أزمة الضمير.. حين تنتصر المصلحة على المبدأ

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

المحور الأول

الضمائر المؤجرة… المفهوم والجذور الفلسفية والأخلاقية

منذ أن وجد الإنسان على هذه الأرض، ظل الضمير هو الحد الفاصل بين إنسانيته وغرائزه، وبين الحضارة والفوضى، وبين العدل والظلم؛ فالضمير ليس عضواً في الجسد، ولا مادة يمكن رؤيتها أو قياسها، لكنه القوة الخفية التي تمنح الإنسان القدرة على التمييز بين الخير والشر، وبين الواجب والمنفعة، وبين ما يستطيع فعله وما ينبغي أن يفعله.

لقد اختلف الفلاسفة في تفسير مصدر الضمير، لكنهم اتفقوا على أهميته، فسقراط كان يرى أن داخل الإنسان صوتاً داخلياً يردعه عن الخطأ، وعدّه المرشد الأخلاقي الذي يسبق القانون، أما أفلاطون فربط الضمير بسيادة العقل على الشهوات، ورأى أن المجتمع العادل يبدأ من الإنسان العادل الذي ينتصر فيه العقل على الأهواء، وجاء إيمانويل كانط ليجعل الضمير أساس الواجب الأخلاقي، مؤكداً أن الإنسان ينبغي أن يفعل الصواب لأنه صواب، لا لأنه يجلب منفعة أو يخشى عقوبة.

أما في الرؤية الإسلامية، فإن الضمير ليس مجرد إحساس نفسي، بل هو ثمرة الإيمان وتقوى القلب ومراقبة الله. فالقرآن الكريم يخاطب النفس اللوامة، ويجعل محاسبة الإنسان لنفسه جزءاً من كماله الأخلاقي، ولذلك كان المسلم الحقيقي مطالباً بأن يكون رقيباً على نفسه قبل أن يكون خاضعاً لرقابة الآخرين. وقد عبر الإمام علي بن أبي طالب “عليه السلام” عن هذا المعنى بقوله: “من نصب نفسه للناس إماماً فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره”، فإصلاح المجتمع يبدأ من إصلاح الضمير.

ومن هنا فإن الضمير لا يولد فاسداً، بل يتشكل عبر التربية والثقافة والبيئة الاجتماعية والتجارب الحياتية، وكلما ترسخت قيم الصدق والأمانة والعدالة في شخصية الإنسان، أصبح ضميره أكثر استقلالاً وصلابة، أما إذا نشأ على تبرير الخطأ، وتقديم المصلحة على المبدأ، والانتصار للهوية الضيقة على حساب الحقيقة، فإن ضميره يبدأ بالتآكل تدريجياً حتى يفقد وظيفته الأساسية.

 

كيف يتحول الضمير إلى ضمير مؤجر؟

لا يتحول الضمير إلى سلعة في يوم واحد، بل يمر بعملية طويلة من الترويض الأخلاقي، تبدأ هذه العملية غالباً بتنازل صغير يبرره صاحبه بأنه استثناء، ثم يتكرر الاستثناء حتى يصبح قاعدة. في البداية يسكت الإنسان عن الخطأ، ثم يعتاد عليه، ثم يبرره، ثم يدافع عنه، ثم يهاجم كل من يكشفه. وهكذا لا يبيع الإنسان ضميره دفعة واحدة، وإنما يقسط ثمنه على مراحل.

وقد يكون الثمن مالاً، أو منصباً، أو شهرة، أو حماية سياسية، أو وعداً بمستقبل أفضل. وليس بالضرورة أن يكون المقابل مادياً، فبعض الضمائر تُؤجَّر خوفاً، وبعضها تُؤجَّر طمعاً، وبعضها تُؤجَّر بدافع التعصب أو الرغبة في القبول الاجتماعي.

ولهذا فإن الضمير المؤجر ليس هو الإنسان الذي يغيّر رأيه بعد اقتناع وحجة؛ فمراجعة الأفكار فضيلة، والاعتراف بالخطأ شجاعة، وإنما هو الذي يغير موقفه كلما تغيرت الجهة التي تمنحه المكسب، فيصبح ولاؤه للمصلحة لا للحقيقة، وللقوة لا للعدالة.

 

صناعة الضمير المؤجر

في عالم اليوم لم تعد الضمائر تُستقطب بصورة عشوائية، بل أصبحت هناك منظومات كاملة تعمل على إعادة تشكيل الوعي، فوسائل الإعلام، ومنصات التواصل الاجتماعي، ومراكز النفوذ، وأصحاب الأموال، جميعهم يدركون أن السيطرة على الضمير أكثر فاعلية من السيطرة على الجسد، فالإنسان الذي يُقنع بأن الظلم عدل، وبأن الخيانة واقعية، وبأن الانتهازية ذكاء، لن يحتاج أحد إلى إجباره على شيء، لأنه سيقوم بالمهمة بنفسه.

وهنا تكمن خطورة الحرب الناعمة؛ فهي لا تستهدف احتلال الأرض أولاً، بل احتلال العقول، ولا تهدم المباني، بل تهدم المعايير الأخلاقية التي تحكم المجتمع، وعندما تتغير المعايير، يصبح الفساد أمراً مألوفاً، والكذب وجهة نظر، والولاء لمن يدفع نوعاً من “البراغماتية”، وتتحول المبادئ إلى شعارات تُرفع عند الحاجة وتُطوى عند تعارضها مع المصلحة.

 

الضمير الحر والضمير المؤجَّر… حين تبدأ الازدواجية

الضمير الحر قد يخطئ، لكنه لا يتعمد قلب الحقائق، وقد يراجع نفسه، لكنه لا يبدّل مبادئه كلما تبدلت الرياح، إنه الضمير الذي يزن المواقف بميزان القيم لا بميزان الأرباح، ويبحث عن الحق حتى عندما يكون الحق مكلفاً، ويعترف بالخطأ ولو جاء من الجهة التي ينتمي إليها أو يتعاطف معها، أما الضمير المؤجَّر، فيعيش في حالة من الازدواجية الدائمة؛ يتحدث عن الحرية عندما تخدمه، ويصمت عنها عندما تهدد مصالحه، ويطالب بالعدالة لفئة ويتجاهلها لفئة أخرى، ويحتج على الظلم إذا صدر من خصومه، ثم يبحث عن المبررات إذا صدر من حلفائه، إنه لا ينطلق من مبدأ ثابت، وإنما من حسابات متغيرة، ولذلك يصبح موقفه تابعاً للجهة التي تمنحه المنفعة، لا للحقيقة التي يفترض أن تحكم الموقف.

ومن أبرز علامات هذا الضمير المؤجَّر ازدواجية المعايير؛ فهي اللحظة التي يتوقف فيها الإنسان عن استخدام الميزان الأخلاقي نفسه مع الجميع، فيرى الظلم جريمة عندما يرتكبه خصمه، ويبحث له عن تفسير عندما يرتكبه حليفه؛ ويدافع عن حرية التعبير حين توافق رأيه، ثم يطالب بتقييدها عندما تهدد قناعاته، وهنا لا تعود المشكلة مجرد اختلاف سياسي أو تباين في وجهات النظر، بل تتحول إلى أزمة أخلاقية؛ لأن العدالة لا تتجزأ، وحقوق الإنسان لا تتغير قيمتها بتغير هوية الضحية، والسيادة لا تكون مبدأً عندما تخدمنا ثم تصبح تفصيلاً عندما تتعارض مع مصالحنا.

إن الفرق بين الضمير الحر والضمير المؤجَّر لا يظهر في المواقف السهلة، وإنما يظهر عندما تتعارض الحقيقة مع المصلحة، وعندما يصبح الانحياز إلى المبدأ مكلفاً. ففي اللحظة التي يضطر فيها الإنسان إلى الاختيار بين ما يؤمن به وما يستفيد منه، تتكشف حقيقة ضميره. هناك فقط نعرف: هل نحن أمام إنسان تحكمه القيم، أم أمام موقف تحكمه الصفقة؟

وهنا يكمن الخطر الحقيقي؛ فالمجتمعات لا تنهار فقط عندما يكثر فيها الفاسدون، وإنما عندما يصبح أصحاب الضمائر القابلة للمساومة هم من يصنعون الرأي العام ويقودون الوعي الجمعي. فهؤلاء لا يقتلون الحقيقة مباشرة، بل يفعلون شيئاً أكثر خطورة؛ يخلطونها بالباطل، ويمنحون الباطل لغةً مقنعة، ويجعلون الانحياز يبدو مبدأً، والمصلحة تبدو قناعة، والتبعية تبدو استقلالاً، حتى يفقد الناس قدرتهم على التمييز بين الحقيقة وما يشبه الحقيقة.

وعندما تصل الازدواجية إلى هذه المرحلة، لا يعود الخطر في وجود رأي خاطئ، فالأفكار الخاطئة يمكن مناقشتها وتصحيحها، وإنما في أن يصبح المعيار نفسه متغيراً؛ فما هو حق اليوم يصبح باطلاً غداً إذا تغيرت المصلحة، وما هو ظلم في موقف يصبح عدلاً في موقف آخر. وعندها لا يكون الذي انهار هو الموقف وحده، بل المرجعية الأخلاقية التي يفترض أن تمنح الموقف معناه.

 

أخطر نتائج الضمائر المؤجرة

إن انتشار الضمائر المؤجرة لا يؤدي إلى فساد فرد أو مؤسسة فحسب، بل يضرب أساس العقد الأخلاقي الذي يقوم عليه المجتمع. فعندما يفقد الناس ثقتهم بأن الكفاءة هي طريق النجاح، وأن النزاهة محل احترام، وأن الصدق قيمة عملية، تبدأ قيم المجتمع بالتفكك، وعندئذ يصبح الانتهازي قدوة، ويغدو صاحب المبدأ استثناءً، وتتحول الأخلاق إلى عبء في نظر كثيرين.

ومن هنا يمكن القول إن كل مشروع إصلاحي يبدأ بإصلاح الضمير قبل إصلاح القوانين، لأن القانون قد يمنع الجريمة في العلن، أما الضمير فهو الذي يمنعها في السر. وإذا مات الضمير، فلن تكفي آلاف القوانين لإحياء العدالة.

 

إن الأمم لا تُهزم أولاً في ميادين القتال، وإنما تُهزم عندما تقبل أن تتحول المبادئ إلى بضائع، والحق إلى سلعة، والضمير إلى عقد إيجار مؤقت. وحينها لا يعود السؤال: من يملك القوة؟ بل يصبح السؤال الأخطر: من بقي يملك ضميراً لا يُشترى؟

 

 

المحور الثاني

الضمائر المؤجَّرة في العراق… من احتلال الأرض إلى احتلال الوعي

لم يكن العراق بعد عام 2003 ساحةً لتغيير نظام سياسي فحسب، بل أصبح ساحةً لإعادة تشكيل منظومة واسعة من الأفكار والولاءات والقيم. وإذا كان الاحتلال العسكري يستطيع أن يفرض سيطرته على الأرض، فإن التأثير الأخطر يبدأ عندما يمتد إلى الوعي، لأن الوعي هو المجال الذي تتشكل فيه القناعات، ومن القناعات تتشكل المواقف، ومن المواقف يتشكل الضمير الجمعي. فالاحتلال لا يحتاج دائماً إلى أن يبقى حاضراً في الجغرافيا إذا استطاع أن يترك أثره في العقول، وأن يجعل بعض الناس ينظرون إلى مصالحه بوصفها حقائق، وإلى رواياته بوصفها مسلمات، وإلى مقاومة تأثيره بوصفها خروجاً عن الواقعية.

وقد دخل العراق بعد ذلك مرحلة اتسمت بتعدد مراكز النفوذ، وتدفق الأموال السياسية، واتساع الفضاء الإعلامي، وظهور المنظمات والمنصات والشخصيات المؤثرة. وكان يمكن لهذه التحولات أن تكون فرصة لبناء وعي ديمقراطي ناضج، وضمير وطني أكثر استقلالاً، إلا أن الصراع على النفوذ جعل الوعي نفسه مجالاً للتنافس والاستقطاب. وهنا أصبح الضمير العراقي أمام اختبار جديد: هل يبقى قادراً على إنتاج موقف مستقل، أم يتحول تدريجياً إلى انعكاس للقوة التي تؤثر فيه؟

 

 

المال وصناعة الضمير والمواقف

من أخطر التحولات التي شهدها العراق أن المال لم يعد وسيلة لشراء الأصوات الانتخابية فقط، بل أصبح في بعض السياقات أداة لصناعة الرأي العام والتأثير في اتجاهاته؛ فالإعلام يحتاج إلى تمويل، والمنصات تحتاج إلى داعمين، والحملات الإلكترونية تحتاج إلى إمكانات، والمشروعات الثقافية والإعلامية تحتاج إلى مصادر تمويل واضحة. وعندما تغيب الشفافية، يصبح من الصعب على المواطن أن يعرف أين ينتهي الرأي الحر وأين يبدأ الخطاب الممول.

وهنا يظهر الضمير بوصفه أول ضحية محتملة للمال؛ لأن الإنسان قد يحتفظ بحريته الظاهرية، لكنه يبدأ بتعديل مواقفه تدريجياً بما ينسجم مع الجهة التي تمنحه المنفعة. وقد لا يطلب الممول من صاحب الرأي أن يكذب صراحة، وإنما يكفي أن يحدد له ما الذي ينبغي أن يراه، وما الذي ينبغي أن يتجاهله، ومن الذي ينبغي أن ينتقده، ومن الذي ينبغي أن يمنحه الأعذار.

وعند هذه النقطة ينتقل صاحب الضمير من موقع الباحث عن الحقيقة إلى موقع المنتج للرواية المطلوبة. فلا يعود السؤال: ما الحقيقة؟ بل يصبح: أي حقيقة يمكن قولها دون أن أخسر مصلحتي؟ وهنا يبدأ تأجير الضمير، لأن الموقف لم يعد نابعاً من قناعة مستقلة، وإنما من حسابات المنفعة والخسارة.

 

الإعلام… عندما يتحول الضمير المهني إلى وظيفة

كان الإعلام يُعرف بأنه السلطة الرابعة، لأنه يفترض أن يراقب السلطة ويكشف الخلل ويحمي المجتمع من التضليل. ولذلك فإن الضمير المهني للإعلامي ليس أمراً ثانوياً، بل هو جوهر مهنته؛ فالإعلامي الذي يعرف الحقيقة ثم يحجبها، أو يضخم ما يخدم جهة ويهمش ما يضر بها، لا يمارس مجرد اختيار مهني، بل يضع ضميره أمام اختبار أخلاقي.

وقد وقع جزء من المشهد الإعلامي العراقي في فخ الاستقطاب، فأصبح بعض الخطاب الإعلامي يعكس مصالح الجهات التي تقف خلفه أكثر مما يعكس مصلحة المجتمع. وهنا تتجزأ الحقيقة وفقاً للهوية السياسية: خبر يُضخَّم لأنه يخدم اتجاهاً معيناً، وخبر آخر يُهمَّش لأنه يزعج الاتجاه نفسه، وشخص يُحاسب على خطأ ارتكبه، بينما يُمنح آخر عشرات التبريرات للخطأ ذاته.

إن الضمير الإعلامي الحر لا يعني الحياد البارد أمام الحقيقة، وإنما يعني امتلاك معيار واحد في الحكم؛ فإذا كان الظلم مرفوضاً فهو مرفوض بصرف النظر عن مرتكبه، وإذا كانت الحرية قيمة فهي لا ينبغي أن تصبح حقاً لفئة وامتيازاً لفئة أخرى. أما حين تتغير المعايير بتغير المصلحة، فإن الإعلام لا يعود ناقلاً للواقع فحسب، بل يصبح أداة لإعادة تشكيل الضمير الجمعي نفسه.

 

المؤثرون.. حين تصبح الكلمة سلطة والضمير مسؤولية

لم تعد صناعة الرأي العام حكراً على السياسي أو رجل الدين أو الإعلامي التقليدي، فقد ظهر جيل جديد من المؤثرين يمتلكون قدرة هائلة على الوصول إلى الناس، ولا سيما الشباب. وقد يستطيع المؤثر بكلمة أو مقطع قصير أن يغيّر اتجاه النقاش العام، أو يرفع قضية إلى الواجهة، أو يدفع قضية أخرى إلى النسيان.

وهذه القوة ليست خطراً في ذاتها، بل تكمن الخطورة عندما تنفصل قوة التأثير عن مسؤولية الضمير. فكلما اتسعت دائرة المتابعين، ازدادت مسؤولية صاحب المنصة، لأن الكلمة التي يقولها لم تعد شأناً شخصياً؛ إنها قد تصبح قناعة عند آلاف أو ملايين الأشخاص.

وهنا يصبح السؤال الأخلاقي أكثر إلحاحاً: هل يتحدث المؤثر لأنه يؤمن بما يقول، أم لأنه يعرف أن هذا الخطاب سيمنحه شهرة أو قبولًا أو منفعة؟ وهل يعلن بوضوح عندما يكون خطابه ممولاً أو مدعوماً؟ وهل يستطيع أن يقول الحقيقة نفسها لو كانت ستخسر حسابه أو جمهوره أو مصدر منفعته؟

إن الضمير المؤثر ليس ذلك الذي يمتلك أكبر عدد من المتابعين، بل ذلك الذي يستطيع أن يقول ما يؤمن به حتى عندما يكون قوله غير مربح. فالقيمة الأخلاقية للكلمة لا تُقاس بعدد المشاهدات، وإنما بمقدار صدق صاحبها مع نفسه ومع الناس.

 

الاحتلال الأخطر.. عندما يتغير الضمير من الداخل

يُقال إن الاحتلال العسكري ينتهي بخروج الجيوش، لكن تأثير الاحتلال على الوعي قد يستمر أجيالاً. فالمشكلة الأكثر خطورة ليست أن تسيطر قوة أجنبية على الأرض، وإنما أن تنجح في إعادة تشكيل الطريقة التي يرى بها أبناء البلد أنفسهم وتاريخهم ومصالحهم ومواقفهم.

وعندما يبدأ الإنسان في الدفاع عن مصالح قوة خارجية وهو يظن أنه يدافع عن استقلاله، فإن القضية لم تعد قضية احتلال عسكري، وإنما قضية وعي وضمير. فالضمير المستقل يستطيع أن يميز بين مصلحة وطنه ومصلحة الآخرين، وأن يرفض التدخل الخارجي مهما كان مصدره، وأن يزن العلاقات الدولية بميزان المصلحة الوطنية والعدالة، لا بميزان الولاء أو الإعجاب أو الخوف.

ولا يعني ذلك اختزال الواقع العراقي في نظرية مؤامرة شاملة؛ فالعلاقات السياسية والثقافية والإعلامية أكثر تعقيداً من ذلك. لكن التعقيد لا يلغي مسؤولية الضمير. فالإنسان يبقى مسؤولاً عن أفكاره ومواقفه، حتى في عالم تتداخل فيه المصالح وتتشابك فيه مصادر التأثير.

 

العراق بحاجة إلى إعادة بناء الضمير الوطني

إن بناء العراق لا يبدأ بإعادة إعمار المدن وحدها، ولا بإصلاح المؤسسات والقوانين فقط، بل يبدأ أيضاً بإعادة إعمار الضمير الوطني؛ ذلك الضمير الذي يجعل الولاء للعراق فوق المصالح الشخصية، والحقيقة أغلى من المنفعة، والكرامة الوطنية أرفع من أي مكسب عابر.

والضمير الوطني لا يعني رفض الآخر، ولا الانغلاق عن العالم، ولا تحويل الوطنية إلى شعار إقصائي، وإنما يعني امتلاك معيار مستقل للحكم على الأحداث والمواقف، فالعراق يستطيع أن ينفتح على العالم دون أن يفقد بوصلته، وأن يتعامل مع الدول المختلفة دون أن يتحول إلى تابع لها، وأن يستفيد من التجارب الخارجية دون أن يسمح لأحد بإعادة تشكيل وعيه وفق مصالحه.

فالعراق لا تنقصه الكفاءات، ولا الثروات، ولا الطاقات البشرية، وإنما يحتاج إلى نخب تمتلك شجاعة الضمير؛ نخب تستطيع أن تقول الحقيقة عندما تكون مكلفة، وأن تنتقد من تؤيدهم قبل أن تنتقد خصومهم، وأن ترفض الخطأ حتى عندما يأتي من الجهة التي تنتمي إليها.

ويحتاج العراق إلى إعلام يحترم عقل المواطن، ومؤثرين يدركون أن الكلمة أمانة، ومثقفين يجعلون المعرفة في خدمة الحقيقة لا في خدمة الممول، وسياسيين يدركون أن السلطة تكليف لا ملكية خاصة، ومواطنين لا يسمحون لأحد بأن يستأجر مواقفهم أو يصادر وعيهم.

إن الضمير الوطني ليس شعاراً يُرفع في المناسبات، ولا كلمة تُكتب في الخطب، بل هو موقف عملي يظهر تحديداً عندما تتعارض المصلحة الخاصة مع مصلحة الوطن، وعندما يصبح الصمت أكثر راحة من الكلام، وعندما يكون الانحياز إلى الحقيقة أكثر كلفة من الانحياز إلى القوة. ففي تلك اللحظة وحدها يُعرف معدن الضمير: هل بقي حراً، أم أصبح قابلًا للإيجار؟

 

الاستنتاجات

  1. الضمير هو الأساس الحقيقي لبناء الإنسان، ومن دونه تفقد القوانين والدساتير جزءاً كبيراً من قدرتها على حماية المجتمع.

  2. الضمائر المؤجرة لا تُولد فجأة، بل تُصنع تدريجياً عبر المال، والسلطة، والخوف، والدعاية، حتى يصبح الموقف تابعاً للمصلحة لا للمبدأ.

  3. إن أخطر أشكال الفساد ليس الفساد المالي أو الإداري، وإنما الفساد الأخلاقي؛ لأنه يبرر جميع أشكال الفساد الأخرى ويمنحها غطاءً فكرياً وإعلامياً.

  4. شهد العراق خلال العقود الأخيرة تحديات سياسية وإعلامية وثقافية أسهمت في إعادة تشكيل جزء من الرأي العام، الأمر الذي جعل استقلال الضمير أكثر صعوبة وأشد حاجة إلى الحماية.

  5. إن ازدواجية المعايير في الحكم على القضايا الوطنية والإنسانية تضعف ثقة المجتمع بالنخب، وتؤدي إلى تآكل المرجعية الأخلاقية التي يفترض أن تقود الرأي العام.

  6. لا يمكن لأي مشروع إصلاحي أن ينجح إذا اقتصر على تغيير القوانين والمؤسسات، دون أن يرافقه مشروع لإحياء الضمير وترسيخ قيم النزاهة والصدق والمسؤولية.

 

خاتمة

إن الأمم لا تُقاس بما تمتلكه من ثروات أو جيوش أو شعارات، وإنما تُقاس بقدرتها على حماية منظومتها الأخلاقية. فالمال قد يبني الأبنية، لكنه لا يبني الضمائر، والقوة قد تفرض واقعاً مؤقتاً، لكنها لا تصنع احتراماً دائماً. أما الضمير الحر، فهو وحده القادر على أن يجعل الإنسان وفياً لقيمه، ثابتاً على مواقفه، صادقاً مع وطنه وأمته.

وليس المقصود من هذا المقال إدانة أشخاص أو تصنيف الناس، وإنما التنبيه إلى ظاهرة آخذة في الاتساع، وهي قابلية بعض المواقف لأن تصبح رهينة المصالح والضغوط، حتى يغدو الحق تابعاً للمنفعة، وتتحول المبادئ إلى شعارات تُرفع حيناً وتُهمل حيناً آخر.

إن العراق، وهو يواجه تحديات داخلية وخارجية متشابكة، يحتاج اليوم إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للضمير بوصفه قيمة عليا، يبدأ من الأسرة، ويترسخ في المدرسة والجامعة، ويُترجم في الإعلام، وتلتزم به مؤسسات الدولة. فإصلاح الإنسان يسبق إصلاح الأنظمة، وبناء الضمير يسبق بناء العمران.

ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يطرحه كل واحد منا على نفسه: هل نحن أصحاب مواقف نصنعها بقيمنا، أم أصحاب مواقف تصنعها مصالحنا؟ فبين هذين الطريقين يتحدد مصير الإنسان، ويتحدد مستقبل الأوطان. وإذا كان لكل شيء في هذه الدنيا ثمن، فإن الضمير يجب أن يبقى الاستثناء الوحيد؛ لأنه متى بيع، خسر الإنسان نفسه قبل أن يخسر وطنه.

 

 

توصية

إن أخطر ما يمكن أن يخسره الإنسان ليس المال ولا المنصب ولا الشهرة، بل ضميره؛ لأنه إذا فقد ضميره فقد البوصلة التي تهديه إلى الحق. ومن هنا فإن المسؤولية الأخلاقية تقع على عاتق كل فرد، ولا سيما أصحاب الكلمة والرأي والتأثير، في أن يجعلوا الحقيقة فوق المصالح، والوطن فوق الانتماءات الضيقة، والعدل فوق الأهواء، وأن يتذكروا أن المواقف قد تُنسى، لكن التاريخ لا ينسى من انحاز إلى الحق ولا من برر الظلم.

 

إن الضمير ليس ملكاً لصاحبه وحده، بل هو أمانة تجاه الله، وتجاه الوطن، وتجاه الأجيال القادمة. فليكن معيارنا في كل موقف: هل يرضى عنه الضمير قبل أن يصفق له الناس؟ فإذا بقي الضمير حياً بقيت الأوطان قادرة على النهوض، وإذا مات الضمير فلن تستطيع الثروات ولا الشعارات أن تنقذ المجتمع من السقوط.

 

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى