بقلم: د. محمد فالح الجزائري
قال الله تعالى ﴿وَأَن لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ (النجم: 39)، وهي قاعدة تؤكد قيمة السعي والعمل والجهد الفردي، وتربط ما يحصل عليه الإنسان بما يبذله من جهد ومسؤولية. غير أن الواقع الاجتماعي في عدد من المجتمعات العربية يكشف عن ظاهرة تبدو في بعض الأحيان وكأنها تنافس مبدأ الجدارة، وهي ظاهرة الواسطة.
فالواسطة ليست مجرد تدخل شخص لتسهيل معاملة أو الحصول على وظيفة، وإنما قد تتحول إلى شبكة اجتماعية واسعة تتداخل فيها القرابة والعشيرة والحزب والمنطقة والمكانة الاجتماعية، بحيث يصبح الوصول إلى الفرصة مرتبطاً أحياناً بمن يعرف الإنسان، لا بما يعرفه الإنسان أو بما يمتلكه من علم وكفاءة.
أولاً: بين «من جد وجد» وواقع الواسطة
يقوم التصور التقليدي للنجاح على أن الاجتهاد يقود إلى النتيجة؛ فالإنسان الذي يتعلم ويعمل ويثابر يفترض أن يحصل على فرصة تتناسب مع قدراته. إلا أن الواقع الاجتماعي قد يكون أكثر تعقيداً من هذه المعادلة.
فالإنسان لا يبدأ حياته من نقطة واحدة مع الآخرين؛ إذ يولد داخل بيئة اجتماعية واقتصادية وثقافية معينة. فقد يولد شخص في أسرة تمتلك المال والعلاقات والنفوذ، بينما يولد آخر في أسرة محدودة الدخل، ويكون أبوه عاملاً أو صاحب مهنة بسيطة أو محل صغير. وقد يمتلك الابن الثاني شهادة علمية وكفاءة عالية، لكنه يجد صعوبة في الوصول إلى موقع يتناسب مع طموحه، بينما يجد ابن الأسرة ذات النفوذ الطريق أكثر سهولة.
وهنا تظهر أهمية الفكرة التي ناقشها عالم الاجتماع العراقي علي الوردي في نقده لبعض التصورات المثالية للمجتمع؛ فالنجاح الاجتماعي لا تحدده دائماً الكفاءة الفردية وحدها، وإنما تتدخل فيه البيئة والفرص والعلاقات والمكانة الاجتماعية.
ومن هنا يمكن القول إن المشكلة ليست في وجود العلاقات الاجتماعية بحد ذاتها، فالإنسان كائن اجتماعي بطبيعته، وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول العلاقة الاجتماعية إلى بديل عن الكفاءة والجدارة.

ثانياً: الواسطة بوصفها إعادة إنتاج للطبقات والنفوذ
عندما يحصل أبناء أصحاب المناصب والنفوذ على فرص أفضل بصورة مستمرة، فإن الواسطة لا تؤدي فقط إلى حصول فرد على وظيفة، وإنما قد تسهم في إعادة إنتاج النفوذ عبر الأجيال. فمن يمتلك السلطة يستطيع أن يفتح الأبواب أمام أبنائه، وأبناؤه بدورهم يحصلون على مواقع تمنحهم علاقات جديدة، ثم تتحول هذه العلاقات إلى مصدر نفوذ لأجيال لاحقة.
وبذلك تتحول الواسطة من حالة فردية إلى بنية اجتماعية؛ أي أن الإنسان لا يستفيد فقط من كفاءته الشخصية، بل من رأس المال الاجتماعي الذي ورثه عن أسرته.
وهنا تظهر مفارقة واضحة: شخص قد يمتلك شهادة عالية وطموحاً كبيراً، لكنه يفتقد شبكة العلاقات، فيبقى خارج دائرة التأثير، بينما قد يحصل شخص أقل كفاءة على موقع متقدم لأنه ينتمي إلى شبكة اجتماعية أكثر قوة.
ثالثاً: من الواسطة إلى السلطة
لا تتوقف آثار الواسطة عند الحصول على الوظيفة، بل قد تمتد إلى طريقة ممارسة السلطة نفسها. فالشخص الذي نشأ في بيئة تقوم على النفوذ والامتيازات قد يتعامل مع المنصب باعتباره حقاً مكتسباً له ولشبكته الاجتماعية، وليس مسؤولية عامة. وفي بعض الحالات قد يؤدي ذلك إلى شعور صاحب المنصب بأنه فوق القواعد، لأنه وصل إلى موقعه من خلال شبكة من الحماية والنفوذ.
وهنا تصبح الواسطة خطرة عندما تنتقل من تسهيل الوصول إلى السلطة إلى تغيير سلوك صاحب السلطة بعد الوصول إليها.
فقد نجد شخصاً كان ضعيف التأثير قبل حصوله على المنصب، لكنه بعد وصوله إليه يبدأ بممارسة النفوذ بصورة شديدة، لأنه أصبح يمتلك الأدوات التي كانت بيئته الاجتماعية تعلمه منذ الصغر أن يسعى إليها.
رابعاً: الحزب والعشيرة والمنطقة والعرق
من أخطر صور الواسطة عندما تتحول إلى معيار يقوم على الانتماء: هذا من عشيرتي، وهذا من حزبي، وهذا من منطقتي، وهذا من جماعتي. عندها تصبح الكفاءة العلمية في المرتبة الثانية، ويصبح الانتماء هو المعيار الأول.
وهنا يمكن استحضار الآية الكريمة: ﴿كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ﴾ (الروم: 32). فالانتماء في ذاته ليس مشكلة؛ فالإنسان ينتمي إلى أسرة ومجتمع ومكان وثقافة، لكن المشكلة تحدث عندما يتحول الانتماء إلى أداة لإقصاء الآخرين ومنح الامتياز لمن ينتمي إلى المجموعة نفسها.
ومن المفارقات أن بعض المجتمعات قد تستخدم الانتماء في اتجاه معاكس تماماً؛ أي في خدمة قيمة أخلاقية أو قضية سامية.
ومن الأمثلة التي يمكن استحضارها في السياق الإسلامي قصة زهير بن القين مع الإمام الحسين عليه السلام؛ إذ تروي المصادر أنه كان في البداية متردداً في لقاء الإمام، ثم لما التقى به تغير موقفه، وأصبح اختياره قائماً على موقف وقناعة، لا على منفعة مادية أو امتياز اجتماعي. وهذه الصورة تفتح سؤالاً مهماً: هل يمكن للعلاقات والانتماءات أن تكون وسيلة للارتقاء الأخلاقي، بدل أن تكون وسيلة للحصول على الامتيازات؟
خامساً: سوق العمل وصناعة الطموح
الواسطة لا تعمل منفردة، وإنما تتفاعل مع طبيعة سوق العمل. فعندما يعتقد المجتمع أن بعض المهن تمنح صاحبها المال والمكانة الاجتماعية، بينما ينظر إلى مهن أخرى باعتبارها أقل شأناً، يبدأ الأهل بتوجيه أبنائهم نحو المهن التي تحقق المكانة والدخل، حتى لو لم تكن متوافقة مع ميولهم وقدراتهم. ولهذا نجد في بعض المجتمعات العربية ضغطاً كبيراً باتجاه دراسة الطب أو الصيدلة أو الهندسة وغيرها من التخصصات التي يُنظر إليها باعتبارها أكثر ضماناً للمستقبل.
وفي المقابل، قد لا يحصل الباحث في بعض العلوم الإنسانية أو الطبيعية أو التخصصات الدقيقة على المكانة الاجتماعية نفسها، رغم أهمية عمله. فلو أراد شاب أن يتخصص في دراسة الحشرات، مثلاً، قد ينظر المجتمع إلى اختياره باستغراب، بينما في مجتمعات أخرى يمكن أن يكون هذا التخصص مساراً علمياً وبحثياً مهماً. وبذلك لا تؤثر الواسطة في فرص العمل فقط، وإنما قد تبدأ قبل ذلك، من خلال تشكيل طموحات الإنسان وتحديد ما يعتبره المجتمع نجاحاً أو فشلاً.

سادساً: الوظيفة التي لا تشبه صاحبها
من النتائج النفسية للواسطة أن الإنسان قد يبدأ بالنظر إلى عمله من خلال المقارنة المستمرة مع الآخرين. فالشخص الذي يعمل في وظيفة لا يشعر بالرضا عنها، أو يرى أن راتبه أقل من طموحه، قد يبدأ بالبحث عن واسطة للترقية أو الانتقال إلى منصب آخر.
وبمرور الوقت تتحول الوظيفة من مجال لخدمة المجتمع وتحقيق الذات إلى سلم للصعود الاجتماعي.
وهنا تظهر دائرة متكررة: وظيفة غير مرضية → مقارنة اجتماعية → شعور بالدونية → البحث عن واسطة → الوصول إلى موقع أعلى → زيادة التنافس على النفوذ → إعادة إنتاج الواسطة.
وبذلك قد تصبح الواسطة في بعض البيئات ليست استثناءً، بل استراتيجية للبقاء والتقدم الاجتماعي.
سابعاً: الواسطة في مؤسسات الدولة
عندما تصبح الواسطة شرطاً للحصول على أبسط الخدمات، تتغير علاقة المواطن بالدولة. فالمواطن الذي يذهب إلى دائرة حكومية لإنجاز معاملة يفترض أن يحصل عليها وفق القانون، لكنه عندما يواجه عراقيل متكررة ثم يجد أن المعاملة تنجز بمجرد تدخل شخص ذي نفوذ، يتعلم تدريجياً أن القانون وحده لا يكفي.
وهنا تحدث أخطر النتائج النفسية والاجتماعية؛ إذ يفقد المواطن ثقته بالمؤسسة، ويبدأ بالبحث عن شخص يعرفه داخلها.
وبذلك تصبح الواسطة نظاماً غير رسمي داخل النظام الرسمي. فالمؤسسة تمتلك قوانين مكتوبة، لكن المجتمع يطور قوانين غير مكتوبة: من تعرف؟ ومن يستطيع الاتصال بالموظف؟ ومن يستطيع الاتصال بالمدير؟
ثامناً: عندما تدخل الواسطة إلى الأسرة
لا تتوقف الظاهرة عند الدولة والعمل، بل يمكن أن تمتد إلى الحياة الاجتماعية والأسرية. فقد تتدخل العلاقات والقرابة والمكانة الاجتماعية في الزواج، والتعليم، والعمل، وحل النزاعات، وحتى في تحديد مكانة الفرد داخل الأسرة.
وهكذا تتحول الواسطة تدريجياً من ممارسة مرتبطة بالمؤسسات العامة إلى ثقافة اجتماعية. وعندما تصبح ثقافة، فإن محاربتها بالقوانين وحدها لا تكون كافية؛ لأن المجتمع نفسه قد يبدأ بإعادة إنتاجها وتبريرها.
خاتمة
الواسطة ليست مجرد شخص يساعد شخصاً آخر، وليست كل مساعدة اجتماعية واسطة مذمومة. فهناك فرق بين الشفاعة الحسنة، والمساعدة الإنسانية، والتعريف بكفاءة شخص يستحق الفرصة، وبين استخدام النفوذ لتجاوز القانون أو إقصاء شخص أكثر استحقاقاً. المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح الانتماء أقوى من الكفاءة، والعلاقة أقوى من القانون، والنفوذ أقوى من الاستحقاق.
وفي هذه الحالة لا تظلم الواسطة الشخص الذي حُرم من الفرصة فقط، وإنما تضر المجتمع كله؛ لأنها قد تضع الشخص غير المناسب في المكان المناسب، وتحرم الشخص المناسب من المكان الذي يستطيع أن يقدم فيه أفضل ما لديه.
ومن هنا فإن بناء مجتمع أكثر عدالة لا يعني إلغاء العلاقات الاجتماعية، وإنما إعادة توجيهها: أن تكون العلاقة وسيلة للتعاون، لا وسيلة لإلغاء المنافسة العادلة؛ وأن يكون الانتماء مصدراً للمسؤولية، لا أداة للتمييز؛ وأن يصبح المنصب تكليفاً لا امتيازاً.
وفي النهاية تبقى قيمة السعي والعمل قائمة، لكن تحقيقها في الواقع يحتاج إلى بيئة اجتماعية ومؤسساتية تجعل الجهد والكفاءة والعلم قادرة فعلاً على الوصول إلى المكان الذي تستحقه.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى