الحجاب في أذربيجان.. أداة للضبط السياسي والحرب على الهوية الدينية

إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

إن منع ارتداء الحجاب في الدول ذات الأغلبية المسلمة قد يسهم في نشوء أزمة ثقة وفجوة اجتماعية بين الدولة والمجتمع، تتجاوز حدود القرار الإداري لتشمل أبعاداً ثقافية ودينية وسياسية واجتماعية، فإجبار بعض الطالبات والكوادر التعليمية على نزع الحجاب، أو منعهن من ارتدائه في المؤسسات التعليمية بحجة فرض زي مدرسي موحّد، يثير تساؤلات جوهرية بشأن طبيعة العلاقة بين الدولة والدين، وحدود تدخل السلطة السياسية في الممارسات الدينية للأفراد، ومدى احترامها لحرية الاعتقاد والتعبير عن الهوية الدينية.

وتتضاعف حساسية هذه الإشكالية في المجتمعات التي يشكّل المسلمون غالبية سكانها، إذ يُنظر إلى الحجاب، لدى قطاعات واسعة منهم، بوصفه جزءاً من التعاليم الدينية ومظهرًا من مظاهر الحشمة والهوية الثقافية، ومن هذا المنطلق، قد يُفسَّر فرض القيود على ارتدائه باعتباره مساساً بالحرية الدينية، أو محاولة لفرض تصورات السلطة السياسية بشأن موقع الدين في المجال العام، ولا تقتصر تداعيات هذه السياسات على الأفراد المتضررين منها، بل قد تمتد إلى إضعاف الثقة بمؤسسات الدولة، وتعميق الشعور بالتهميش، وإثارة التوتر بين القيم الدينية السائدة والتوجهات الرسمية.

وتكتسب هذه الإشكالية أهمية إضافية عندما تصدر القرارات المقيّدة لارتداء الحجاب عن حكومة دولة ذات أغلبية مسلمة كأذربيجان، ولا سيما إذا ارتبطت هذه القرارات بتوجهات سياسية أو أيديولوجية تسعى إلى حصر الدين في نطاق معين أو الحد من حضوره في المؤسسات العامة، وفي هذه الحالة يبرز تساؤل بشأن مدى انسجام السياسات الحكومية مع المعتقدات والممارسات الدينية للمجتمع، وما إذا كانت الدولة تسعى إلى تنظيم المجال العام على أساس مبدأ الحياد، أم أنها تتدخل بصورة تقييدية في حرية الأفراد الدينية، وفي هذا المجال تبرز أذربيجان بوصفها حالة تستحق الدراسة، في ضوء التقارير التي تتناول القيود المفروضة على بعض الممارسات الدينية، ومنها ارتداء الحجاب في بعض المؤسسات التعليمية، كأجراء تعسفي وتفتح هذه الحالة المجال لدراسة ما إذا كانت تلك القيود تمثل إجراءات تنظيمية محدودة، أم أنها تندرج ضمن سياسات أوسع لإعادة تحديد موقع الدين في الحياة العامة.

 كما تثير تساؤلات بشأن طبيعة العلاقة بين السلطة السياسية والمجتمع المسلم، وحدود تدخل الدولة في التعبير عن الهوية الدينية، والآثار الاجتماعية والثقافية والسياسية المترتبة على هذه السياسات، ففي هذا المقال سنسلط الضوء على هذه الاجراءات التعسفية التي تقوم بها السلطات الاذرية باعتبارها احدى ادوات الحرب على الدين وتقييد الحريات.

 

أولاً: الحجاب بين الالتزام الديني والإقصاء المؤسسي

يمثل الحجاب تعبيراً عن الاعتقاد الديني بالدرجة الأولى، وتعبيراً عن الهوية الشخصية والانتماء الثقافي، وقد يحمل، في جوانب أخرى دلالات اجتماعية وعائلية مختلفة، وهو ما يجعل معناه غير قابل للاختزال في تفسير واحد وبالتالي لا يمكن فهمه اجتماعياً من خلال اعتباره مجرد قطعة قماش أو جزءاً من الملابس، فهو يحمل دلالات ورمزيات عدة.

ومن هنا فإن منع الحجاب في التعليم يطرح إشكالية تتعلق بحدود السلطة المؤسسية: هل يقتصر دور المدرسة أو الجامعة على تنظيم العملية التعليمية وضمان انتظامها، أم يمتد إلى تحديد المظاهر الدينية وتحجيمها، وتكبيل الأذواق العامة لأفراد المجتمع، وتهديد الحريات التي يجوز للطالبات التعبير عنها داخل المؤسسة؟

قد تبرر الحكومة الأذربيجانية هذه القيود المفروضة باعتبارات مثل العلمانية أو توحيد الزي المدرسي، لكن تقييم هذه السياسات يتطلب النظر في مدى ضرورتها وتناسبها مع المعتقدات وعادات المجتمع وتقاليده، فضلاً عن أنها تتنافى مع المعايير الدولية لحقوق الإنسان التي أكدت عليها لجنة حقوق الإنسان التابعة للأمم المتحدة. ففي تعليقها العام رقم 22 بشأن المادة 18 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أكدت اللجنة أن حرية إظهار الدين أو المعتقد تشمل ممارسات متعددة، من بينها ارتداء الملابس وأغطية الرأس ذات الدلالة الدينية. كما أن أي قيود على إظهار الدين يجب أن تستوفي الشروط المحددة في المادة 18، ومنها الضرورة لحماية المصالح المشروعة التي ينص عليها العهد.

 

 

فضلاً عن ذلك عندما عقدت لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية (USCIRF) جلسة استماع افتراضية بشأن أوضاع الحرية الدينية في أذربيجان لقد اقرت اللجنة بأنه لا تزال أوضاع الحرية الدينية في أذربيجان مثيرة للقلق، إذ يفرض قانون الأديان في البلاد متطلبات تسجيل مرهقة على الجماعات الدينية لممارسة أنشطتها الدينية بصورة قانونية، وفي السنوات الأخيرة، اعتقلت الحكومة الأذربيجانية عدداً قياسياً من المسلمين الشيعة وسجنتهم، ويُرجَّح أن يكون ذلك على أساس ديني، وقد اتهم كثير من السجناء أجهزة إنفاذ القانون بممارسة العنف الجسدي وغيره من أشكال سوء المعاملة بحقهم، وفي الوقت نفسه ولا تزال المواقع الدينية في إقليم ناغورنو كاراباخ مهددة، في ظل قيام السلطات الأذربيجانية بتطوير المنطقة ومحو التراث الثقافي الأرمني فيها.

وفي شهر شباط، زارت لجنة الولايات المتحدة للحريات الدينية الدولية أذربيجان للوقوف على أوضاع الحرية الدينية في البلاد، وعقدت لقاءات مع الجماعات الدينية ونشطاء حقوق الإنسان والمسؤولين الحكوميين.

وفي تقريرها السنوي لعام 2025، أوصت اللجنة بإدراج أذربيجان على قائمة المراقبة الخاصة، بسبب الانتهاكات الجسيمة التي تشهدها حرية الدين أو المعتقد في البلاد، وهذا كله مؤشر من منظمات دولية على قيام السلطات في اذربيجان بشن حرب منظمة لقمع حرية الاديان.

وبهذا فأن تبرير منع الحجاب تحت ذريعة وجود قواعد مدرسية أو جامعية فهذا لا يكفي بمفرده لتبرير أي حظر على المظاهر الدينية، بل ينبغي فحص أساس هذه القواعد وأهدافها ومدى تناسبها مع الحقوق التي قد تتأثر بها وتماشيها مع المعتقدات الدينية للغالبية العظمى للمجتمع.

 

ثانياً: التناقض بين المجتمع والدولة وإعادة تشكيل الهوية

عندما تتبنى الدولة سياسة لا تنسجم مع تصورات بعض أفراد المجتمع عن هويتهم الدينية، تظهر الإشكالية الاجتماعية، ففي هذه الحالة لا يعود النقاش يقتصر على الحجاب فحسب، وإنما يمتد إلى الجهة التي تمتلك سلطة تحديد الهوية المقبولة في المجال العام، فعندما يُعدّ الحجاب جزءاً من المعتقدات الدينية لدى 95% من أفراد المجتمع الأذري، وتنظر إليه بعض النساء كذلك، بينما تصنّفه السلطة ضمن المظاهر التي ينبغي الحد منها، ينشأ توتر بين المعتقد أو الهوية التي يختارها الفرد لنفسه والهوية التي تسعى الدولة إلى فرضها أو تنظيمها.

ويمكن تحليل هذا التوتر من خلال علم اجتماع الدين، الذي يدرس العلاقة بين المعتقدات الدينية والمؤسسات السياسية، وكيف تتغير أشكال التعبير الديني تحت تأثير السياسات الحكومية التي تهدف إلى محاربة المعتقدات الدينية، فالمدرسة ليست مؤسسة لنقل المعرفة فقط، بل هي أيضاً فضاء اجتماعي تتشكل داخله تصورات الطلاب عن السلطة والانتماء والاختلاف والحقوق والواجبات وممارسة الحريات الدينية.

وعندما تتحول قواعد اللباس والحشمة والالتزام بتعاليم الأديان إلى سبب للحرمان من التعليم، أو ممارسة الضغط على الطالبات، أو سبباً للطرد من العمل، فقد تتجاوز وظيفتها التنظيمية لتصبح وسيلة للتأثير في خياراتهن الشخصية والدينية، ووسيلة للاضطهاد وتقييد الحريات الدينية وتكميم الأفواه في الوقت نفسه.

 

خاتمة

إن ما تقوم به السلطات الأذربيجانية يمثل إشكالية دينية واجتماعية وسياسية تتمثل في التوتر بين الهوية الدينية التي يحملها معظم أفراد المجتمع والسياسات الحكومية التي تسعى إلى تقييد المظاهر الدينية في المجال العام. فحظر الحجاب أو تقييده في المؤسسات التعليمية لا يتعلق باللباس وحده، بل يطرح تساؤلات حول حدود سلطة الدولة، وحرية المعتقد، وعلاقة المواطنين بالمؤسسات التعليمية.

وتشير هذه الحالة إلى ضرورة التمييز بين حق الدولة في تنظيم المؤسسات التعليمية وبين تدخلها في الخيارات الدينية والشخصية للأفراد، فنجاح السياسة التعليمية لا يُقاس بمدى قدرتها على توحيد المظهر الخارجي للطلاب فحسب، بل بقدرتها أيضاً على ضمان الوصول إلى التعليم، واحترام الحقوق الأساسية، وإدارة الاختلاف الاجتماعي دون إقصاء، واحترام المعتقدات الدينية التي تقدّسها المجتمعات.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى