إعداد: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم تعد مسألة ترشيح السيد نوري المالكي لرئاسة الحكومة في ظل ضغوط صادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب مجرد واقعة سياسية ظرفية، بل تحولت إلى مرآة كاشفة لاختلال بنيوي أعمق في مفهوم السيادة العراقية منذ عام 2003، فالإشكال لا ينحصر في شخصية المرشح ولا في طبيعة الضغط الخارجي فحسب، بل يتمثل أساساً في غياب استراتيجية وطنية طويلة الأمد تهدف إلى تقليص التبعية وبناء اكتفاء تدريجي في القرار السياسي والاقتصاد الوطني.
ننطلق من فرضية مفادها أن هشاشة القرار السياسي العراقي ليست نتاج التدخل الخارجي وحده، بل هي نتيجة تفاعل معقّد بين قصور السياسات الداخلية من جهة، واستمرار أنماط الهيمنة الخارجية من جهة أخرى، وعليه، سنعتمد مقاربة تحليلية مزدوجة: نقد لسياسات الدولة العراقية بعد 2003 في إدارتها لمفهوم السيادة، ونقد للسياسة الأمريكية وخطاب رئيسها بوصفهما انموذجاً لتدخل خارجي يتجاوز الأعراف الدبلوماسية ومعايير العلاقات الدولية المتكافئة، وذلك ضمن إطار متعدد الرؤى لتحليل القرار السياسي.
السياسات العراقية بعد 2003- السيادة بلا مشروع
منذ عام 2003، لم تتبلور في العراق سياسة دولة متماسكة تسعى إلى بناء استقلال اقتصادي نسبي أو إلى تحويل السيادة من شعار سياسي إلى وظيفة إنتاجية، فقد أخفقت الحكومات المتعاقبة في وضع برامج استراتيجية جادة لتنويع مصادر الدخل، أو في بناء قاعدة إنتاجية قادرة على تقليص الاعتماد على الخارج في الغذاء والطاقة والعملة، كما لم تنجح في تطوير نظام مصرفي وطني يتمتع بقدر من الاستقلالية.
وقد أسهم هذا الإخفاق في تكريس نمط من السيادة الشكلية، تُمارَس في الخطاب السياسي بينما تُدار فعلياً عبر منظومات مالية واقتصادية خارجية، فبدلاً من توجيه الموارد النفطية نحو مشاريع إنتاجية في الزراعة والصناعة والطاقة المتجددة والتكنولوجيا، جرى تكريس انموذج الإنفاق الاستهلاكي والتوظيف الريعي، بما حوّل الدولة إلى جهاز اداري لتوزيع الرواتب لا إلى أداة لتوليد الثروة.
وبناءً على ذلك، فإن هشاشة القرار السياسي الراهن لا تُفسَّر بوصفها نتيجة مباشرة للضغط الخارجي فقط، بل بوصفها مظهراً لعجز داخلي مزمن عن بناء استقلال اقتصادي تدريجي، فالدولة التي لا تسيطر على غذائها، ولا تضبط عملتها، ولا تتحكم بقطاعها المصرفي، لا يمكنها الادعاء بسيادة مكتملة، مهما ارتفع منسوب الخطاب الوطني في فضائها السياسي.
السياسة الأمريكية- الهيمنة بلغة الأمن لا القانون

في المقابل، لا يمكن إعفاء السياسة الأمريكية من مسؤوليتها في تعميق هذا الاختلال البنيوي، فمنذ عام 2003، تعاملت الإدارات الأمريكية المتعاقبة مع العراق بوصفه مجال نفوذ أمني وتجربة سياسية ومسرح ضغط إقليمي، لا بوصفه دولة ذات سيادة كاملة، وقد تجسد هذا التعامل في توظيف أدوات اقتصادية ومالية خارج نطاق العلاقات المتكافئة بين الدول، ولا سيما عبر التحكم غير المباشر بالمسارات المالية وربط الاستقرار الاقتصادي بدرجة الامتثال السياسي.
ويمثل خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ذروة هذا النمط من الهيمنة، حيث انتقل التدخل من القنوات الدبلوماسية المغلقة إلى التصريحات العلنية والتهديدات المباشرة، بما أضفى على السياسة الخارجية طابعاً شخصياً متقلباً، يفتقر إلى الحد الأدنى من الانضباط المؤسسي الذي يُفترض أن يميز سلوك الدول الكبرى، إن هذا النمط من الخطاب لا يعكس قوة الدولة بقدر ما يكشف هشاشة أخلاقية في تصورها للعلاقات الدولية، إذ يُستبدل القانون الدولي بمنطق الصفقة، وتُختزل سيادة الدول في مدى استجابتها للإملاءات لا في حقوقها القانونية.
المواطن بين فشل الداخل وضغط الخارج
يقف المجتمع العراقي اليوم في موقع مزدوج الهشاشة: هشاشة ناتجة عن سياسات داخلية ريعية غير إنتاجية، وهشاشة ناتجة عن ارتهان الاقتصاد الوطني لمنظومة خارجية متقلبة، وقد أفضى هذا الوضع إلى تشكّل وعي اجتماعي ساخر من مفهوم السيادة، بوصفه شعاراً سياسياً لا يجد انعكاسه في الواقع المعيشي من حيث سعر الصرف، أو أمن الغذاء، أو فرص العمل، أو كرامة العيش.
في هذا السياق، تتحول السيادة من مفهوم دستوري مجرد إلى مسألة نفسية مرتبطة بالإحساس بالاستقرار والأمان الاقتصادي، بحيث يغدو القرار السياسي الذي يستجلب توتراً خارجياً قراراً مرفوضاً اجتماعياً مهما كان مبرره الرمزي أو خطابه الوطني.
صورة الدولة بين التحدي والعجز
وفق مقاربات علم النفس السياسي، تُقاس قوة الدولة في الوعي الجمعي بقدرتها على الضبط والتنبؤ وحماية المجتمع من الصدمات، غير أن تراكم الأزمات الاقتصادية المرتبطة بالضغط الخارجي، وتكرار الخطابات السيادية غير المترجمة إلى نتائج ملموسة، جعلا صورة الدولة العراقية تتأرجح بين خطاب تحدٍّ لا يُنتج أثراً عملياً، وعجز واقعي يُترجم مباشرة إلى أزمات معيشية.
وفي هذا السياق، يُقرأ ترشيح شخصيات جدلية بالنسبة لبعض الفرقاء السياسيين الدوليين والاقليميين فضلا عن المحليين- رغم امتلاكها مؤهلات القيادة الناجحة- بوصفه إعادة إنتاج لدورة القلق السياسي، لا بعدّه فعلاً سيادياً عقلانياً يستند إلى حسابات الكلفة والعائد في المجالين الاقتصادي والاجتماعي.
السيادة بوصفها مشروعاً لا موقفاً
من منظور فلسفة الدولة الحديثة، لا تتحقق السيادة عبر موقف سياسي آني أو عبر خطاب احتجاجي مرتفع النبرة، بل عبر سياسات تراكمية طويلة الأمد تُفضي إلى تحرير تدريجي للقرار الاقتصادي وبناء قدرة تفاوضية لا قدرة صدامية، وعليه، فإن الخيار السيادي الحقيقي لا يتمثل في تحدي الخارج عبر الأسماء أو الشعارات، بل في تحرير الغذاء، وتحرير الطاقة، وتحرير العملة جزئياً، وتحويل الدولة من نموذج ريعي استهلاكي إلى نموذج إنتاجي قادر على الصمود.
أما الاكتفاء بمنطق السيادة الخطابية دون مشروع وطني للاكتفاء التدريجي، فيجعل أي ضغط خارجي قادراً على شل القرار الداخلي وإعادة توجيهه وفق اعتبارات خارجية.
الخاتمة
تكشف قضية ترشيح المالكي وضغوط الرئيس الأمريكي ترامب عن مأزق مزدوج: مأزق دولة لم تبنِ منذ عام 2003 سياسة استقلال تدريجي، ومأزق قوة دولية ما زالت تمارس نفوذها بلغة الهيمنة لا الشراكة، وعليه، فإن السيادة العراقية لا تُستعاد بمواجهة ظرفية مع الخارج، ولا بتجاهل مسؤولية الداخل، بل بإعادة تعريف الدولة بوصفها مشروع إنتاج، ونظام حماية اجتماعية، وأداة عقلانية لإدارة الاعتماد المتبادل.
فالسيادة ليست رفضاً آنياً ولا امتثالاً دائماً، بل مسار طويل من تقليص التبعية وبناء القدرة الذاتية، وما لم يُترجم هذا المسار إلى سياسات اقتصادية واجتماعية واضحة، فإن كل حديث عن السيادة سيبقى خطاباً رمزياً، وكل ضغط خارجي سيظل قادراً على إعادة تشكيل القرار الوطني.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى