بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
تُعدّ العدالة من أسمى القيم التي قامت عليها الحضارات الإنسانية، وهي الأساس الذي تُبنى عليه شرعية الدول وثقة الشعوب بمؤسساتها، فالناس لا يطلبون من الدولة أن تكون قوية فحسب، بل أن تكون عادلة أيضاً، لأن القوة من دون عدالة قد تتحول إلى أداة للهيمنة، أما العدالة فإنها تمنح القوة مشروعيتها وتكسب القانون احترام المواطنين.
ويرى بعض المتصوفة أن “العدالة هي البحث عن البراءة إلى حد النهاية”، وهي عبارة تختزل فلسفة إنسانية عميقة تجعل الأصل في الإنسان البراءة، وتجعل مهمة العدالة البحث عن الإنصاف قبل البحث عن العقوبة، ومن هذا المنطلق فإن العدالة لا تعني فقط معاقبة المخالف، بل تعني أيضاً توفير الظروف التي تمكنه من الالتزام، وضمان أن تكون الحقوق والواجبات متبادلة بين الدولة والمواطن، وفي العراق، حيث تتداخل التحديات الخدمية والإدارية والاقتصادية، يبرز السؤال عن مدى تحقق هذا التوازن في الممارسة اليومية للسلطات والمؤسسات.
العدالة بين البحث عن البراءة واستيفاء الحقوق: قراءة في الواقع العراقي
ان قول المتصوفة أن “العدالة هي البحث عن البراءة إلى حدّ النهاية”، وهي عبارة تختزل فلسفة إنسانية رفيعة ترى أن مهمة العدالة ليست اصطياد المذنبين بقدر ما هي السعي الحثيث لإثبات براءة الإنسان ما أمكن، والبحث عن الأعذار قبل الاتهامات، وعن الإصلاح قبل العقاب، وهذه النظرة تختلف عن الفهم الشائع للعدالة بوصفها آلة لمعاقبة المخالفين، فالعدالة الحقيقية لا تبدأ من سؤال: “كيف نعاقب؟”، بل من سؤال: “هل وفرنا شروط الالتزام؟ وهل أدينا واجباتنا قبل أن نطالب الآخرين بواجباتهم؟.
ومن هنا تنشأ قاعدة أخلاقية مهمة: لا يحق للسلطة أن تكون صارمة في أخذ حقوقها إذا كانت متساهلة في أداء واجباتها، فالعدالة عقد متبادل بين الدولة والمواطن، وليست طريقاً باتجاه واحد.
في الواقع العراقي تبرز هذه الإشكالية بصورة واضحة في بعض الجوانب الخدمية والإدارية، ولا سيما ما يتعلق بالمرور والجبايات والغرامات، فالدولة تطالب المواطن بالالتزام الكامل بقوانين السير، وتستخدم الكاميرات والرادارات وأنظمة الغرامات الإلكترونية لرصد المخالفات، وهو أمر مشروع من حيث المبدأ، لأن تنظيم المرور وحماية الأرواح من مسؤوليات الدولة الأساسية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: هل اكتملت شروط العدالة قبل تفعيل العقوبة؟
فالمواطن العراقي يقود مركبته في شوارع تعاني في كثير من الأحيان من “الزحامات الخانقة”، والمطبات غير النظامية، وضعف التخطيط المروري، والتقاطعات التي تفتقر إلى التنظيم الكافي، كما يشاهد يومياً مركبات لا تخضع بالقدر نفسه للضوابط المرورية، مثل بعض عربات “التكتك” أو الدراجات النارية غير المسجلة، التي تتحرك خارج الأطر القانونية ومن دون اية التزامات بقواعد المرور ودون رقابة مكافئة لما يُفرض على أصحاب السيارات النظامية.
في مثل هذه الحالات يشعر المواطن أن الدولة حاضرة بقوة عندما يتعلق الأمر بالغرامة، لكنها أقل حضوراً عندما يتعلق الأمر بتوفير البيئة العادلة التي تمكنه من الالتزام بالقانون، وهنا تتولد فجوة نفسية بين المواطن والمؤسسات، لأن الإنسان بطبيعته يتقبل العقوبة عندما يشعر أن النظام منصف، لكنه يرفضها عندما يعتقد أن ميزان الحقوق والواجبات مختلف.
إن العدالة المرورية لا تتحقق بوضع الكاميرات وحدها، بل تتحقق عندما تقترن الكاميرا بشارع صالح، وإشارة واضحة، وتخطيط سليم، ورقابة متساوية على الجميع، فالعدالة ليست أن يرى المواطن عين الدولة عندما تخالفه، بل أن يراها أيضاً عندما يحتاج إلى خدمة أو حماية أو تنظيم، والأمر نفسه ينطبق على مختلف الجبايات والرسوم الحكومية، فالدولة التي تطلب من المواطن دفع الرسوم بانتظام مطالبة أيضاً بتقديم خدمات تتناسب مع تلك الاستحقاقات، إذ لا يمكن للعدالة أن تكون جباية بلا خدمة، أو واجبات بلا حقوق، أو محاسبة بلا مسؤولية متبادلة.
لقد أدرك الفلاسفة منذ القدم أن قوة القانون لا تنبع من الخوف منه، بل من الشعور بعدالته، فحين يشعر المواطن أن الدولة تؤدي واجباتها بقدر ما تطالبه بأداء واجباته، يتحول الالتزام بالقانون من عبء مفروض إلى قناعة راسخة.
إن العراق اليوم لا يحتاج فقط إلى مزيد من الأنظمة الرقابية، بل يحتاج إلى ترسيخ ثقافة العدالة المتوازنة؛ عدالة تجعل المواطن شريكاً لا متهماً دائماً، وتبحث عن أسباب التيسير قبل أسباب العقوبة، وعن معالجة الخلل قبل تسجيل المخالفة.

العدالة لا تُقاس بقدرتها على معاقبة الضعفاء بل بقدرتها على محاسبة الأقوياء
من أخطر ما يهدد فكرة العدالة في أي مجتمع أن تتحول إلى سيفٍ مسلط على الضعفاء، بينما تتعطل أمام أصحاب النفوذ والسلطة والمال، فالعدالة لا تُختبر عندما تعاقب موظفاً صغيراً أو مواطناً بسيطاً ارتكب مخالفة محدودة، بل تُختبر عندما تقف أمام الفاسدين الكبار الذين استنزفوا المال العام وأضروا بمصالح ملايين المواطنين.
وفي المجتمعات التي تعاني من الفساد، يتولد لدى الناس شعور مؤلم بأن القانون يمتلك قوة هائلة في ملاحقة الحلقة الأضعف، لكنه يفقد كثيراً من هذه القوة عندما يقترب من “الحيتان الكبيرة”، فالمواطن البسيط قد يواجه إجراءات صارمة وغرامات فورية وتحقيقات مطولة بسبب مخالفة محدودة، بينما تتعثر ملفات فساد ضخمة أو تنتهي أحياناً إلى التبرئة أو التسويف أو النسيان، رغم ما تسببه من أضرار هائلة للدولة والمجتمع.
إن العدالة الحقيقية لا تنظر إلى حجم الشخص، بل إلى حجم الفعل. فسرقة قوت شعب أو هدر مليارات الدنانير أو تعطيل مشاريع حيوية أخطر بما لا يقاس من المخالفات الفردية التي تُرتكب يومياً. ولذلك فإن هيبة الدولة لا تُبنى بكثرة الغرامات المفروضة على المواطنين، وإنما تُبنى عندما يرى الناس أن الفاسد الكبير يخضع للقانون كما يخضع له المواطن البسيط.
وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام عن هذا المعنى حين جعل معيار الحكم هو المساواة أمام الحق (العدل أساسٌ به قوام العالم)، وقوله (بالعدل تصلح الرعية) فلا امتياز لأحد أمام العدالة مهما كان موقعه، فالعدل الذي يطارد الصغار ويستثني الكبار ليس عدلاً، بل صورة أخرى من صور الظلم المقنع بالقانون، حيث قال (الذليل عندي عزيز حتى آخذ الحق له، والقوي عندي ضعيف حتى آخذ الحق منه).
وفي العراق، حيث تُعدّ آفة الفساد من أبرز التحديات التي واجهت الدولة خلال العقود الماضية، تزداد الحاجة إلى ترسيخ قناعة مجتمعية ومؤسسية مفادها أن استعادة ثقة المواطن تبدأ من محاسبة كبار الفاسدين قبل صغار المخالفين. فالمواطن قد يتقبل العقوبة عندما يخطئ، لكنه يفقد ثقته بمنظومة العدالة عندما يرى أن القانون صارم معه ومتسامح مع من تسببوا بضياع الثروات وتعثر الخدمات وتراجع التنمية.
إن العدالة ليست استعراضاً للقوة على من لا يملك القوة، بل هي الشجاعة في مواجهة من يملكون النفوذ. وكلما اقترب القانون من أصحاب السلطة والمال بالقدر نفسه الذي يقترب فيه من المواطن العادي، اقترب المجتمع من العدالة الحقيقية التي يشعر بها الناس في حياتهم اليومية، لا تلك التي تبقى مجرد نصوص مكتوبة في القوانين والدساتير.
توصية
إن بناء دولة عادلة لا يتحقق بكثرة العقوبات والغرامات، بل بإقامة ميزان واحد للحقوق والواجبات، يكون فيه المواطن مطمئناً إلى أن الدولة كما تطلب منه الالتزام بالقانون، تلتزم هي أيضاً بأداء واجباتها وخضوع جميع المسؤولين والفاسدين للقانون ذاته دون تمييز أو استثناء.
خاتمة
إن العدالة ليست شعاراً سياسياً ولا مادة قانونية فحسب، بل هي شعور يومي يعيشه المواطن في علاقته مع الدولة. وهي تبدأ عندما تؤدي المؤسسات واجباتها قبل أن تطالب بحقوقها، وتترسخ عندما يخضع الجميع للقانون من دون تمييز أو استثناء. فالدولة العادلة ليست تلك التي تملك أكبر عدد من الغرامات والعقوبات، بل تلك التي تمنح مواطنيها الإحساس بأن حقوقهم مصانة كما تُصان حقوقها، وأن القانون يحمي الضعيف كما يحاسب القوي.
وفي العراق، فإن بناء الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة يمر عبر بوابة العدالة المتوازنة؛ عدالة تبحث عن الإنصاف قبل العقاب، وعن الإصلاح قبل الجباية، وعن محاسبة الفاسدين الكبار قبل التفاخر بملاحقة المخالفات الصغيرة. وعندها فقط يصبح القانون رمزاً للعدالة لا مجرد أداة للسلطة، وتتحول الدولة إلى بيتٍ مشترك يشعر فيه الجميع بأن الحق فوق الجميع.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى