كيفية إدارة زملائك السابقين

بقلم: إيمي غالو

ترجمة: د. ياسين طرار غند

د. تقى نوري جعفر

 

إن الترقية إلى منصب المدير تُعد انتقالاً مهنياً مثيراً، لكنها قد تكون أيضاً تجربةً تبعث على القلق والتوتر. ويزداد ذلك وضوحاً عندما تصبح مسؤولاً عن إدارة أشخاص كانوا في السابق زملاءك في العمل. ففي هذه الحالة، يتعين عليك أن تثبت مصداقيتك وسلطتك القيادية، من دون أن تبدو وكأن الترقية قد أصابتك بالغرور أو التعالي. وتعتمد كيفية تحقيق هذا التوازن على طبيعة مؤسستك وأسلوبك القيادي، إلا أن هناك مجموعة من القواعد العامة التي يمكن أن تجعل هذا الانتقال أكثر سلاسة.

 

ماذا يقول الخبراء؟

Michael Watkins

يقول مايكل واتكنز (Michael Watkins)، رئيس مجلس إدارة شركة جينيسيس للاستشارات (Genesis Advisers)، ومؤلف كتابَي “الأيام التسعون الأولى” (The First 90 Days) و”خطوتك التالية” (Your Next Move): “إذا أخذت مجموعةً نموذجيةً من المديرين التنفيذيين في المستوى المتوسط، وسألتهم عما إذا كانوا قد رُقّوا يوماً ما لقيادة زملائهم السابقين، فإن 90% منهم سيجيبون بنعم”. لكن وجودك ضمن هذه الفئة الكبيرة لا يجعل المهمة أسهل. ويقول روبرت ساتون (Robert Sutton)، أستاذ علم الإدارة والهندسة في جامعة ستانفورد، ومؤلف كتابَي “الرئيس الجيد، الرئيس السيئ (Good Boss, Bad Boss) و”لا مكان للأشخاص المزعجين” (The No Asshole Rule): “إنها مهمة صعبة. فديناميكيات العلاقات تتغير بالكامل، ويبدأ الناس بمراقبتك أكثر من أي وقت مضى”.

ويتفق واتكنز مع هذا الرأي، مضيفاً: “إنها تجمع بين تحديات أي ترقية وظيفية، والتحدي الإضافي المتمثل في اضطرار الآخرين إلى إعادة تشكيل علاقتهم بك”.

 

وفيما يلي كيفية التعامل مع هذا الموقف بفاعلية

  1. أعلن عن مرحلة الانتقال: في معظم المؤسسات، تقع مسؤولية الإعلان عن ترقيتك على عاتق شخص آخر. ويوضح واتكنز: “إذا كانت المؤسسة تمتلك إجراءات جيدة للإعلان عن انتقال القيادة بصورة رسمية، فسيدرك الجميع أنك أصبحت المسؤول الجديد”.

إلا أن بعض المؤسسات لا تتبع مثل هذه الإجراءات، مما يعني أن هذه المهمة قد تقع على عاتقك. وبالطبع، لا ينبغي أن ترسل رسالة بريد إلكتروني بعنوان: “أنا المدير الآن“، ولكن من المهم أن يكون الجميع على علم بحدوث هذا الانتقال. لذلك، تحدث مع مديرك الحالي أو مع قسم الموارد البشرية لمعرفة أفضل طريقة لإدارة هذا الإعلان.

 

  1. تحرّك بحذر في البداية: قد تكون لديك أفكار كثيرة حول كيفية قيادة الفريق، لكن لا تُدخل تغييرات جذرية منذ الأيام الأولى. فأنت بحاجة إلى إظهار سلطتك الجديدة دون أن تثير استياء الآخرين أو تضر بعلاقاتك معهم.

ويقول واتكنز: “أنت تسير على حافة دقيقة؛ فلا ينبغي أن تدخل وكأنك (ألكسندر هيغ) الذي يفرض سلطته بقوة، ولا أن تستمر في التصرف وكأنك مجرد زميل بين الزملاء”.

ويقترح أن تبدأ بأتخاذ بعض القرارات الصغيرة التي يمكن تنفيذها بسرعة، بينما تؤجل القرارات الكبرى حتى تمضي فترة أطول في المنصب، وتتمكن من جمع آراء أعضاء الفريق.

فعلى سبيل المثال، يمكنك وضع جدول جديد لاجتماعات الفريق والاجتماعات الفردية، أو توضيح توقعاتك الجديدة بشأن أساليب التواصل داخل الفريق.

 

  1. رسّخ سلطتك القيادية: ىإن إثبات أنك أصبحت المسؤول لا يعني استعراض سلطتك أو التفاخر بمنصبك الجديد، بل ينبغي أن تتخذ إجراءات تعزز مصداقيتك، وتوضح للآخرين الطريقة التي ستقود بها الفريق بصفتك مديراً.

ومن أفضل الوسائل لتحقيق ذلك أن تعقد اجتماعات مع فريقك، سواء بصورة جماعية أم بشكل فردي، للتحدث عن رؤيتك القيادية. ويقول واتكنز: “من الطبيعي والمقبول تماماً أن تتحدث عن أسلوبك في القيادة وكيف”…

 

 

  1. كيف تخطط لقيادة الفريق؟

يقول واتكنز. “ينبغي أن يكون ذلك متسقاً مع الطريقة التي اعتاد الناس أن يروك تقود بها في الماضي”. وخلال هذه الاجتماعات، احرص على أن يكون الاستماع بقدر التحدث، أو أكثر منه. ويقترح ساتون أن تطرح على أعضاء فريقك السؤال التالي: “ما الذي يمكنني القيام به لمساعدتك على تحقيق مزيد من النجاح؟” إن هذا السؤال يوضح أنك أصبحت المسؤول عن الفريق، وفي الوقت نفسه يبعث برسالة مفادها أن دورك لا يقتصر على الإدارة، بل يشمل أيضاً دعم أعضاء الفريق ومساعدتهم على النجاح.

 

  1. حافظ على مسافة مهنية: يتفق كلٌّ من ساتون وواتكنز على أنه لم يعد بإمكانك الاحتفاظ بعلاقات الصداقة الشخصية الوثيقة نفسها التي كانت تربطك بزملائك السابقين.

ويقول واتكنز: “لا يمكنك الاستمرار في العلاقات بالطريقة نفسها التي كانت عليها من قبل. قد يبدو ذلك خسارةً للجميع، لكنه جزء لا يتجزأ من طبيعة المنصب الجديد”. فإذا استمرت تلك العلاقات الوثيقة، فقد يُنظر إليك على أنك تفضل بعض الموظفين على غيرهم. لذلك، ينبغي أن تبتعد بدرجة معقولة عن بعض التفاعلات الاجتماعية. فعلى سبيل المثال، عندما يخرج أعضاء الفريق معاً لتناول المشروبات أو قضاء وقت اجتماعي، قد يكون من الأفضل ألا تشاركهم في كل مرة.

ولا يعني ذلك أن تصبح شخصاً متحفظاً أو بعيداً عن الآخرين، وإنما قد يكون من الحكمة تقليل مشاركتك في المناسبات الاجتماعية. ويضيف ساتون: “إذا لم تشعر أحياناً بشيء من الوحدة أو بأنك أصبحت خارج بعض الدوائر الاجتماعية، فقد يكون ذلك مؤشراً على أنك لم تضع المسافة المهنية الكافية بينك وبين فريقك”.

 

  1. جرّب أساليب قيادية جديدة: نظراً لأنك أصبحت بحاجة إلى بناء نمط جديد في التعامل مع زملائك السابقين، فمن المرجح أنك ستحتاج إلى تجربة أكثر من أسلوب حتى تجد ما يناسبك.

Robert Sutton

ويقول ساتون: “لا أحد ينجح في ذلك من المحاولة الأولى”. ويقترح الاستفادة مما تسميه أستاذة إنسياد (INSEAD)، هيرمينيا إيبارا، بـ”الذوات الممكنة” (Possible Selves)، وهي تعديلات أو تنويعات بسيطة في أسلوب القيادة يجربها القائد لمعرفة أيّها أكثر فاعلية. ومن خلال تجربة هذه الأساليب المختلفة، يمكنك اكتشاف ما ينجح وما لا ينجح في بيئة عملك. ويؤكد ساتون أن المقصود ليس تغيير شخصيتك أو أسلوبك القيادي بصورة جذرية، وإنما التجريب التدريجي لاكتشاف النهج الذي يتناسب معك ويحقق أفضل النتائج. تعامل مع الزميل الذي كان ينافسك على المنصب: إذا كان أحد زملائك السابقين منافساً لك على المنصب الذي حصلت عليه، فإن ذلك يضيف مستوى آخر من التعقيد إلى عملية الانتقال.

ويقول واتكنز: “لقد تعرض هذا الشخص لخسارة، ومن الطبيعي أن يتعامل معها بالطريقة المعتادة؛ أي أنه سيشعر بخيبة الأمل”. وفي بعض الحالات، قد يكون كل ما يحتاج إليه هو بعض الوقت للتأقلم مع الوضع الجديد. ومع ذلك، من المهم أن توضح له أنك ما زلت تقدّره كموظف، وأنك ملتزم بدعم تطوره المهني. ويمكنك أن تقول له شيئاً مثل: “أتفهم أنك تشعر بخيبة أمل. فأنت عضو مهم في هذا الفريق، وسأحرص على أن تتوافر لك كل المقومات التي تحتاجها لتحقيق النجاح”.

 

  1. استفد من المزايا التي يمنحها لك هذا الوضع: بطبيعة الحال، هناك أيضاً بعض المزايا في أن تصبح مديراً لزملائك السابقين. يشير واتكنز إلى أن: “ستكون أكثر معرفةً بالسياسات الداخلية للمؤسسة مقارنةً بشخص يأتي من خارجها”. ويضيف ساتون: “ومن المرجح أيضاً أن تجد أشخاصاً تثق بهم ليقدموا لك تغذية راجعة صادقة، أو يأخذوك جانباً ويخبروك عندما ترتكب خطأ”. لذلك، استفد من العلاقات الإيجابية التي بنيتها سابقاً، واطلب من الأشخاص الذين تثق بهم أن يقدموا لك آراءهم الصريحة وملاحظاتهم الصادقة حول أدائك.

  1. لا تركز على فريقك فقط: خلال هذا النوع من الانتقال الوظيفي، من السهل أن ينصبّ كل اهتمامك على زملائك السابقين. لكن واتكنز يحذر قائلاً: “لا تنسَ أن تتعامل أيضاً مع زملائك الجدد ومديرك الجديد”. ويضيف: “ستواجه تحديات في هذه العلاقات أيضاً، ولذلك عليك أن تدرك أن هذه العلاقات تحتاج هي الأخرى إلى إعادة تشكيل وبناء”.

 

اسأل نفسك باستمرار:

  • كيف يمكنني بناء المصداقية والثقة مع زملائي الجدد؟

  • وكيف أستطيع إقامة علاقة عمل قوية ومثمرة مع مديري الجديد؟

 

فالنجاح في المنصب الجديد لا يعتمد فقط على إدارة الفريق الذي تقوده، بل يعتمد أيضاً على قدرتك على بناء علاقات مهنية ناجحة مع جميع الأطراف التي تتعامل معها داخل المؤسسة.

 

مبادئ ينبغي تذكّرها

افعل:

  • اتخذ إجراءات عملية تُظهر كفاءتك وتعزز مصداقيتك كقائد.

  • أوضح لأي زميل كان منافساً لك على المنصب أنك تقدّر دوره، وأنك ستواصل دعمه ومساندته في مسيرته المهنية.

  • اطلب من زملائك السابقين أن يقدموا لك تغذية راجعة صادقة وملاحظات بنّاءة حول أدائك.

لا تفعل:

  • لا تُقدم على إجراء تغييرات أو إصلاحات جوهرية فور توليك المنصب.

  • لا تستمر في الحفاظ على العلاقات الشخصية الوثيقة نفسها التي كانت تربطك بزملائك السابقين.

  • لا تنشغل بإدارة فريقك فقط، وتنسى بناء علاقات قوية مع زملائك الجدد ومديرك الجديد.

 

 

دراسة حالة رقم (1): أشركهم في العمل واجعلهم جزءاً من العملية

بعد ثلاث سنوات من عمله شريكاً في قسم الاستشارات القيادية بشركة Heidrick & Struggles المتخصصة في البحث عن القيادات التنفيذية، اختاره زملاؤه ليصبح الشريك الإداري بعد انتقال الشريك السابق إلى شركة أخرى. ويقول رَسْتي أوكيلي (Rusty O’Kelley): “لم أكن بحاجة إلى إثبات أنني أصبحت المسؤول؛ لأن زملائي هم من اختاروني لهذا المنصب”. لكنه يضيف: “ومع ذلك، كان عليّ أن أجعل الجميع يشعرون بأنهم منخرطون في العمل، وأن لهم دوراً حقيقياً وملكيةً مشتركةً في عملية اتخاذ القرارات”.  ولهذا السبب، بدأ بعقد لقاءات فردية مع جميع العاملين في القسم، وعددهم 42 شخصاً، بمن فيهم الشركاء، والمديرون الرئيسيون، والمستشارون، والموظفون الإداريون، واستمع بعناية إلى آرائهم ومخاوفهم.  بعد ذلك، عقد اجتماعاً هاتفياً عاماً ضم جميع العاملين، عرض خلاله ما تعلمه من تلك اللقاءات، وشاركهم رؤيته للأهداف التي ينبغي أن تحققها الشركة خلال العام. ويقول: “أردت أن أوصل رسالة واضحة مفادها أنني أهتم بآراء الجميع”. واستناداً إلى الملاحظات التي جمعها، أجرى عدداً من التغييرات في العمليات الرئيسة داخل القسم. فعلى سبيل المثال:

  • اعتمد نموذجاً مركزياً لتوزيع الموظفين على المشروعات، بحيث أصبح هو صاحب القرار النهائي في توزيع الموارد البشرية.

  • كما وضع آليةً أكثر شفافيةً وانفتاحاً فيما يتعلق بعمليات تطوير الأعمال واستقطاب العملاء.

ويشير رَسْتي إلى أن علاقاته مع الشركاء الآخرين تغيرت بصورة كبيرة، ولا سيما من حيث معدل التواصل معهم. ففي السابق، لم يكن يتواصل مع أحدهم إلا عند العمل معاً في مشروع مشترك. أما الآن، فقد أصبح يستشيرهم بصورة منتظمة. ويقول: “هناك مواقف أمارس فيها سلطتي لاتخاذ القرار، لكنني أحرص دائماً على الاستماع إلى آرائهم، وأخذ نصائحهم بعين الاعتبار، وأسعى إلى جعل عملية اتخاذ القرار تعاونية قدر الإمكان”.

 

دراسة حالة رقم (2): أظهر سلطتك من خلال الكفاءة

بعد أربع سنوات من العمل في إحدى الهيئات الحكومية المعنية بالتعليم في ولاية لويزيانا الأمريكية، حصل سكوت نورتون (Scott Norton) على ترقية كبيرة. ففي أعقاب عملية إعادة تنظيم واسعة داخل المؤسسة، تمت ترقيته بمقدار مستويين وظيفيين إلى منصب جديد أُنشئ حديثاً، ليصبح مسؤولاً عن إدارة 40 موظفاً، من بينهم عشرة من زملائه السابقين، إضافةً إلى المديرين المشرفين عليهم، وكان من بينهم أيضاً مديره السابق. بدأ سكوت المرحلة الجديدة بعقد لقاءات فردية مع أعضاء فريق عمله السابق، أوضح خلالها مدى تقديره لما يقدمونه من عمل، والدور المهم الذي يؤدونه داخل المؤسسة. ثم ركّز جهوده على كسب ثقة الفريق الأكبر من خلال الاجتهاد والعمل المتواصل. ويقول: “أؤمن بأن القيادة لا تستمد قوتها من المنصب الوظيفي فحسب، وإنما من الكفاءة أيضاً”.

وقد لاحظ أعضاء الفريق مقدار الوقت والجهد الذي كان يبذله من أجلهم، ومدى إخلاصه والتزامه بتحقيق نجاح الإدارة التي يقودها، الأمر الذي عزز ثقتهم به ورسّخ مكانته بوصفه قائداً. أما فيما يتعلق بمديرته السابقة، فقد اتبع سكوت نهجاً أكثر تحفظاً وأقل تدخلاً. ويستذكر تلك المرحلة قائلاً: “كان الوضع محرجاً للغاية. حاولت ألا أتدخل في عملها أو أقيّدها، مع الحرص في الوقت نفسه على الاعتراف بالخبرة الكبيرة التي كانت تتمتع بها في أداء مهامها”. وبعد فترة قصيرة، غادرت المديرة الوكالة، ولكن ليس قبل أن يجري سكوت معها حديثاً صريحاً بشأن قرارها. ويقول: “أخبرتني أن البقاء في ظل تلك الظروف كان صعباً للغاية بالنسبة إليها، وقد تفهمت موقفها تماماً”. وفي وقت لاحق من عمله في الوكالة، حصل سكوت على ترقية أخرى، انتقل بموجبها من منصب إداري متوسط المستوى إلى منصب تنفيذي رفيع. وقد تمكن هذه المرة من إدارة عملية الانتقال الوظيفي بكفاءة أكبر، مستفيداً من الخبرة والدروس التي اكتسبها خلال تجربته الأولى في قيادة زملائه السابقين.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى