بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
يُعدّ يوم الغدير من أعظم الأيام في الوجدان الإسلامي، ولا سيّما عند أتباع مدرسة أهل البيت عليهم السلام، إذ يرتبط بحدثٍ مفصلي وقع بعد حجّة الوداع حين وقف النبيّ الأعظم محمد (صلى الله عليه واله) في منطقة غدير خم، ليعلن أمام المسلمين قوله الشهير: “من كنت مولاه فهذا علي مولاه”، في إشارةٍ حملت أبعادًا دينية وروحية وأخلاقية عميقة تتجاوز حدود الزمان والمكان، ولهذا لم يكن الغدير مجرد حادثة تاريخية عابرة، بل تحوّل إلى رمزٍ للقيادة العادلة، والوفاء للقيم، وربط الدين بالأخلاق والإنسانية.
ويمتاز عيد الغدير عن غيره من المناسبات الدينية بأنه لا يرتبط فقط بالفرح الشعائري، بل يحمل مضمونًا فكريًا وحضاريًا كبيرًا، فهو عيدٌ يُعيد للأمة سؤال العدالة، ومعنى القيادة، وصفات الحاكم الذي يجب أن يكون قريبًا من الناس، نزيهًا، شجاعًا، عالمًا، ومدافعًا عن الحق، ولذلك ارتبط اسم الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) في الوعي الإسلامي بصورة الإنسان الكامل الذي جمع بين العبادة والعلم والزهد والشجاعة والرحمة، حتى أصبح رمزًا عالميًا للعدالة الإنسانية.
ومن هنا يرى كثير من المسلمين أن الغدير ليس عيدًا لطائفة بعينها، بل مناسبة يمكن أن تتحول إلى مساحة جامعة لقيم الإسلام الكبرى، لأن جوهره الحقيقي يتمثل في ترسيخ مبدأ “ولاية القيم” لا ولاية الاستبداد، و”حكومة العدالة” لا سلطة القهر، و”كرامة الإنسان” لا إذلاله، فحين يُذكر الإمام علي (عليه السلام)، تُذكر معه العدالة التي جعلته يقول: “لو كان الفقر رجلًا لقتلته”، ويُذكر معه احترام الإنسان حتى مع الخصوم، والزهد في السلطة، والحرص على حقوق الفقراء والمظلومين.
إن العالم الإسلامي اليوم بأمسّ الحاجة إلى استثمار معاني الغدير في مواجهة أزماته المعاصرة، فالكثير من بلداننا تعاني الانقسام الطائفي، والفساد، والاستبداد، وضعف الثقة بين الحاكم والشعب، بينما يحمل الغدير نموذجًا أخلاقيًا يمكن أن يرمم هذا الخراب إذا فُهم بروحه الحقيقية، فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن مشروع سلطة، بل مشروع إصلاح إنساني، ولهذا بقي حيًا في ضمير الشعوب رغم مرور القرون.
أما العراق، فيملك خصوصية كبيرة في علاقته بالغدير، لأن أرضه احتضنت تجربة الإمام علي (عليه السلام) وخلافته في الكوفة، ولأن الوجدان العراقي ما زال يرى في شخصيته رمزًا للحق والكرامة والرفض، ويمكن للعراق أن يستثمر عيد الغدير بوصفه مناسبة لتعزيز الوحدة الوطنية، ونشر ثقافة النزاهة، وربط الدين بخدمة الإنسان لا بخدمة المصالح الضيقة، فالغدير لا ينبغي أن يبقى مجرد احتفال موسمي أو شعائر شكلية، بل يجب أن يتحول إلى مشروع تربوي وثقافي واجتماعي يعيد بناء الإنسان العراقي على أساس العدالة والتسامح واحترام الكرامة الإنسانية.

كما يمكن للمؤسسات التعليمية والثقافية والإعلامية في العراق أن تجعل من الغدير فرصة لترسيخ مفاهيم المواطنة والأخلاق العامة، عبر استحضار سيرة الإمام علي (عليه السلام) بوصفه نموذجًا للحاكم العادل والقاضي النزيه والإنسان الرحيم، فالأمم لا تنهض بالشعارات وحدها، بل بالقيم التي تتحول إلى سلوك يومي في الإدارة والسياسة والتربية والعلاقات الاجتماعية.
إن أعظم ما في عيد الغدير أنه لا يدعو إلى الكراهية أو الانغلاق، بل يفتح الباب أمام إحياء الإسلام الأخلاقي والإنساني، الإسلام الذي يحترم العقل، وينصر المظلوم، ويرفض الذل، ويجعل الإنسان قيمةً عليا، ولهذا يبقى الغدير عيدًا للكرامة والوعي والعدالة، وعيدًا يمكن أن تستعيد الأمة من خلاله روحها المفقودة، إذا أحسنت فهم رسالته وتحويلها من ذكرى تاريخية إلى مشروع حضاري حي.
الغدير ومسؤولية قادة العراق
إن أخطر ما يمكن أن يحدث للمناسبات الدينية الكبرى هو أن تتحول إلى طقوس احتفالية منفصلة عن الواقع، بينما تبقى معاناة الناس كما هي، ومن هنا فإن عيد الغدير لا ينبغي أن يكون مجرد شعارات تُرفع أو خطابات تُلقى، بل فرصة حقيقية لمراجعة طبيعة الحكم والإدارة والخدمة العامة في العراق، لأن الغدير في جوهره يرتبط بفكرة “القيادة العادلة” التي يمثلها الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) بوصفه نموذجًا للحاكم الذي جعل الإنسان قبل السلطة، والعدالة قبل المصالح، والضمير قبل النفوذ.
لقد قدّم الإمام علي تجربة سياسية وأخلاقية نادرة في التاريخ الإسلامي، فكان يرى أن الحاكم ليس مالكًا للشعب، بل مسؤولًا أمامه، ولذلك كان يخشى ظلم الفقير أكثر من خوفه من خسارة الحكم، وفي رسالته الشهيرة إلى مالك الأشتر وضع أسس الدولة الإنسانية حين دعا إلى الرحمة بالرعية، واحترام الناس على اختلاف انتماءاتهم، وعدّهم “إما أخًا لك في الدين أو نظيرًا لك في الخلق”. وهذه الرؤية قادرة اليوم على أن تكون أساسًا أخلاقيًا لإنقاذ العراق من أزماته المتراكمة.
إن العراق، بعد عقود طويلة من الحروب والعنف والفساد والانقسامات، يحتاج إلى إعادة بناء الثقة بين المواطن والدولة، ولا يمكن تحقيق ذلك إلا إذا تحولت القيم العلوية إلى ممارسة سياسية حقيقية، فاستثمار الغدير لا يكون بالمبالغة الخطابية، بل عبر خطوات عملية يشعر بها المواطن البسيط في حياته اليومية، كإنصاف الفقراء، ومحاسبة الفاسدين، وتوفير فرص العمل، وتحقيق العدالة الاجتماعية، وإنهاء الإذلال الإداري الذي يواجهه الناس في مؤسسات الدولة.
كما أن استلهام شخصية الإمام علي (عليه السلام) يفرض على قادة العراق أن يعيدوا تعريف معنى السلطة، فالسلطة في الفكر العلوي ليست امتيازًا شخصيًا ولا بابًا للثراء، بل تكليف أخلاقي ثقيل. وقد رُوي عنه أنه كان يطفئ شمعة بيت المال إذا تحدث في شأنه الشخصي، في إشارة عظيمة إلى النزاهة والفصل بين المال العام والمصلحة الخاصة، ولو طُبقت هذه الروح في الإدارة العراقية لتغير جزء كبير من واقع الفساد والهدر الذي أرهق الدولة والمجتمع.
ومن أهم ما يمكن أن يقدمه الغدير للعراق اليوم هو إعادة الاعتبار للإنسان العراقي بوصفه القيمة العليا في الدولة، فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن يسأل عن طائفة الجائع أو قومية المظلوم، بل كان يرى العدالة حقًا عامًا للجميع، ولهذا فإن القادة الذين يرفعون اسمه مدعوون إلى تجاوز الانقسامات السياسية والطائفية، والعمل على بناء دولة يشعر فيها المواطن أن كرامته مصانة بغض النظر عن انتمائه.
كما يمكن للحكومة والمؤسسات الرسمية أن تستثمر عيد الغدير في إطلاق مشاريع وطنية ذات طابع إنساني، كحملات لمكافحة الفقر، ورعاية الأيتام، وتسوية أوضاع الشرائح الهشة، والإفراج عن الأبرياء والمظلومين، ودعم التعليم والصحة والخدمات، ليصبح العيد مناسبة لإحياء العدالة لا مجرد مناسبة للاحتفال بها، فالإمام علي (عليه السلام) لم يكن رمزًا للبكاء على الماضي، بل مشروعًا دائمًا لإصلاح الحاضر.
إن العراق لا تنقصه الثروات ولا الطاقات، لكنه يحتاج إلى أخلاق الدولة، وهذه الأخلاق تتجسد بوضوح في تجربة الإمام علي (عليه السلام) الذي عاش بسيطًا رغم اتساع سلطته، وكان يعتبر أن قيمة الحكم تكمن في خدمة الناس لا في السيطرة عليهم، ولذلك فإن أعظم وفاء للغدير اليوم هو أن يشعر العراقي، في الجنوب والشمال والوسط، أن هناك دولة عادلة تحميه وتحترم إنسانيته، لأن العدالة هي اللغة التي كان يتحدث بها الإمام علي، وهي الرسالة التي يحتاجها العراق أكثر من أي وقت مضى.
خاتمة
يبقى الغدير رسالةً مفتوحةً لكل مسؤول في العراق
أن قيمة الحكم ليست في البقاء على الكرسي، بل في إنصاف الناس، فقد علّمنا الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن الدولة العادلة تُبنى بدمعة يتيم تُمسح، وحقّ مظلوم يُسترد، وكرامة مواطن تُصان، وأصدق احتفاء بالغدير ليس بكثرة الشعارات، بل بأن يرى العراقيون عدالة علي حاضرةً في مؤسسات دولتهم وسلوك قادتهم.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى