترافق مع إصلاح آليات تخصيص المواهب، بحيث تنتقل الكفاءات إلى الشركات والقطاعات والمشروعات القادرة على تحويل المعرفة إلى قيمة اقتصادية.
ومن المنظور الشومبيتيري، يمثل ذلك شرطاً أساسياً للتدمير الخلّاق، فحتى إذا توافرت الحوافز للابتكار، فإن ضعف تخصيص المواهب يمكن أن يمنع ظهور شركات جديدة قادرة على منافسة الشركات القائمة، كما أن ضعف الفرص أمام الباحثين والمهندسين والمبرمجين ورواد الأعمال قد يؤدي إلى فقدان جزء من الإمكانات الابتكارية للاقتصاد.
وعليه فإن السياسة العراقية بحاجة إلى الانتقال من مفهوم “إنتاج الخريجين” إلى “إنتاج وتخصيص رأس المال البشري المنتج”، من خلال ربط التعليم العالي بالبحث والتطوير، وتعزيز التعليم التقني والمهني، وتشجيع الشركات على تدريب العاملين، وتسهيل انتقال المهارات بين القطاعات، وخلق بيئة أكثر ملاءمة لريادة الأعمال والابتكار.
خامساً: عدم المساواة والحراك الاجتماعي في العراق
لا ينبغي النظر إلى التدمير الخلّاق باعتباره عملية اقتصادية محايدة اجتماعياً، فالابتكار يمكن أن يولد شركات وقطاعات وفرصاً جديدة، لكنه قد يؤدي في الوقت نفسه إلى إعادة توزيع الدخل والثروة والفرص بين القطاعات والفئات والمناطق.
وفي العراق يمكن أن تظهر هذه الآثار بصورة أكثر تعقيداً بسبب التفاوت في الوصول إلى التعليم الجيد، والوظائف الرسمية، والتمويل، والتكنولوجيا، وشبكات الأعمال، ولذلك فإن الاستفادة من الابتكار لا تعتمد فقط على قدرة الأفراد على اكتساب المهارات، وإنما أيضاً على قدرتهم على الوصول إلى الفرص الاقتصادية التي يخلقها التغير التكنولوجي.
وتتمثل إحدى المخاطر في أن يؤدي التحول الرقمي إلى زيادة الفجوة بين العاملين ذوي المهارات الرقمية والعمال الذين تعتمد وظائفهم على مهام قابلة للأتمتة، كما قد تتسع الفجوة بين المناطق التي تمتلك بنية تحتية رقمية وتعليمية أفضل والمناطق التي تعاني من ضعفها.
ومن هنا فإن سياسة الابتكار في العراق ينبغي أن تكون مرتبطة بسياسة للفرص، فالتدمير الخلّاق يصبح أكثر قبولاً اجتماعياً عندما يشعر الأفراد بأنهم قادرون على الانتقال من الوظائف والقطاعات المتراجعة إلى الوظائف والقطاعات الجديدة، أما إذا ارتبط الابتكار لدى قطاعات واسعة من المجتمع بفقدان الوظائف دون وجود بدائل، فقد يتحول الدعم الاجتماعي للتكنولوجيا إلى مقاومة اجتماعية وسياسية لها.
الاستنتاجات
لا تكمن المشكلة الأساسية للاقتصاد العراقي في غياب التكنولوجيا، وإنما في ضعف القدرة على تبنّيها وتوطينها وتحويلها إلى إنتاجية وابتكار محلي.
الاعتماد الكلي على النفط يضعف التدمير الخلّاق في العراق، لأنه يحدّ من تنوع الاقتصاد ويقلل من ظهور شركات وقطاعات جديدة.
يمثل الذكاء الاصطناعي فرصة حقيقية للاقتصاد العراقي لرفع الإنتاجية وتطوير الخدمات، لكنه قد يتحول إلى مصدر جديد للتفاوت إذا لم يترافق مع تطوير المهارات والبنية التحتية الرقمية ودعم الشركات المحلية.
يتطلب الابتكار الأخضر إعادة توجيه جزء من الموارد الاقتصادية نحو الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة وإدارة المياه والزراعة المستدامة، بما يساعد العراق على الانتقال التدريجي نحو اقتصاد أكثر تنوعاً واستدامة.
يمثل رأس المال البشري عنصراً حاسماً في نجاح التدمير الخلّاق، ولا سيما من خلال تحسين تخصيص المواهب وربط التعليم والبحث العلمي باحتياجات القطاعات الإنتاجية.
إن حماية العمال لا تعني حماية الوظائف المتقادمة، بل توفير آليات لإعادة التدريب والتأهيل والانتقال إلى القطاعات الجديدة التي يخلقها التغير التكنولوجي.
التوصيات
تنويع الاقتصاد العراقي من خلال تقليل الاعتماد على النفط، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات الأخرى.
دعم المؤسسات والشركات العراقية لاستخدام التكنولوجيا الحديثة وتطويرها بما يناسب احتياجات الاقتصاد العراقي، بدلًا من الاكتفاء باستيرادها.
تطوير منظومة الابتكار الوطنية من خلال تعزيز التعاون بين الجامعات ومراكز البحث العلمي والقطاع الخاص، وتحويل البحث العلمي من نشاط أكاديمي إلى مصدر للحلول والتطبيقات الاقتصادية.
وضع استراتيجية وطنية للاستفادة من الذكاء الاصطناعي تركز على التطبيقات الإنتاجية في الطاقة والصحة والزراعة والتعليم والخدمات الحكومية، مع الاستثمار في البيانات والبنية التحتية الرقمية والمهارات المتخصصة.
توجيه الابتكار نحو معالجة المشكلات الاقتصادية والبيئية العراقية، ولا سيما أزمة الطاقة والمياه والتلوث والنفايات، وتشجيع الابتكار الأخضر والطاقة المتجددة والتقنيات التي ترفع كفاءة استخدام الموارد.
إعادة بناء منظومة رأس المال البشري من خلال تطوير التعليم التقني والمهني، وتحديث المناهج، وربط مخرجات التعليم باحتياجات سوق العمل، وتشجيع التخصصات المرتبطة بالتكنولوجيا.
توفير سياسات انتقالية لحماية العمال المتضررين من التغير التكنولوجي عبر التدريب وإعادة التأهيل ودعم الانتقال بين القطاعات.
تعزيز المنافسة ومنع تحول الدعم الحكومي إلى حماية دائمة للشركات القائمة، بحيث ترتبط الحوافز والإعانات بمؤشرات واضحة للأداء والإنتاجية والابتكار ونقل التكنولوجيا.
خاتمة
يكشف توظيف مفهوم التدمير الخلّاق الشومبيتيري في تحليل الاقتصاد العراقي أن التحدي لا يتمثل في إدخال التكنولوجيا والابتكار إلى الاقتصاد فحسب، وإنما في قدرة البيئة الاقتصادية والمؤسسية على تحويلهما إلى قوة لإعادة تشكيل بنية الإنتاج، فاقتصاد يعتمد بدرجة كبيرة على النفط، ويعاني من ضعف تنوعه الإنتاجي ومحدودية ديناميكية القطاع الخاص، يحتاج إلى انتقال تدريجي من حماية البنى الاقتصادية القائمة إلى تشجيع الشركات والقطاعات الجديدة القادرة على خلق القيمة والإنتاجية.
وفي هذا المجال لا ينبغي النظر إلى التدمير الخلّاق باعتباره تدميراً للأنشطة القائمة، وإنما باعتباره عملية لإعادة تخصيص الموارد ورأس المال والعمل والمعرفة نحو استخدامات أكثر إنتاجية، ويشمل ذلك تعزيز تبنّي التكنولوجيا، وتطوير الذكاء الاصطناعي، وتشجيع الابتكار الأخضر، والاستثمار في رأس المال البشري، وتهيئة بيئة أكثر تنافسية أمام الشركات الجديدة.
غير أن نجاح هذه العملية في العراق يتوقف على قدرة الدولة على إدارة التحول، لا على إيقافه؛ أي حماية العمال والمجتمعات المتضررة من التغيير من دون حماية التقنيات والأنشطة المتقادمة، ومن هنا فإن بناء مؤسسات داعمة للمنافسة والابتكار، وربط التعليم بسوق العمل، وتوسيع فرص التمويل، وتنويع الاقتصاد، تمثل شروطاً أساسية لجعل التدمير الخلّاق قوة للنمو بدل أن يتحول إلى مصدر جديد للتفاوت.
وعليه فإن الاستفادة من الفكر الشومبيتيري في الحالة العراقية تقتضي الانتقال من سؤال كيف نحافظ على الاقتصاد القائم؟ إلى سؤال أكثر ارتباطاً بالمستقبل: كيف نبني اقتصاداً قادراً على التجدد المستمر؟. فمستقبل الاقتصاد العراقي لن يتحدد فقط بكمية الموارد التي يمتلكها، وإنما بقدرته على تحويل هذه الموارد إلى معرفة، والمعرفة إلى ابتكار، والابتكار إلى إنتاجية، والإنتاجية إلى اقتصاد متنوع ومستدام وقادر على خلق فرص جديدة.