المخدرات الرقمية.. خطر مستحدث في الفضاء الإلكتروني

بقلم: د. حسن هاشم حمود

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

شهدت المجتمعات الإنسانية، تحولات متسارعة في مختلف المجالات الاجتماعية والثقافية والتكنولوجية، كان من أبرزها الانتشار الواسع لاستخدام التقنيات الرقمية ووسائط التواصل الاجتماعي، وقد أسهمت هذه التطورات في تعزيز فرص الوصول إلى المعرفة وتبادل المعلومات، كما ساعدت في رفع مستوى الوعي الثقافي والمعرفي لدى شرائح واسعة من المجتمع، ولا سيما فئة الشباب، الأمر الذي انعكس إيجابًا على العديد من جوانب الحياة الاجتماعية والتعليمية.

إلا أن هذه التحولات لم تخلُ من آثار سلبية رافقت الاستخدام المتزايد للتكنولوجيا الرقمية، إذ برزت أنماط جديدة من السلوكات المرتبطة بالإفراط في استخدام الوسائل الرقمية لأغراض الترفيه واشغال أوقات الفراغ، مما أدى في بعض الحالات إلى ظهور مشكلات اجتماعية ونفسية أثرت في العلاقات الأسرية والتماسك المجتمعي، وأسهمت في زيادة مظاهر العزلة والانفصال عن الواقع الاجتماعي.

ولذلك وفق رؤية عالم الاجتماع الألماني أولريش بيك في كتابه مجتمع المخاطر تعد ظاهرة المخدرات الرقمية بوصفها إحدى المخاطر المستحدثة الناتجة عن التطور التكنولوجي والعولمة، ويرى بيك أن المجتمعات الحديثة أصبحت تواجه أخطاراً جديدة تتجاوز الحدود الجغرافية والاجتماعية، وتنتشر بفعل التقدم العلمي والتقني الذي كان يهدف أساساً إلى تحقيق الرفاهية الإنسانية، وفي ضوء ذلك يمكن النظر إلى المخدرات الرقمية باعتبارها أحد الآثار الجانبية للتطور التكنولوجي.

كما ان ظاهرة المخدرات الرقمية أثارت اهتمام الباحثين والجهات المعنية، التي هي عبارة عن ملفات أو مقاطع صوتية تعتمد على ترددات ونبضات سمعية مختلفة يُروَّج لها على أنها قادرة على التأثير في الدماغ وإحداث حالات نفسية أو ذهنية تشبه بعض التأثيرات المنسوبة إلى المخدرات التقليدية، وقد أثارت هذه الظاهرة جدلاً واسعاً بشأن طبيعتها الحقيقية وآثارها المحتملة، لاسيما في ظل سهولة الوصول إليها عبر شبكة الإنترنت، وانخفاض تكلفتها المادية، وإمكانية استخدامها بسرية بعيداً عن الرقابة المباشرة.

وتكمن أهمية الموضوع في ما قد تمثله من تحديات قانونية واجتماعية وأمنية، خاصة مع تزايد تنامي الثورة الرقمية وما يرافقها من ثغرات تستغل لتطور الجريمة ومنها المخدرات الرقمية، وما يثار حول إمكانية تأثيرها في السلوك الفردي أو ارتباطها بتعزيز الميل نحو تعاطي المخدرات التقليدية، كما يلاحظ عدم مجاراة تطور التشريعات لتطور الجريمة، فالمشرع العراقي على سبيل المثال لم ينص بصورة صريحة أو ضمنية على المخدرات الرقمية ضمن أحكام قانون المخدرات والمؤثرات العقلية رقم (50) لسنة 2017، الأمر الذي يثير تساؤلات قانونية حول مدى كفاية النصوص الحالية لمواجهة هذه الظاهرة المستحدثة.

وانطلاقًا من ذلك، تهدف هذه المقالة إلى بيان مفهوم المخدرات الرقمية وخصائصها وآليات عملها وآثارها المحتملة، وسبل مواجهتها في ضوء التطورات التقنية المعاصرة.

 

اولاً: الجذور التاريخية للمخدرات الرقمية

يرجع تأثر الإنسان بالموجات السمعية إلى عصور قديمة جداً، وربما يكون أقدم مما يُتصور، إذ إن الإنسان بطبيعته يتأثر بالإيقاعات الصوتية المرتبطة به، ومنها ضربات القلب، كما يتفاعل مع الموجات والأصوات الموجودة في محيطه. وتؤكد ذلك العديد من الممارسات والطقوس القديمة التي اعتمدت على الإيقاع الصوتي لإحداث حالات إدراكية أو نفسية معينة، مثل رقصات المطر لدى بعض الشعوب الإفريقية، وطقوس الزار في بعض الدول العربية، وكذلك رقصة الليوا الشعبية.

أما من الناحية العلمية، فقد اكتشف العالم الفيزيائي الألماني هاينريش دوف (Heinrich Dove) هذه الظاهرة عام 1839. وفي عام 1970 بدأ استخدامها في المجال العلاجي، ولا سيما في علاج بعض الحالات النفسية البسيطة وحالات الاكتئاب الخفيف، خاصة لدى المرضى الذين لا يرغبون في الاعتماد على العلاج الدوائي. وقد استند هذا الاستخدام إلى توظيف الذبذبات الكهرومغناطيسية بهدف التأثير في الحالة المزاجية وتحفيز إفراز بعض المواد المرتبطة بتحسين المزاج، ويحدث تعاطيها حالياً للحصول على نفس النتائج أو إحداث تأثيرات مشابهة لتأثير بعض المخدرات التقليدية، مثل المورفين والكوكايين، غير أن بعض الآراء ترى أن ما يشعر به المستخدم من تحسن أو راحة نفسية قد يكون ناتجاً عن التهيئة النفسية المسبقة وتوقعه لحدوث تلك التأثيرات، أكثر من كونه أثراً حقيقياً ومباشراً لهذه الملفات الصوتية.

لقد تعددت التعريفات التي عرفت المخدرات الرقمية لتنوع التخصصات التي أخضعتها للدراسة، فتعرف بأنها ملفات صوتية تحتوي على نغمات أحادية أو ثنائية يستمع إليها المستخدم، تجعل الدماغ يصل إلى حالة من الخدر تشابه تأثير المخدرات الحقيقية، وقد صُممت هذه الملفات الصوتية لمحاكاة الهلاوس وحالات الانتشاء المصاحبة لتعاطي المواد المخدرة عن طريق التأثير على العقل بشكل لا واعٍ، وهذا التأثير يحدث عن طريق موجات صوتية غير سمعية للأذن تسمى الضوضاء البيضاء، مغطاة ببعض الإيقاعات البسيطة لتغطية إزعاج تلك الموجات.

وتعرف طبياً بأنها جرعات من الموسيقى الصاخبة التي تحدث تأثيراً سلبياً على مستوى كهرباء المخ، وهذا لا يشعر المتعاطي بالنشوة والابتهاج فقط، لكنه يحدث ما يسمى طبياً بالشرود الذهني، وهي من أخطر ما يكون لأنهم يشعرون وهماً بأنها نشوة واستمتاع، بينما هي لحظة يقل فيها التركيز بشدة ويحدث فيها انفصال عن الواقع، وتكرار اختلاف موجة كهرباء الدماغ بهذا العنف وتأثرها بالصخب يؤدي ليس فقط إلى لحظات شرود، ولكن إلى نوبات تشنج.

 

نستنتج من التعريفات أن المخدرات الرقمية هي مزيج بين تخدير دماغ الإنسان وجزء من جسده، ومن ثم يؤدي ذلك إلى مرحلة من عدم الإحساس أو الشعور.

 

كما أن الدخول إلى هذه المواقع، حتى بدافع الفضول أو الاستكشاف، قد يعرّض المستخدم للاستماع إلى مقاطع صوتية تُقدَّم على شكل “جرعات” تتراوح مدتها عادة بين 15 و20 دقيقة، ويُروَّج لهذه الجرعات على أنها تمنح المستمع شعوراً بالنشوة أو الاسترخاء أو الارتياح النفسي، وهو ما يفسر إقبال بعض الأفراد على تجربتها.

وتشير بعض التقارير إلى تزايد الإقبال على المواقع والتطبيقات التي تقدم ملفات صوتية تعتمد على تقنية النبضات الثنائية (Binaural Beats)، إذ توفر هذه المنصات مئات المقاطع الصوتية المصممة لإحداث حالات ذهنية أو مزاجية مختلفة لدى المستخدمين، ومن أبرز الأمثلة على ذلك موقع I-Doser الذي يطرح مجموعة متنوعة من الملفات الصوتية المخصصة لهذا الغرض،إذ يطرح هذا الموقع ما يقارب 200 جرعة مختلفة، إضافة إلى إرشادات استخدام وسماعات صوتية مناسبة لتحقيق التأثير المطلوب، كما شهدت تطبيقات ومواقع أخرى انتشاراً ملحوظاً من خلال أعداد كبيرة من عمليات التحميل والاستخدام، وبمبالغ مالية من 2.5 إلى 199.95 دولار للجرعة حسب النوع، وكذا الامر بالنسبة للموقع الأمريكي Cent.com الذي يشتغل منذ 2007 الموقع الصوتي الذي تم تحميله أكثر من 1.4مليون مرة منها 18000خلال اسبوع واحد فقط.

 

ثانياً: أنواع المخدرات الرقمية

تقسم المسارات الصوتية المصممة للتأثير في نشاط الموجات الدماغية وتحفيز حالات ذهنية مختلفة إلى عدة أنواع، هي:

  • موجات ألفا (Alpha Waves): تهدف إلى تعزيز الاسترخاء وتقليل التوتر، إذ تتراوح ترددات النبضات الثنائية بين 7 و13 هرتز.

  • موجات بيتا (Beta Waves): تُستخدم لتعزيز التركيز والانتباه، حيث تتراوح تردداتها بين 13 و30 هرتز، ويسهم هذا النطاق في زيادة اليقظة وتحسين التركيز، إلا أنه قد يؤدي إلى زيادة القلق عند الحد الأعلى من هذا المدى.

  • موجات ثيتا (Theta Waves): ترتبط بحالات التأمل والإبداع، إذ تُضبط النبضات الثنائية الأذنية على تردد يتراوح بين 4 و7 هرتز، مما يساعد على الدخول في حالات التأمل أو النوم المرتبط بمرحلة حركة العين السريعة (REM).

  • موجات دلتا (Delta Waves): تُسهم في تحسين النوم العميق والاسترخاء، حيث تعمل النبضات الثنائية ضمن نطاق يتراوح بين 0.5 و4 هرتز، وترتبط بالنوم العميق الخالي من الأحلام وفقًا لنتائج تخطيط الدماغ الكهربائي (EEG).

  • موجات كاما (Gamma Waves): تُستخدم لتعزيز الوظائف الإدراكية والذاكرة، ويتراوح نطاق ترددها بين 30 و50 هرتز، حيث يُعتقد أنها تدعم الحفاظ على اليقظة أثناء حالة الاستيقاظ.

 

 

ثالثاً: آلية عمل المخدرات الرقمية

إن عملية تعاطي المخدرات الرقمية لا تتم بشكل فوضوي، ولكنها تتم وفقاً لطقوس وممارسات معينة، بمعنى أن صُنّاع ومروجي هذا النوع من المخدرات أوجدوا لتعاطيها ممارسات ثقافية معينة يتم إرشاد المتعاطي لاتباعها عند شرائه لهذه الملفات، كما أن هذه الإرشادات تكون مدونة بشكل واضح على معظم المواقع الإلكترونية التي تروج لهذه المخدرات، ويمكن للمتعاطي أن يحصل عليها في شكل ملف رقمي (PDF)، وهو بمثابة دليل رقمي يصل إلى أربعين صفحة، يوضح للمتعاطي كيفية الحصول على المخدر وتصنيفاته وربطها بإسم مخدر واقعي معين، وكذلك طقوس الاستخدام والإرشادات التي يجب على المتعاطي الالتزام بها للوصول إلى الأهداف المرجوة من المخدر الرقمي.

وتعتمد المخدرات الرقمية بالأساس على خامة الصوت، إذ يعد الصوت السمعي الناتج من خلال حدوث الفروقات في التردد هو السبب الأساسي في إحداث تأثير المخدرات الرقمية، والذي يُطلق عليه مسمى الرنين الأذني، وتنشأ عمليات الاستجابة الدماغية بفعل تغذية الدماغ بوجود المحفز المثير، والذي بدوره يستثير عمليات الاستجابة الدماغية للقيام بالنشاط اللازم، إذ يتمثل هذا المثير من خلال تقديم نغمتين صوتيتين على شكل موجات ضمن نطاق موحد مع اختلاف في التردد لإحدى هذه الموجات، مثال ذلك: يتم تقديم نغمة صوتية للأذن اليسرى بمعدل تردد 200 هيرتز في الثانية الواحدة، ونغمة صوتية للأذن اليمنى بمعدل تردد 210 هيرتز في الثانية الواحدة.

في ظل هذه الظروف المقصودة، فإن عمليات الاستجابة السمعية في الدماغ لا تقوم بسماع صوت ذي نصف القيمة الإجمالية لمجموع الترددات مع ذبذباتها، أي: تردد 205 هيرتز، فعملياً تقوم الاستجابة السمعية بالتأثر بالفارق الموجود في التردد ما بين الإشارتين، وهو 10 هيرتز، ويعود السبب في ذلك إلى أن الفارق في التردد، والذي يسمى بالرنين الأذني، يحتوي في مضمونه على موجات تمتاز بأنها طويلة.

وتفيد التقارير المعملية بأن مستوى تأثير هذه الموجات على الدماغ أعلى من مستوى تأثير الموجات الطبيعية المتمركزة في الدماغ (ألفا، بيتا، ثيتا، دلتا)، وعلى سبيل المثال تعنى موجة ثيتا بتحفيز عمليات الاسترخاء، وتعنى موجة بيتا بعمليات تنشيط التركيز والإدراك، ومن ثم، واستناداً إلى قوة مستوى تأثير تلك الموجات، ينشأ الرنين في الدماغ بالشكل الطبيعي ويعمل على توطين “نبضاته” الصوتية في الدماغ، بناءً على عمليات الاستجابة السمعية التي تستثيرها المحفزات الصوتية المقدمة لكلتا الأذنين في ذات الوقت.

ومن خلال دراسة الدماغ وطبيعة الإشارات الكهربائية التي تصدر عنه بعد تعاطي نوع محدد من المخدرات يمكن تحديد حالة النشوة المرغوبة، إذ إن كل نوع من المخدرات الرقمية يمكنه أن يستهدف نمطاً معيناً من النشاط الدماغي، فمثلاً عند سماع ترددات الكوكايين لدقائق محسوبة فإن ذلك سيدفع إلى تحفيز الدماغ بصورة تشابه الصورة التي يتم تحفيزه فيها بعد تعاطي هذا المخدر بصورة واقعية، وكذلك بقية الأنواع لأخرى التي تعددت مسمياتها واستعمالاتها مثل: “الماريجوانا” وغيرها، فضلاً عن مسميات أخرى مثل “أبواب الجحيم” و”المتعة في السماء”. وتنشر هذه المواقع خبرات أشخاص تعاطوا المخدرات الرقمية، كما تعرض منتجاتها بأسعار تنافسية وتشجيعية مقارنة بالمخدرات التقليدية، ودون الحاجة إلى تواصل مباشر، مما يجعلها في متناول الجميع ويحد من احتمالات القبض على مروجيها.

 

رابعاً: آثار المخدرات الرقمية على الفرد والأسرة

إن إدمان المخدرات الرقمية يعدّ من المشكلات التي تؤثر بداية على الشخص نفسه، ثم يمتد خطرها بعد ذلك إلى أسرته، ومن ثم إلى المجتمع، سواء من الناحية القانونية أو الاقتصادية أو الاجتماعية، ويمكن إجمال هذه الآثار في النقاط التالية:

 

  1. العزلة الاجتماعية

قد يؤدي الاعتماد المتكرر على هذه المؤثرات الصوتية لتحسين المزاج إلى الانسحاب الاجتماعي والعزلة، حيث يتجه الفرد بدلاً من التفاعل الاجتماعي أو طلب الدعم من الأسرة والأصدقاء إلى هذه المسارات الصوتية، والتي غالباً ما يتم الترويج لها عبر منصات التواصل الاجتماعي، ويشبه ذلك إلى حد ما استخدام هذه المنصات في الترويج للكحول والتدخين والماريجوانا والمقامرة غير المشروعة، وهي ممارسات قد تسهم في تعزيز السلوك الإدماني، فضلاً عن إنها تؤدي إلى انخفاض في الكفاءة الإنتاجية بسبب الانفصال عن الواقع.

 

  1. تطبيع ثقافة المخدرات

يمكن أن يسهم انتشار الترويج للمخدرات الرقمية عبر منصات مثل TikTok وYouTube في تطبيع فكرة تعاطي المواد المؤثرة، مما يجعلها تبدو أكثر قبولاً أو جاذبية، وقد أشارت بعض الدراسات إلى أن المنصات الرقمية تلعب دوراً في تعزيز وتطبيع السلوكيات المرتبطة بالمخدرات، كما أن المحتوى المنشور على منصات مثل إنستغرام قد يقدم أنماط حياة مثالية تُظهر بعض السلوكات، ومنها تعاطي المخدرات، كجزء من نمط حياة مرغوب فيه، كذلك تنتشر التحديات والوسوم على تطبيق تيك توك بسرعة كبيرة، مما قد يؤثر على شريحة واسعة من المستخدمين ويدفع بعضهم إلى تقليد سلوكات قد تتضمن تعاطي مواد ضارة.

 

وفي الوقت نفسه تكمن خطورتها من الناحية الاجتماعية، كونها أشد فتكاً من المخدرات التقليدية للأسباب الآتية:

  • سهولة الحصول عليها من شبكة الإنترنت.

  • انخفاض تكلفتها المادية، مما يصعب على الآباء ملاحظتها.

  • عدم وجود أعراض جسمانية واضحة لدى متعاطي المخدرات الرقمية، بخلاف الأعراض الواضحة في المخدرات التقليدية.

  • إمكانية الحصول عليها في أي سن، حتى للأطفال، لأن الأمر لا يتطلب سوى جهاز كمبيوتر في غرفة النوم.

  • عدم وجود قوانين تمنع أو تكافح هذا النوع من السموم السمعية والصوتية والفكرية.

 

  1. التأثير على الصحة العقلية

يمكن أن يؤثر استخدام المخدرات الرقمية في الصحة العقلية نتيجة الاعتماد على المسارات الصوتية بهدف الاسترخاء أو تحسين التركيز، مما قد يؤدي إلى اضطراب في الآلية الطبيعية لعمل مادة الدوبامين، وهي المادة الكيميائية المرتبطة بعمليات الإدمان، والتي تُفرز في الدماغ عند القيام بأنشطة مجزية مثل الحصول على الطعام أو المأوى أو العلاقات الاجتماعية، وقد صُمم الدماغ البشري ليستشعر المتعة أثناء هذه الأنشطة لما لها من دور في تعزيز البقاء والاستمرار.

اما فيما يتعلق بأضرار المخدرات الرقمية على المستوى الفردي للمدمن، يمكن تلخيصها فيما يأتي:

  • التأثير السلبي على وظائف الأعصاب والدماغ.

  • حدوث تشنجات ورجفة نتيجة الاسترخاء المستمر لفترات طويلة.

  • شرود الذهن وضعف التركيز.

  • فقدان الانتباه بشكل واضح.

  • التعرض لحالات اكتئاب شديدة.

  • حدوث اضطرابات أو خلل في الجهاز السمعي.

  • فقدان القدرة على التنظيم العاطفي.

وفي هذا المجال، عرّفت الجمعية الأمريكية لطب الإدمان (ASAM) والجمعية الأمريكية للطب النفسي (APA) الإدمان الرقمي بأنه اضطراب مزمن في الدماغ يؤثر في الدوافع والذاكرة والدوائر العصبية المرتبطة بها، وينتج عنه مظاهر بيولوجية ونفسية واجتماعية وروحية، ويظهر في السعي القهري للحصول على المكافأة أو الراحة من خلال استخدام المواد أو السلوكيات الإدمانية، مثل ألعاب الإنترنت والسلوكيات الرقمية المشابهة، وقد لوحظت كذلك أعراض مثل الوحدة والقلق والاكتئاب لدى بعض المستخدمين المفرطين للهواتف الذكية، خصوصًا بين طلاب الجامعات.

 

استنتاجات

  1. تمثل المخدرات الرقمية إحدى الظواهر المستحدثة التي ظهرت نتيجة التطور التكنولوجي وانتشار استخدام شبكة الإنترنت ووسائل الاتصال الرقمية.

  2. تعتمد المخدرات الرقمية على تقنية النبضات الثنائية والترددات الصوتية التي تستهدف التأثير في النشاط الكهربائي للدماغ وإحداث حالات ذهنية ونفسية معينة.

  3. تتميز المخدرات الرقمية بسهولة الوصول إليها عبر الإنترنت وانخفاض تكلفتها وإمكانية استخدامها بسرية، الأمر الذي يزيد من صعوبة الرقابة عليها.

  4. تسهم هذه الظاهرة في تعزيز العزلة الاجتماعية وضعف التفاعل الأسري والاجتماعي، وقد تؤثر سلباً في الصحة النفسية والتركيز والانتباه لدى بعض المستخدمين.

  5. تعاني التشريعات القانونية في العديد من الدول، ومنها العراق، من قصور نسبي في مواكبة التطورات التقنية المرتبطة بالمخدرات الرقمية والجرائم الناشئة عنها.

  6. تتطلب مواجهة هذه الظاهرة تكاملاً بين الجهود التشريعية والأمنية والتربوية والتوعوية والتقنية للحد من انتشارها وآثارها السلبية.

 

توصيات

  1. تمكين الجهات التشريعية والقضائية وأجهزة إنفاذ القانون من امتلاك المهارات والأدوات اللازمة لمواجهة جرائم المخدرات الرقمية بفعالية.

  2. تطوير أدوات تقنية متقدمة لتتبع الشبكات الإلكترونية المتورطة في ترويج المخدرات الرقمية وتفكيكها.

  3. تشديد الرقابة الإلكترونية على المواقع التي تروج للمخدرات الرقمية وإغلاقها ومعاقبة القائمين عليها.

  4. إطلاق مبادرات من قبل مؤسسات المجتمع المختلفة لمواجهة الإدمان الرقمي والحد من مخاطره.

  5. رفع مستوى الوعي الأسري حول مخاطر المخدرات الرقمية وسبل الوقاية منها.

  6. وضع قواعد واضحة لاستخدام الإنترنت داخل الأسرة.

  7. توعية الأسر لأبنائها بمخاطر الإدمان الرقمي وتحصينهم ضد مختلف أشكاله.

 

خاتمة

تُعد المخدرات الرقمية من الظواهر الحديثة التي أفرزتها الثورة الرقمية والتطور المتسارع في وسائل الاتصال والتكنولوجيا، وتتجلى أهمية هذه الظاهرة لما تنطوي عليه من آثار نفسية واجتماعية وقانونية. وطبيعة تأثيرها ومدى تشابهها مع المخدرات التقليدية، فإن سهولة الوصول إليها وانتشارها عبر الفضاء الإلكتروني يفرضان ضرورة التعامل معها بجدية ووعي. ومن ثم فإن الحد من مخاطرها يتطلب تعزيز التشريعات القانونية، وتطوير آليات الرقابة الإلكترونية، ورفع مستوى الوعي المجتمعي والأسري.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى