المواطنة بين الاستثناء السيادي والهندسة الاجتماعية القسرية في البحرين
بقلم: د. حسن هاشم حمود
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لا تكمن خطورة السلطة السياسية الحديثة في قدرتها على سنّ القوانين فحسب، بل في قدرتها الأعمق على إعادة تشكيل معنى “المواطنة” ذاته، فالمواطنة التي يُفترض أنها رابطة قانونية ثابتة تقوم على المساواة أمام الدولة، قد تتحول في بعض السياقات السياسية إلى مفهوم مرن يُعاد تعريفه وفق اعتبارات السلطة التنفيذية ومصالحها السياسية والأمنية التعسفية.
في هذا الإطار، يصبح المواطن ليس مجرد حامل لحقوق ثابتة، بل موضوعًا قابلاً لإعادة التقييم: من هو “المواطن الصالح”، ومن هو “المواطن المشكوك فيه”، ومن يمكن أن يُستبعد كليًا من دائرة الانتماء الوطني. وهذه العملية لا تتم دائمًا عبر العنف المباشر، بل عبر أدوات قانونية وإدارية تبدو في ظاهرها شرعية، مثل سحب الجنسية، أو إسقاط الهوية الوطنية، أو تقييد الحقوق الأساسية، ولا يقتصر أثر إسقاط الجنسية على فقدان الوضع القانوني للمواطنة، بل يمتد إلى تفكيك مبدأ المساواة القانونية ذاته، إذ يُحوَّل الفرد إلى كيان قانوني هشّ يمكن إعادة تصنيفه أو استبعاده بقرار إداري، وهذا يفتح الباب أمام نمط أوسع من الإقصاء غير المباشر، يشمل الحرمان من العمل، وتقييد الحركة، ومنع الوصول إلى الخدمات العامة، وأحيانًا دفع الأفراد نحو المنفى القسري أو الانقطاع الكامل عن المجال العام.
ومن منظور أوسع، فإن هذه السياسات تعكس تحولًا في وظيفة الدولة الحديثة نفسها: من دولة تقوم على مبدأ احتكار العنف ضمن إطار قانوني يساوي بين المواطنين، إلى دولة تُعيد توزيع الحقوق وفق اعتبارات طائفية ومذهبية وسياسية وهوياتية متغيرة. وهنا تتقاطع هذه الممارسات مع ما تشير إليه الأدبيات النقدية في القانون الدستوري حول “العنف الإداري غير المرئي”، أو ما يسميه عالم الاجتماع الفرنسي بورديو بالعنف الرمزي، إذ لا يُمارس الإقصاء دائمًا عبر القمع المباشر، بل عبر أدوات قانونية تبدو شكلية، لكنها تنتج نتائج اجتماعية عميقة تحت مبررات الأمن القومي أو حماية النظام العام.
وتبرز هذه الإشكالية بوضوح في حالة البحرين، لا سيما منذ احتجاجات عام 2011، إذ برزت سياسات سحب الجنسية بوصفها إحدى الأدوات المستخدمة في إدارة المجال السياسي والأمني. فقد ارتبطت هذه الإجراءات، في كثير من الحالات، باستهداف معارضين سياسيين ونشطاء ورجال دين وشخصيات عامة، الأمر الذي أثار انتقادات واسعة من منظمات حقوقية دولية اعتبرت أن إسقاط الجنسية جرى بصورة تعسفية ومتناقضة مع مبادئ الحقوق الدستورية والمواثيق الدولية المتعلقة بمنع انعدام الجنسية وحماية الحق في المواطنة. ففي هذا المقال سنسلط الضوء على هذه الظاهرة من ناحية اجتماعية.
أولًا: الجنسية بين حق امتلاك الحقوق والحياة العارية والامة المتخيلة
يمكن فهم التحولات المعاصرة في سياسات سحب الجنسية بوصفها عودةً لإشكالية مركزية في الفكر السياسي الحديث، تتمثل في العلاقة بين المواطنة وحق الإنسان في الحماية القانونية والسياسية، فقد قدّمت حنة أرندت تصورًا تأسيسيًا حين وصفت المواطنة بأنها “الحق في أن يكون للإنسان حقوق”، مؤكدة أن فقدان الانتماء السياسي لا يعني مجرد فقدان بعض الحقوق، بل انهيار الإطار الذي يجعل الحقوق ذاتها ممكنة ونافذة، فالأفراد الذين يُحرمون من الانتماء إلى جماعة سياسية منظمة لا يعودون محميين فعليًا ضمن النظام الدولي لحقوق الإنسان، إذ تبقى هذه الحقوق، في مستوى جوهري، مرتبطة بالدولة التي تعترف بالفرد بوصفه مواطنًا.
ورغم توسع منظومة حقوق الإنسان الدولية بعد الحرب العالمية الثانية، فإن هذا الارتباط البنيوي بين الحقوق والمواطنة لم يتراجع، بل أُعيد إنتاجه داخل النظام الدولي ذاته من خلال نظام الدولة القومية. فالاتفاقيات الخاصة بمكافحة انعدام الجنسية لم تُلغِ مركزية الدولة، بل كرّستها عبر محاولة ضمان ألّا يُترك أي فرد خارج نظام الاعتراف القانوني الذي تتحكم به الدول، وبهذا المعنى لا يزال الإنسان الحديث يُعرَّف قانونيًا وسياسيًا بوصفه “مواطنًا في دولة ما”، وليس بوصفه ذاتًا حقوقية مستقلة عن الانتماء السياسي.
غير أن التحولات الأمنية والسياسية في العقود الأخيرة، ولا سيما بعد أحداث 11 أيلول، أعادت فتح هذا الإطار النظري عبر إعادة تسييس المواطنة نفسها، فقد أصبح سحب الجنسية أحد الأدوات المركزية في سياسات الأمن القومي، حيث لم يعد يُنظر إلى الجنسية بوصفها حقًا ثابتًا، بل بوصفها وضعًا مشروطًا بالسلوك السياسي والأمني للفرد، وبهذا المعنى يُعاد تشكيل المواطن “غير الموالي” بوصفه تهديدًا داخليًا يمكن تحويله قانونيًا إلى “أجنبي قابل للإقصاء أو الطرد”، وهو ما يعيد إنتاج منطق الاستبعاد داخل قلب الدولة الحديثة، حتى في الأنظمة التي تعلن التزامها بالحقوق الدستورية والإنسانية.
الفيلسوف الإيطالي Giorgio Agamben جورجيو أغامبين
في هذا السياق، يقدم الفيلسوف الإيطالي جورجيو أغامبين Giorgio Agamben إطارًا تحليليًا مكملًا لتصور أرندت، من خلال مفهوم “الحياة العارية” (bare life)، أي ذلك الوضع الذي يُجرَّد فيه الفرد من الحماية السياسية والقانونية، ليصبح مجرد كائن بيولوجي خاضع لسلطة الدولة دون تمتع فعلي بحقوق سياسية. إن سحب الجنسية، في هذا المنظور، لا يمثل مجرد إجراء قانوني إداري، بل هو آلية لإنتاج هذا النوع من الوجود المجرّد من الانتماء القانوني والاجتماعي والسياسي، إذ يُنقل الفرد من موقع “المواطن” إلى موقع “الاستثناء”، أي خارج دائرة الحماية المعيارية للقانون.
وعليه، فإن سحب الجنسية لا يمكن فهمه فقط بوصفه عقوبة أو تدبيرًا إداريًا، بل بوصفه ممارسة سيادية تُعيد إنتاج الحدود بين من يُعتبرون “أعضاء طبيعيين” في الجماعة الاجتماعية والسياسية، ومن يُعاد تعريفهم كتهديدات يجب استبعادها. ويتقاطع هذا المنطق مع تحليل أرندت لحالة انعدام الجنسية بوصفها الشكل الأكثر تطرفًا لفقدان الحقوق، حيث لا يعود الفرد مجرد محروم من الحقوق، بل يصبح غير مرئي داخل النظام القانوني والسياسي ذاته.
ومن منظور اجتماعي، يمكن ربط هذا التحليل مباشرة بفكرة “الجماعات المتخيلة” التي صاغها بندكت أندرسون بوصفها الإطار الذي تُبنى داخله الأمة الحديثة، وتُعاد فيه إنتاج الحدود بين “المنتمين” و”المستبعدين”. فالمواطنة لا تُختزل في بعدها القانوني، بل ترتبط أيضًا بعملية تخييل جماعي تنتج تصورًا عن “نحن” الوطنية بوصفها جماعة متجانسة ومتماسكة، في مقابل “آخر” يُنظر إليه بوصفه تهديدًا أو عنصرًا غير منسجم مع سردية الأمة.
وبمجرد أن يُجرَّد الأفراد من جنسيتهم، فإنهم لا يفقدون مجرد وثيقة قانونية، بل يُعاد تعريفهم داخل بنية “الجماعة المتخيلة” بوصفهم خارجين عن سردية الأمة نفسها. فالدولة القومية لا تكتفي بتنظيم الحقوق، بل تقوم أيضًا بعملية “إنتاج للأمة” عبر تحديد من يحق له الانتماء ومن يجب استبعاده. ومن هنا، فإن انعدام الجنسية يمثل لحظة انهيار قسري لموقع الفرد داخل الجماعة الوطنية، حيث يُعاد إنتاجه اجتماعيًا وسياسيًا بوصفه “غير قابل للانتماء”.
احتجاجات البحرين 2011
وفي هذا المعنى، يصبح سحب الجنسية آلية تخييلية معكوسة، لأنه لا يكتفي بإعادة تعريف الوضع القانوني للفرد، بل يعمل على تفكيك “الأمة المتخيلة” نفسها عبر إخراج بعض الأفراد من حدودها الرمزية والاجتماعية والسياسية. فالدولة، عندما تنزع الجنسية عن مواطن، لا تعلن فقط إنهاء رابطة قانونية، بل تُصدر حكمًا رمزيًا يقضي بأن هذا الفرد لم يعد جزءًا من “نحن” الجماعية. وهنا تتحول الجنسية إلى أداة لإعادة رسم الحدود الأخلاقية والسياسية للأمة، حيث يُعاد إنتاج التمييز بين “المواطن الجدير بالانتماء” و”الآخر الداخلي” الذي يُوصم أو يُنظر إليه باعتباره خطرًا على وحدة الجماعة أو نقائها السياسي.
وبذلك، فإن أخطر ما في سحب الجنسية لا يكمن فقط في نتائجه القانونية والإدارية، بل في قدرته على تحويل المواطن إلى “حياة قابلة للتجريد” دون الحاجة إلى إعلان حرب أو ممارسة اعتقال مباشر. فالفرد يُدفع تدريجيًا إلى حالة من “الوجود المعلّق”، حيث يفقد الحماية القانونية والسياسية دون أن يختفي جسديًا من المجال الاجتماعي. وهذا ما يجعل إسقاط الجنسية شكلًا حديثًا من النفي السياسي، لأن الدولة لا تُبعد الفرد مكانيًا فقط، بل تعيد إنتاجه بوصفه خارجًا عن الأمة ذاتها.
وتبرز هذه الديناميكية بصورة واضحة في حالة البحرين، إذ تحوّل سحب الجنسية، خصوصًا منذ عام 2011، إلى أداة ذات أبعاد سياسية وأمنية استُخدمت في مواجهة المعارضين السياسيين والنشطاء الحقوقيين ورجال الدين وبعض الفاعلين في المجال العام. ففي هذا السياق، لم يعد إسقاط الجنسية مجرد إجراء قانوني استثنائي، بل أصبح جزءًا من استراتيجية أوسع لإعادة تعريف حدود الانتماء الوطني وإعادة تشكيل المجال السياسي وفق معيار الولاء للسلطة. وقد أدى ذلك إلى إنتاج ثنائية حادة بين “المواطن الموالي” و”المواطن المشكوك في انتمائه”، بما جعل الجنسية أداة للضبط السياسي والرمزي، لا مجرد رابطة قانونية بين الفرد والدولة.
ومن خلال هذه الممارسة، يتضح كيف يمكن للسلطة أن تستخدم الجنسية بوصفها أداة لإعادة إنتاج “الأمة المتخيلة” بطريقة إقصائية، حيث يُعاد تقديم المعارض أو المختلف سياسيًا باعتباره عنصرًا غريبًا عن الجماعة الوطنية، أو تهديدًا لوحدتها واستقرارها. وبهذا، لا يقتصر أثر إسقاط الجنسية على تجريد الفرد من حقوقه القانونية، بل يمتد إلى إعادة تعريفه اجتماعيًا وأخلاقيًا بوصفه خارجًا عن حدود الانتماء الوطني نفسه.
وتكمن خطورة هذه السياسة في أنها تُحوّل المواطنة من حق ثابت إلى امتياز مشروط بالولاء السياسي، بما يفتح المجال أمام إعادة تصنيف المواطنين وفق اعتبارات أمنية أو أيديولوجية. كما تؤدي هذه الممارسات إلى تعميق هشاشة الحقوق، لأن الحماية القانونية تصبح مرتبطة بدرجة القبول السياسي من قبل السلطة، لا بمبدأ المواطنة المتساوية. وفي هذا السياق، تبدو حالة البحرين مثالًا واضحًا على الكيفية التي يمكن أن تتحول فيها الجنسية إلى أداة سيادية لإدارة الاختلاف السياسي، عبر إنتاج فئات قابلة للإقصاء القانوني والرمزي.
ومن منظور أرندت، فإن هذه الممارسات تعني دفع الفرد إلى خارج فضاء “الحق في امتلاك الحقوق”، لأن فقدان الجنسية لا يسلبه وضعه القانوني فقط، بل يحرمه من الإطار السياسي الذي يجعل الحقوق قابلة للمطالبة والتطبيق. أما في قراءة أغامبين، فإن الفرد المُجرَّد من جنسيته يتحول إلى نموذج لـ”الحياة العارية”، أي إلى ذات يمكن إخضاعها للإقصاء دون أن تتمتع بحماية سياسية فعّالة. ومن منظور أندرسون، يُصوَّر الاستبعاد القسري للفرد عند اسقاط أو سحب جنسيته بوصفه إخراجًا له من الجماعة المتخيلة وسلبًا لحقه في الانتماء إليها.
ومن ثم، فإن حالة البحرين تكشف بوضوح أن سحب الجنسية ليس مجرد تدبير قانوني مرتبط بالأمن القومي، بل ممارسة سياسية تعكس قدرة الدولة على التحكم بحدود الاعتراف والانتماء داخل الجماعة الوطنية. فالدولة الحديثة لا تمارس سيادتها فقط من خلال الاحتكار المادي للعنف أو السيطرة الأمنية، بل أيضًا من خلال امتلاك “الحق في الاستبعاد”، أي سلطة تحديد من يبقى داخل الأمة ومن يُدفع إلى هامشها القانوني والسياسي.
وبذلك، يمكن فهم انعدام الجنسية، وسحب الجنسية بصورة خاصة، ليس كحالة قانونية استثنائية أو هامشية، بل كأحد أكثر أشكال ممارسة السيادة تعسفًا، إذ تتقاطع السلطة القانونية مع الخطاب القومي والأمني لإنتاج فئات مستبعدة تُعرَّف خارج حدود الأمة المتخيلة، رغم كونها جزءًا من الواقع الاجتماعي والسياسي للدولة نفسها.
ثانيًا: السلطة التنفيذية وإعادة إنتاج الإقصاء: عبر التهجير الطائفي والمذهبي
يُظهر التحليل النظري المعاصر للسلطة التنفيذية في النظم السياسية الحديثة أن مفهوم “الاستبداد” لم يعد يُفهم بوصفه شكلًا مجردًا من تركز السلطة، بل أصبح يُقرأ بوصفه ممارسة مادية تُنتج أنماطًا من الإقصاء الاجتماعي والسياسي تستند إلى الهوية. فبدلًا من أن تكون الدولة محايدة تجاه مواطنيها، يمكن لأجهزتها التنفيذية والإدارية أن تتحول إلى أدوات لإعادة إنتاج التراتب الاجتماعي، سواء على أساس العرق أو على أساس الطائفة والمذهب والانتماء السياسي في جوانب أخرى.
وفي هذا الإطار، سنركز على كيفية استغلال السلطة من قبل الأسر الحاكمة، وعلى كيفية استخدام الخطاب السياسي والقرارات التنفيذية في بعض دول الخليج، لا سيما البحرين، لمحاسبة بعض مواطنيها عبر التشكيك في انتماءاتهم وولاءاتهم الوطنية وتجريدهم منها من خلال إسقاط الجنسية، ووصمهم بأنهم معادون للوطن وعناصر غير مرغوب بهم، وبذلك تصبح الأجهزة التنفيذية أجهزة تعمل على زيادة التمييز والإقصاء ضد مواطنيها، وإعادة تعريفهم بما يخدم تصورات سياسية محددة للهوية والانتماء.
وعند نقل هذا المنطق إلى سياقات أكثر اضطرابًا، يمكن ملاحظة تشابه بنيوي مع ممارسات الإقصاء الاجتماعي والسياسي والطائفي في بعض الدول، حيث لا يُستخدم الخطاب فقط، بل تُستخدم أدوات قانونية وإدارية مباشرة لإعادة تشكيل المجتمع. ففي حالات متعددة، تُوظَّف السلطة التنفيذية لإعادة تعريف “المواطنة” و”الانتماء الوطني” بشكل يُقصي جماعات معينة، سواء عبر إسقاط الجنسية، أو سحب الوثائق الرسمية، أو فرض قيود أمنية وهوياتية تؤدي إلى تهميش فئات محددة من السكان.
وبهذا المعنى، تصبح إجراءات الدولة ليست مجرد تنظيم إداري، بل وسيلة لإنتاج “هندسة اجتماعية قسرية”، أو تغيير ديمغرافي قسري، يتم فيهما تحويل الانتماء من حق ثابت إلى امتياز مشروط. وكما تُستخدم في بعض السياقات مفاهيم مثل “مكافحة التطرف” أو “حماية الأمن القومي” لتبرير سياسات التقييد أو الإقصاء، تُستخدم أيضًا مفاهيم مشابهة في سياقات أخرى لإعادة توزيع الحقوق السياسية والمدنية على أسس غير متساوية.
إن خطورة هذا النمط من الحكم لا تكمن فقط في القرارات الفردية، بل في تحوّل البنية الإدارية للدولة إلى جهاز قادر على إعادة إنتاج التمييز بشكل قانوني ومنهجي. فكما يُظهر التحليل الاستبداد الطائفي داخل السلطة التنفيذية، يمكن أن يظهر الشكل نفسه من “الاستبداد الإداري” حين تُستخدم أدوات الدولة لإضعاف فئات بعينها، أو إعادة تعريف وجودها القانوني داخل المجتمع.
وعليه، فإن جوهر الإشكال يكمن في البنية المشتركة: استخدام السلطة التنفيذية لإعادة تعريف المواطن الصالح، وإعادة رسم حدود الانتماء، وتحويل الهوية من مساحة قانونية محايدة إلى أداة سياسية للإقصاء أو الاحتواء المشروط. وهذا ما يجعل من دراسة العلاقة بين السلطة والإقصاء ضرورة لفهم أشكال العنف غير المباشر في الدولة الحديثة، سواء اتخذت شكلًا عرقيًا أو مذهبيًا أو سياسيًا.
الشيخ عيسى قاسم
ثالثًا: قصص من الواقع البحريني
حالة الشيخ عيسى قاسم
يُعد من أبرز الأمثلة على سحب الجنسية في البحرين. ففي عام 2016 أعلنت السلطات البحرينية إسقاط جنسيته، متهمةً إياه بـ”خدمة مصالح أجنبية” و”تشجيع الطائفية”. وقد أثارت القضية ردود فعل واسعة محليًا ودوليًا، خصوصًا أن الشيخ عيسى قاسم كان يُنظر إليه بوصفه أحد أبرز الرموز الدينية والسياسية للمعارضة الشيعية في البلاد.
سحب الجنسية من معارضين ونشطاء بعد 2011
بعد أحداث 2011، سُحبت الجنسية من عدد من النشطاء والسياسيين ورجال الدين المرتبطين بالمعارضة. وشملت الإجراءات شخصيات دينية وسياسية معروفة، من بينهم رجال دين ونواب سابقون. وقد ربطت منظمات حقوقية هذه القرارات بتضييق المجال السياسي وإعادة هندسة المجال العام عبر تحويل بعض المعارضين إلى “خارج الجماعة الوطنية”. منذ عام 2012، سحب النظام البحريني الجنسية من مئات الأشخاص، وأكثر من 200 شخص في عام 2015 وحده. لكن ضحايا هذه السياسة ليسوا فقط من فقدوا جنسيتهم، بل أيضًا عائلاتهم وشبكاتهم الاجتماعية.
رابعًا: الآثار الاجتماعية والإنسانية لاسقاط الجنسية
صعوبة العمل أو السفر.
فقدان بعض الخدمات الأساسية.
الإقامة القسرية خارج البلاد أو خطر الترحيل.
الشعور بالعزلة وفقدان الانتماء السياسي والاجتماعي.
إنتاج الخوف في المجتمع.
فقدان الوظيفة.
تفكك الاسرة.
منع السفر.
الترحيل.
خاتمة
يتضح من خلال هذا التحليل أن سحب الجنسية لا يمكن اختزاله في كونه إجراءً قانونيًا استثنائيًا، بل هو ممارسة اقصائية مركّبة تعيد تعريف حدود الاقصاء والارتباط ما بين الفرد والدولة. فالمواطنة، بدل أن تبقى إطارًا ثابتًا للمساواة القانونية، تتحول إلى مساحة قابلة لإعادة التشكيل وفق اعتبارات السلطة التنفيذية، بما يجعل الانتماء الوطني مشروطًا لا حقًا مكتسبًا.
وفي الحالة البحرينية، تكشف سياسات سحب الجنسية عن نمط أوسع من إدارة المجال الاجتماعي والقانوني والسياسي يقوم على إعادة إنتاج الإقصاء عبر أدوات قانونية تبدو شكلية، لكنها تحمل آثارًا عميقة على البنية الاجتماعية والسياسية، فانتقال الفرد من موقع “المواطن” إلى موقع “المستبعد” لا يعني فقط فقدان الحقوق القانونية، بل أيضًا إعادة تعريفه اجتماعيًا بوصفه خارج الجماعة الوطنية، بما يترتب عليه من آثار تمتد إلى الأسرة، والعمل، والحياة اليومية، وحتى الشعور بالانتماء ذاته.