البيت الأبيض كمحراب سياسي

 صعود الطقوس الدينية في عهد دونالد ترامب

 

بقلم: د. عمر عبد العظيم البصري

 

على الرغم من أن الدين ظلّ حاضرًا في تشكيل وعي بعض السياسيين الأمريكيين منذ تأسيس الولايات المتحدة، فإن حضوره لم يكن دائمًا بالدرجة نفسها من التأثير المباشر في صناعة القرار. غير أن هذا الدور أخذ منحى أكثر عمقًا منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين، مع صعود التيارات الإنجيلية المتطرفة وتنامي قدرتها على التأثير في المجالين السياسي والاجتماعي. وقد ترافق ذلك مع ميل متزايد لدى عدد من الرؤساء، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب الباردة، إلى إبراز هويتهم الدينية وتوظيفها ضمن خطابهم السياسي، بما يعزز شرعيتهم ويخدم مصالحهم وتوجهاتهم الأيديولوجية.

في هذا السياق، يمكن قراءة التحولات التي شهدتها المؤسسة الرئاسية في عهد دونالد ترامب بوصفها مرحلة أكثر وضوحًا في توظيف الدين لخدمة المصالح الامريكية، حيث لم يعد الدين مجرد مرجعية رمزية، بل أخذ يتجلى في ممارسات وطقوس متكررة داخل الفضاء الرئاسي نفسه. ومن هنا تبرز فكرة “البيت الأبيض كمحراب سياسي”، بوصفها مدخلًا لتحليل صعود الطقوس الدينية ودلالاتها في إعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والرمزية الدينية في الولايات المتحدة المعاصرة.

قد حدث هذا التحول في طبيعة الخطاب السياسي بعد أحداث الحادي عشر من أيلول 2001. فقد أصبح خطاب الرئيس جورج دبليو بوش أكثر نزعة دينية، سواء من حيث العبارات المستخدمة أو القضايا المطروحة. إذ دمج موقفه المتحدي ضد ما وصفه بـ”الشر” ضمن إطار ديني، ليضع نفسه في موضع القائد الصليبي، ويقود الولايات المتحدة في صراع عالمي بأبعاد توراتية واضحة ضد ما يُصوَّر على أنه التهديد الإسلامي.

ويبرز ذلك بوضوح في خطابه الذي ألقاه من المكتب البيضاوي مساء الحادي عشر من أيلول، حيث حملت كلماته دلالات الحملة الصليبية الدينية. وقد دفع هذا بعض صانعي السياسات إلى تصوير “الحرب على الإرهــ ــــاب” باعتبارها معركة بين الحضارة المسيحية الغربية والإسلام المتطرف. وشهدت هذه الفترة توترات كبيرة بشأن التمييز الديني وكراهية الإسلام، سواء في السياسات الداخلية أو الخارجية.

في الوقت الحاضر، يلاحظ العديد من المنظرين تجدد الاهتمام بمفهوم “اللاهوت السياسي” باعتباره أداة تشخيصية للأزمة التي تعاني منها أمريكا، وتُمثل ظاهرة دونالد ترامب نموذجًا اكثر وضوحًا في السياسة الامريكية لإنتاج دين مصطنع يخدم السياسة الامريكية، ويرجع ذلك جزئيًا إلى الدعم الذي يحظى به ترامب بين بعض الإنجليين الأمريكيين، ويتجاوز هذا مجرد الدعم، إذ أن بعض أنصاره وبعض رجال الدين أحيانًا يماثلونه او يدعونه برجل الله أو ملك “إسرائيل”، بل ووصفه أحيانًا بأنه “صوت الله” أو “مطرقة الله”.

وما يمكن تأكيده هو أن الطابع غير التقليدي لسياسات ترامب يكشف عن التفاعل المعقد بين الدين والسياسة في الولايات المتحدة الحديثة، ويطرح تساؤلات جوهرية حول الدور الذي تلعبه الرموز الدينية في توجيه المشهد السياسي والاجتماعي، ومن خلال هذا المنظور، يمكن فهم ظاهرة ترامب على أنها نافذة تكشف التناقضات والضعف في السياسة الأمريكية، كما تدفعنا إلى استكشاف القوى الدينية والرمزية التي تتجاوز الإطار المسيحي أو التوحيدي التقليدي.

 

 

ومع تنصيب دونالد ترامب رئيسًا للولايات المتحدة، انفتح فصل جديد في صناعة السياسة الأمريكية تجاه السياسة “الإسرائيلية” لإدارة الصراع في غرب اسيا لاسيما الحرب الحالية التي تشنها امريكا و”اسرائيل” ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

فشكل الصراع اخذ يؤطره الامريكان بأطر دينية، فعندما يظهر مشهد الرئيس أو الزعيم محاطًا بمن يدعون بأنهم رجال دين، وهو مشهد يثير التساؤل عن العلاقة بين السلطة والسيطرة على العقول لاغراض سياسية. هذه الظاهرة تعكس ديناميكيات اجتماعية عميقة تتعلق بالسياسة، والثقافة، والسلطة الرمزية. ويمثل رئيس الولايات المتحدة الامريكية دونالد ترامب انموذجًا لهذا النوع من الروؤساء لقد ظهر محاط ولاكثر من مرة برجال دين وقساوسة إنجيليون في المكتب البيضاوي في الببيت الابيض للصلاة من اجل دونالد ترامب لاسيما في اوائل اذار 2026 حيث اجتمعوا طلبًا للحماية الالهية والدعم لاعتداءاتهم ضد الجمهورية الإسلامية الإيرانية وشمل ذلك مشاركة بولا وايت كين رئيسة مكتب البيت الابيض لشؤون الإيمان مرددين عبارات وتعويذات دينية كي يصوروا للعالم ان هذا الرجل مؤيد من الله او من الرب بحسب معتقداتهم مما يضفي رمزية وسلطة ذات شرعية. دينية، وهؤلاء قد يكونوا مصداق لقوله تعالى عن الذين يحرفون الحق ويتبعون أهواءهم:

 

“فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَـذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا ۖ فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا يَكْسِبُونَ” المائدة: 41

 

ويختلف ترامب عن أسلافه بوضوح في انحيازه الصريح والمباشر “لإسرائيل”، وفي شفافيته في الإعلان عن موقف الولايات المتحدة من هذه القضية. وقد بدأ هذا الانحياز يتجلى اليوم بصورة أكثر وضوحًا، لا سيما في خطابه ذي الطابع الديني، وفي استعانته بعدد من رجال الدين الذين يدعمون توجهاته ويُسهمون في تسويقها للرأي العام، بما يضفي نوعًا من الشرعية على سياسات فريقه الوزاري.

ويبرز هذا التداخل بين الدين والسياسة بشكل أوضح من خلال بعض الشخصيات داخل إدارته، مثل وزير الحرب (بيت هيغسيث)، الذي يجمع بين موقعه السياسي وخطاب يحمل أبعادًا دينية ورمزية. وقد أثار الجدل أيضًا ما نُسب إليه من وشوم تحمل دلالات دينية، من بينها عبارة (Deus Vult والتي تعني الرب يريد او الله يريد) وصليب القدس، وهما رمزان يرتبطان تاريخيًا بالحروب الصليبية المسيحية، ويُستخدمان أحيانًا في سياقات دينية أو قومية، لكنهما بحسب بعض المحللين يرتبطان أيضًا ببعض مجموعات اليمين المتطرف أو القومية المسيحية الحديثة.

كما أثار الوشم العربي «كافر» جدلًا خاصًا، لكونه مصطلحًا دينيًا يُستخدم في السياق الإسلامي، وقد اعتبره بعض النقاد تعبيرًا يحمل دلالات سلبية أو عدائية تجاه المسلمين. وفي المجمل، تُقرأ هذه الرموز، لدى بعض المراقبين، ضمن سرديات تاريخية ذات نزعة استعمارية تستحضر إلى الأذهان إرث الحروب الصليبية، وتغذّي النقاش حول حدود التداخل بين الدين والسياسة في الخطاب الأمريكي المعاصر.

 

الاستنتاجات

تجمع رجال دين حول دونالد ترامب لاداء طقوس روتينية دينية يومية يمكن أن يكون له تأثيرات على المجتمع:

  1. الطمأنة الجماعية: يشعر الناس أن هناك حماية “روحية” للزعيم، وبالتالي يستمرون في دعم السلطة.

  2. إضفاء القداسة على السلطة: السلطة السياسية تتحول إلى شيء شبه مقدس، يصعب نقده أو المعارضة ضده.

  3. الهيمنة الرمزية على التفكير: توظيف الدين في خدمة السلطة السياسية يمكن أن يخلق حاجزًا معرفيًا يمنع النقد العقلاني أو التشكيك في قرارات الزعيم.

 

الخاتمة

المشهد الذي يظهر فيه الرئيس محاطًا برجال الدين ليس مجرد صورة لطقوس قديمة، بل هو استراتيجية اجتماعية وسياسية لها أبعاد عميقة: الشرعية الرمزية، التأثير النفسي على الجماهير، والسيطرة على الفكر والسلوك. من منظور اجتماعي، يعكس هذا المشهد التفاعل المعقد بين السلطة، الدين، الثقافة، والموروثات الشعبية. ومن ثم يتضح من العرض السابق أن دور الدين في السياسة الخارجية الأمريكية ارتكز على فكرة اساسية وهي، “القدر الواضح” والتبريرات الدينية للتوسع، باعتبار الولايات المتحدة بحسب اعتقادهم “أمة مختارة” مكلفة بمهمة إلهية لنشر الحرية والديمقراطية. اختارها الله لقيادة العالم. وعلى مر التاريخ، لعبت هذه الأيديولوجية دورًا رئيسًا في توجيه التدخلات الأمريكية، في سياسات وحياة الشعوب، والسيطرة على ثروات الشعوب، وبذلك يمكن القول إن الدين والأيديولوجيا الأمريكية شكلا إطارًا فكريًا يبرر التدخلات الخارجية للولايات المتحدة ويحدد رؤيتها لدورها العالمي.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى