بقلم: د. استبرق ياسين الياسري
لم تعد الجريمة في عصر وسائل التواصل الاجتماعي مجرد واقعة جنائية تبدأ ببلاغ وتنتهي بإجراء قضائي، بل أصبحت في كثير من الأحيان مادة إعلامية قابلة لإعادة الإنتاج والتوظيف السياسي والاجتماعي. فالجريمة التي تقع في مكان ما يمكن أن تنتقل خلال دقائق من نطاقها الجغرافي المحدود إلى فضاء رقمي واسع، إذ يعاد نشرها وتعليقها وتأويلها وربطها بابعاد سياسية أو مذهبية أو اجتماعية قد تتجاوز بكثير طبيعة الواقعة نفسها.
وتزداد خطورة هذه العملية عندما تدخل على خط التغطية حسابات مؤثرة ومدونون ومنظمات ناشطة تمتلك أجندات سياسية أو أيديولوجية أو مصالح مالية؛ إذ يمكن أن تتحول الجريمة من حادثة يتحمل مسؤوليتها مرتكبها إلى وسيلة لبناء صورة سلبية عن جماعة اجتماعية أو مذهبية بأكملها، وفي هذه الحالة لا يكون الهدف الضمني هو التعريف بالجريمة فحسب، وإنما إعادة تعريف الجماعة من خلال الجريمة.
فبدل أن يكون السؤال: من ارتكب الجريمة؟ وما ظروفها؟ وما المسؤولية القانونية المترتبة عليها؟، يصبح السؤال الذي تصنعه بعض الخطابات الرقمية: إلى أي جماعة ينتمي الجاني؟ وماذا تقول جريمته عن هذه الجماعة؟
وهنا يبدأ الانتقال الخطير من المسؤولية الفردية إلى الوصم الجماعي.
اولاً: الجريمة حين تغادر مكانها
الجريمة بطبيعتها حدث محلي؛ تقع في شارع أو منزل أو مؤسسة أو مدينة، ولها ضحايا ومرتكبون وملابسات محددة، لكن وسائل التواصل الاجتماعي تنزع عنها هذا الطابع المحلي، وتضعها داخل فضاء مفتوح يمكن فيه لأي حساب أن يعيد تعريف الحدث.
قد يبدأ الأمر بصورة أو مقطع فيديو أو خبر قصير، ثم يدخل المدون على الخط فيضيف عنواناً مثيراً، ويعيد نشر المادة عشرات المرات، ثم تأتي صفحات أخرى فتربط الواقعة بانتماء الجاني، وبعد ذلك تتحول الحادثة إلى موضوع سياسي أو مذهبي، والهدف من ذلك بناء صورة نمطية لجماعة ما بهدف التشوية والوصم هكذا تمر الجريمة بسلسلة من التحولات.
وفي هذه العملية قد لا تكون المعلومات الأساسية كاذبة بالضرورة؛ فقد يكون الشخص قد ارتكب الجريمة بالفعل، وقد يكون منتمياً فعلاً إلى جماعة معينة، لكن المشكلة تكمن في ما يحدث بعد ذلك: لماذا جرى إبراز انتمائه؟ ولماذا تكرر ذكره؟ ولماذا أصبحت هويته أكثر حضوراً من تفاصيل الجريمة نفسها.
ونحن هنا نتسأل لماذا في الوقت نفسه عندما تقع جريمة ابشع في مكان آخر ضمن اقليم معين ومرتكبة من قبل مكون أو قومية أخرى لا نجد هؤلاء المدونون والمنظمات ان تتوجه بنفس الإدانة وبنفس التغطية والتضخيم في مواقع التوصل الاجتماعي؟
هذه الأسئلة هي التي تكشف الجانب الأكثر خطورة في التوظيف السياسي والاجتماعي للجريمة.
ثانياً: المدون الذي لا ينقل الجريمة بل يعيد تفسيرها
في البيئة الرقمية، لم يعد المدون مجرد ناقل للمعلومة، فبإمكانه أن يختار ما ينشر، وما يتجاهل والصورة التي يضعها، والعنوان الذي يستخدمه، والمعلومات التي يكررها، والتعليقات التي يبرزها، والوسوم التي يربط بها المنشور، ومن خلال هذه الاختيارات يستطيع أن يمنح الجريمة معنى يتجاوز معناها القانوني.
فقد ينشر مدون أو جهةً ما جريمة ارتكبها شخص من مكون معين، لكنه لا يكتفي بذكر الجريمة، وإنما يكرر اسم المنطقة التي ينتمي إليها الجاني، وانتماءه المذهبي أو القومي، ويضع ذلك في العنوان، ثم يربطه بحوادث سابقة، ويستدعي تعليقات تتحدث عن «طبيعة» الجماعة أو «ثقافتها» أو سلوكها.
وعند تكرار هذا النمط لا يعود الجمهور أمام حادثة منفردة، بل أمام سردية متكاملة تقول، بصورة مباشرة أو ضمنية، إن هناك علاقة طبيعية بين الجماعة والجريمة، وهذه هي النقطة التي يتحول فيها المدون من ناقل للحدث إلى فاعل في صناعة المعنى الاجتماعي للجريمة.

لماذا لا تكون المشكلة في ذكر هوية الجاني دائماً؟
من المهم عدم القول إن ذكر المذهب أو القومية أو المنطقة التي ينتمي إليها الجاني يمثل تحيزاً في جميع الحالات، فقد تكون الهوية ذات صلة حقيقية بالحدث، خصوصاً إذا كانت الجريمة ذات دوافع طائفية أو سياسية أو إذا كان الانتماء جزءاً من الوقائع التي تحقق فيها السلطات، لكن الإشكال يبدأ عندما تصبح الهوية معلومة انتقائية.
أي عندما يجري إبرازها في الجرائم التي يرتكبها أفراد من جماعة معينة، بينما يجري تجاهلها في الجرائم المماثلة أو الابشع التي يرتكبها أفراد من جماعة أخرى، عندها لا يعود السؤال: هل ذكر المعلومة صحيح؟ وإنما يصبح: لماذا تُذكر هذه المعلومة هنا، ولا تُذكر في الحالة المشابهة الأخرى؟
وهنا يظهر مفهوم ازدواجية المعايير الإعلامية. ففي الأمس القريب خرجت فتاة على مواقع التواصل الاجتماعي، منكسرةً نفسياً، تتحدث بألمٍ وحرقةٍ عمّا تعرّضت له في إقليم كردستان من تعنيف واغتصاب في الشارع، دون أن نسمع أيَّ صوتٍ يستنكر ما حدث لها من أولئك المقيمين في إقليم كردستان، ممن يدّعون الدفاع عن حقوق المرأة والنسوية، وينشطون على مواقع التواصل الاجتماعي بإصدار الإدانات، والظهور في بعض القنوات لتعظيم الجرائم الأقل حدةً عندما تقع في جنوب العراق.
وهذا يعد أحد أخطر أنماط الخطاب الرقمي هو التعامل مع الجاني المنتمي إلى جماعة معينة باعتباره ممثلاً لجماعته فعندما يرتكب شخص من جماعة ما جريمة، تبدأ بعض الحسابات في استخدام عبارات من قبيل «أبناء هذه المنطقة»، أو «أتباع هذا التيار»، أو «هذا المكون»، أو تستدعي تاريخاً من الصراعات لتضع الجريمة الحالية داخل رواية جماعية.
في حين يتم التعامل بازدواجية مع جرائم أكثر بشاعة أو مشابة ترتكب من قبل شخص من جماعة أخرى، فقد تختفي هويته الاجتماعية من الخطاب تماماً، ويصبح التركيز على أنها جريمة فردية أو لا نسمع أي صوت أو ادانه للجريمة.
ثالثاً: الصمت يمكن أن يكون موقفاً
في وسائل التواصل الاجتماعي، لا يظهر الانحياز فقط فيما ينشره المدون أو المنظمة، وإنما قد يظهر أيضاً في ما لا ينشره. قد يكون حساب معين شديد النشاط عندما تقع جريمة في منطقة مرتبطة بمكون معين. ينشر الخبر، ثم يعيد نشره، ويطالب بالمحاسبة، ويستخدم عبارات غاضبة، ويطلق وسماً، ويستضيف شخصيات للحديث عن الواقعة.
لكن عندما تقع جريمة أشد في مكان آخر، وتكون هوية الجاني مختلفة، لا نجد المستوى نفسه من التفاعل.
هنا لا يمكن القول من حادثة واحدة إن الحساب متحيز؛ فقد توجد أسباب أخرى، لكن إذا تكرر الأمر عشرات المرات، يصبح الصمت الانتقائي نمطاً قابلاً للتحليل.
رابعاً: صناعة الأرشيف السلبي لجماعة معينة
قد لا يكون الهدف من المنشور الواحد تشويه جماعة كاملة، لكن التكرار يصنع شيئًا أخطر: أرشيفاً رقمياً سلبياً، ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن لهذا التكرار أن يجعل العلاقة بين الجماعة والجريمة أكثر سهولة في الاستحضار الذهني، وهذا يرتبط بمفاهيم مثل إتاحة المعلومات ذهنياً (Availability) والتنميط الاجتماعي، فتصبح الجماعة حاضرة في ذهن المتلقي عند الحديث عن الجريمة حتى عندما لا تكون هناك علاقة بين الجماعة والجريمة الجديدة.
فبعض الجهات المدفوعة الثمن لا تحتاج إلى اختلاق قصة لكي تؤثر فيها، قد يكون دورهم مجرد تضخيمها. فهو يختار قصة حقيقية، ثم يعيد نشرها عشرات المرات، ويضعها في سياق سياسي، ويستدعي حوادث قديمة، ويستخدم وسوماً واسعة الانتشار، ويحث متابعيه على إعادة النشر، وهكذا تتحول قصة واحدة إلى حدث رقمي متكرر، ومن هنا فإن التأثير لا يرتبط فقط بعدد الجرائم التي وقعت، وإنما بعدد المرات التي ظهرت فيها الجريمة أمام الجمهور.
خاتمة
إن أخطر ما يمكن أن تفعله بعض الشبكات الإعلامية والرقمية ليس اختلاق جريمة لم تقع، وإنما استخدام جريمة حقيقية وقعت بالفعل لبناء رواية غير عادلة عن جماعة كاملة. فالجريمة الحقيقية قد تصبح مادة للتشويه عندما تُنتزع من إطارها الفردي، ويُضخم انتماء مرتكبها، وتُربط بمنطقته ومكونه، وتُستدعى جرائم سابقة لإسناد صورة نمطية إليه، ثم يجري تعميم فعله على ملايين الأشخاص الذين لا علاقة لهم بالجريمة.
وفي المقابل، عندما تقع جريمة أكثر خطورة من جانب أفراد ينتمون إلى مكون آخر، قد يجري التعامل معها باعتبارها حادثة فردية، أو قد يصمت بعض المدونين والمنظمات الذين كانوا في الحالة الأولى شديدي النشاط.
هنا يصبح الصمت جزءاً من القصة، كما يصبح الكلام جزءاً منها.
وبالتالي لا تعود وسائل التواصل الاجتماعي مجرد فضاء لنقل أخبار الجريمة، بل يمكن أن تصبح أداة لإنتاج صورة اجتماعية عن الجاني النموذجي والجماعة الخطرة، بما يحمل ذلك من آثار على الثقة بين المكونات، وعلى السلم الاجتماعي، وعلى العدالة، وعلى قدرة المجتمع على النظر إلى الجريمة بوصفها فعلاً فردياً يخضع للقانون، لا مناسبة لمعاقبة جماعة كاملة رمزياً.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى