بقلم: الباحث علي حامد الكناني
لا تبدو الأزمات التي يعيشها العراق ظواهر منفصلة أو حوادث عابرة تظهر ثم تختفي، بل تبدو أقرب إلى حلقات متتابعة داخل منظومة واحدة، تتغير أشكالها بينما تبقى كثير من أسبابها قائمة، فالكهرباء تعود كل صيف، والمياه تعود بوصفها مشكلة متصاعدة، والاختناقات المرورية تتكرر، والبطالة تضغط على سوق العمل، والعجز المالي يعود مع كل ضغوط اقتصادية، حتى أصبح المواطن يتعامل مع عدد من هذه الأزمات باعتبارها جزءاً طبيعياً من الحياة اليومية.
وهنا تبرز المشكلة الحقيقية التي تتجاوز السؤال عن أسباب كل أزمة منفردة إلى سؤال أكثر عمقاً، وهو لماذا تتكرر الأزمات العراقية رغم مرور سنوات طويلة على إدارتها، ولماذا تنجح الإجراءات الحكومية في تخفيف آثارها أحياناً من دون أن تمنع عودتها، ولماذا تتحول الحلول المؤقتة في بعض الحالات إلى جزء من طريقة استمرار الأزمة بدل أن تكون طريقاً للخروج منها.
إن خطورة هذا الوضع لا تكمن في وجود الأزمات وحده، وإنما في تحولها من حالات استثنائية إلى نمط مستمر، ومن أحداث تحتاج إلى معالجة عاجلة إلى واقع يتكيف معه المجتمع، وبذلك تتشكل حالة يمكن وصفها بـ تطبيع الأزمة، أي أن المجتمع يبدأ ببناء وسائل للتعايش مع الخلل بدل انتظار إصلاحه جذرياً، كما يحدث في الاعتماد على المولدات الأهلية عند ضعف الكهرباء، أو الآبار عند انقطاع التجهيز، أو تغيير أوقات التنقل هرباً من الاختناقات، أو اللجوء المستمر إلى الدولة بحثاً عن فرصة عمل.
ومن هذا المنطلق، لا تحاول هذه الدراسة تقديم قائمة جديدة بالأزمات العراقية بقدر ما تحاول فهم البيئة التي تسمح للأزمات بأن تتكرر، والعلاقات التي تجعل أزمة في قطاع ما قادرة على إنتاج ضغط في قطاع آخر، ثم بيان لماذا تتحول إدارة الأزمة في كثير من الأحيان إلى معالجة مؤقتة للأعراض بدل أن تقود إلى تغيير أسبابها.
أولاً: البيئة التي تنتج الأزمات
يصعب فهم الأزمات المزمنة في العراق من خلال عامل واحد، فإرجاعها جميعاً إلى الفساد، أو إلى ضعف الحكومة الحالية، أو إلى نقص الموارد، يقدم تفسيراً جزئياً لا يفسر استمرار المشكلة عبر الزمن، لأن الظاهرة أوسع من أداء حكومة بعينها، وترتبط ببنية اقتصادية وإدارية وسياسية تراكمت خلال سنوات طويلة.
ويأتي الاعتماد الكبير على النفط في مقدمة هذه العوامل، إذ يمنح الدولة الجزء الأكبر من مواردها المالية من مصدر ريعي لا يتطلب توسعاً مماثلاً في النشاط الإنتاجي الداخلي، ومع اتساع التزامات الدولة يصبح الإنفاق العام هو الأداة الأساسية لتوفير الوظائف والخدمات والدعم، في حين يبقى القطاع الخاص ضعيفاً في قدرته على استيعاب القوى العاملة أو قيادة التنويع الاقتصادي.
وتنشأ هنا علاقة متبادلة بين النفط واتساع دور الدولة، فارتفاع الإيرادات يسمح بتوسيع الإنفاق، واتساع الإنفاق يرفع الالتزامات الثابتة، وزيادة الالتزامات تجعل الدولة أكثر حاجة إلى الإيرادات النفطية، وعندما تنخفض الإيرادات أو تتعرض الأسواق النفطية للتقلب يظهر الضغط المالي بسرعة، فتعود مشكلة العجز والإنفاق والقدرة على تمويل الخدمات.
ولا تتوقف المشكلة عند الاقتصاد، إذ إن ضعف التنسيق المؤسسي واستمرارية التخطيط والتنفيذ يجعل عدداً من السياسات الحكومية مرتبطاً بالظرف السياسي والإداري الآني، فتتغير الأولويات، وتتبدل المشاريع، وتضعف المتابعة، ويصبح الانتقال من خطة إلى أخرى أكثر سهولة من استكمال مشروع طويل الأمد، كما أن الفجوة بين التخطيط والتنفيذ تمثل عاملاً مهماً في استمرار المشكلات، فوجود الخطط لا يعني بالضرورة تحولها إلى نتائج، ولا يعني تخصيص الموارد وجود كفاءة في استخدامها، ولذلك قد تتوافر الموارد المالية في بعض المراحل بينما تستمر المشكلات الخدمية والتنموية نفسها.
أما الفساد، فلا ينبغي النظر إليه بوصفه تفسيراً شاملاً لكل ما يحدث، بل باعتباره عاملاً يخفض كفاءة تحويل الموارد إلى نتائج، فعندما تتسرب الموارد أو تتعطل المشاريع أو تُمنح الأولويات على أساس غير الكفاءة، تصبح الدولة أقل قدرة على إنتاج الخدمة المطلوبة بالموارد المتاحة، وتزداد كلفة المعالجة وتتعاظم الفجوة بين الإنفاق والنتيجة.
وبذلك يمكن تصور البيئة المنتجة للأزمة بوصفها حلقة مترابطة تبدأ من اقتصاد ريعي واسع الالتزامات، ثم ارتفاع دور الدولة، وضعف التنويع والقطاع الخاص، وتراكم الإنفاق الجاري، وضعف التنسيق والاستمرارية، وتدخل عوامل الفساد والتنفيذ غير الكفوء، لتنتهي إلى استمرار المشكلات التي تحتاج بدورها إلى مزيد من التدخل الحكومي.

ثانياً: من أزمات منفصلة إلى شبكة من الأزمات
إذا جرى النظر إلى أزمات العراق كل واحدة على حدة، فإن الصورة تبدو وكأن البلاد تواجه مجموعة من المشكلات المختلفة، لكن النظر إليها بوصفها شبكة مترابطة يكشف صورة أكثر تعقيداً.
-
أزمة الكهرباء
لا تمثل الكهرباء مشكلة خدمية فحسب، بل تمتد آثارها إلى الاقتصاد والأسرة والعمل والنقل، فضعف التجهيز يدفع الأسر والمؤسسات إلى الاعتماد على بدائل أكثر كلفة، ويؤدي إلى ارتفاع نفقات المعيشة والإنتاج، كما يخلق طلباً إضافياً على الوقود ويزيد الضغط على منظومة الطاقة.
-
أزمة الوقود
ترتبط أزمة الوقود بالطاقة والنقل والإنتاج، وأي اضطراب في توفره أو أسعاره يمكن أن ينتقل سريعاً إلى قطاعات أخرى، ولذلك فإن التعامل معه كملف منفصل عن الكهرباء والنقل والاقتصاد يقلل من القدرة على معالجة المشكلة في أصلها.
-
الأزمة المالية والوظائف الحكومية
يؤدي ضعف القطاع الخاص إلى زيادة الاعتماد على الدولة في توفير فرص العمل، وكلما ارتفع الطلب الاجتماعي على الوظائف الحكومية اتسعت الالتزامات المالية، وأصبح الإنفاق الجاري أكثر صعوبة في التخفيض، فتزداد حساسية الموازنة لأي انخفاض في الإيرادات، وهكذا يتحول سوق العمل نفسه إلى جزء من المشكلة المالية، في حين يؤدي ضعف الاقتصاد الخاص إلى إعادة إنتاج الطلب على الدولة.
-
أزمة المياه
تمثل المياه نموذجاً واضحاً للأزمة الشبكية، لأنها لا تتوقف عند نقص المياه للاستهلاك المباشر، بل تمتد إلى الزراعة والدخل والهجرة والضغط على المدن، فتراجع النشاط الزراعي قد يؤدي إلى انخفاض دخل السكان في المناطق الريفية، ويدفع بعضهم إلى الهجرة، وهو ما يزيد الضغط على السكن والخدمات وفرص العمل في المدن، ومن ثم قد تظهر آثار جديدة في النقل والبنية التحتية.
-
البطالة والعمل
البطالة ليست مشكلة اقتصادية فقط، لأنها ترتبط بالاستقرار الاجتماعي وبالطلب على الوظائف الحكومية وبقدرة الأسر على الإنفاق، وكلما ضعف القطاع الخاص أصبح الضغط أكبر على الدولة، فتتحول مشكلة سوق العمل إلى مشكلة مالية وإدارية في الوقت نفسه.
-
النقل والاختناقات المرورية
الازدحام المروري لا ينتج عن زيادة عدد المركبات وحدها، بل يرتبط بالتوسع الحضري، وتوزيع الأنشطة والخدمات، وضعف النقل العام، وأنماط استخدام الطرق، وإدارة المرور، ولذلك فإن معالجته من خلال فتح شارع أو إنشاء جسر قد تخفف الاختناق في موقع معين لكنها لا تمنع انتقاله إلى موقع آخر.
إن هذه الأمثلة تكشف أن الأزمة العراقية لا تعمل في خطوط مستقيمة، بل تتحرك داخل شبكة من العلاقات، ولذلك فإن معالجة قطاع واحد من دون النظر إلى القطاعات المرتبطة به قد تؤدي إلى نقل الضغط بدل إنهائه.
ثالثاً: لماذا لا تنتهي الأزمات؟
من أهم المفاتيح لفهم الحالة العراقية التمييز بين إدارة الأزمة وحل الأزمة، فإدارة الأزمة تعني تقليل آثارها عندما تظهر، وتأمين الاستجابة السريعة للضغط الشعبي والخدمي، أما حل الأزمة فيعني تغيير الشروط التي تجعلها تظهر مرة أخرى.
قد تنجح الحكومة في توفير الكهرباء لساعات إضافية، أو تأمين الوقود، أو فتح طريق جديد، أو إطلاق برنامج للتوظيف، أو زيادة الإنفاق على قطاع معين، فتتراجع حدة الأزمة، لكن تراجع الأعراض لا يعني أن الأسباب قد اختفت
وهنا تتشكل دورة متكررة ، وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يُقاس نجاح التدخل الحكومي بقدرته على تهدئة الأزمة الحالية بدل قدرته على منع تكرارها، لأن هذا النوع من التقييم يشجع على الحلول السريعة، ويجعل الاستثمار في الإصلاحات طويلة الأمد أقل جاذبية سياسياً وإدارياً.
ومن الأسباب التي تساعد على استمرار هذه الدورة:
-
قصر الأفق الزمني، إذ تتقدم المشكلات التي يمكن حلها أو تهدئتها بسرعة على المشكلات التي تحتاج سنوات من العمل.
-
ضعف الاستمرارية المؤسسية، حيث قد تبدأ سياسة أو مشروع ثم يتغير مساره مع تغير المسؤول أو الأولويات.
-
تجزؤ المسؤولية، إذ تتوزع المشكلة الواحدة بين أكثر من مؤسسة، فلا تكون هناك جهة واحدة مسؤولة عن النتيجة النهائية.
-
ضعف المساءلة على أساس النتائج، بحيث يجري التركيز على حجم الإنفاق والإجراءات أكثر من التركيز على ما تحقق فعلياً.
-
تضارب المصالح، إذ قد تتشكل مصالح اقتصادية وإدارية حول استمرار بعض الأوضاع، فيصبح تغييرها أكثر صعوبة.
-
التكيف الاجتماعي مع الأزمة، إذ إن الاعتياد على الخلل يقلل أحياناً من قوة الضغط باتجاه إصلاحه جذرياً.
ومن أخطر النتائج أن بعض الحلول نفسها قد تصبح جزءاً من المشكلة، فكل حل يعالج العرض ويترك السبب قائماً قد يتحول مع الزمن إلى عنصر في دورة الأزمة.
رابعاً: من أزمة إلى أخرى
إن إحدى السمات المهمة للأزمات العراقية هي قدرة الأزمة على الانتقال من قطاع إلى آخر، فأزمة الكهرباء قد ترفع كلفة الإنتاج والمعيشة، وأزمة الوقود قد تزيد كلفة النقل، وأزمة المياه قد تضغط على الزراعة والهجرة، والبطالة قد تزيد الطلب على الوظائف الحكومية، والوظائف الحكومية ترفع الإنفاق الجاري، والازدحام قد يرفع الوقت الضائع وكلفة النشاط الاقتصادي.
وبذلك لا يكون السؤال دائماً: هل انتهت الأزمة؟ بل يصبح السؤال: إلى أين انتقلت آثارها؟
وهذا التحول مهم في تقييم السياسات العامة، لأن انخفاض حدة المشكلة في قطاع معين لا يعني بالضرورة انخفاض كلفتها على الدولة والمجتمع، فقد تكون المشكلة قد انتقلت إلى قطاع آخر أو ظهرت في صورة مختلفة، ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من إدارة القطاعات بصورة منفصلة إلى النظر في شبكة الأزمات باعتبارها منظومة مترابطة، بحيث لا يُقاس نجاح السياسة بما تحققه داخل حدود المؤسسة المسؤولة عنها فقط، وإنما بما تمنعه من انتقال للأزمة إلى القطاعات الأخرى.
الاستنتاجات
يمكن تلخيص أهم ما تكشفه الدراسة في مجموعة من الاستنتاجات الأساسية:
-
الأزمات العراقية ليست جميعها أزمات منفردة، بل يرتبط عدد كبير منها بشبكة من الأسباب والنتائج المتبادلة.
-
استمرار الأزمة لا يعني بالضرورة غياب التدخل الحكومي، بل قد يعني أن التدخل يركز على إدارة الأعراض أكثر من تغيير الأسباب.
-
يمثل الاعتماد على النفط واتساع دور الدولة وضعف التنويع الاقتصادي جزءاً أساسياً من البيئة التي تسمح باستمرار عدد من الأزمات.
-
يؤدي ضعف الاستمرارية المؤسسية والتنسيق والتنفيذ إلى إضعاف أثر الخطط والسياسات طويلة الأمد
-
يمثل الفساد عاملاً يقلل كفاءة استخدام الموارد ويزيد كلفة المعالجة، لكنه لا يكفي وحده لتفسير ظاهرة الأزمات المزمنة.
-
تنتقل آثار الأزمة من قطاع إلى آخر، ولذلك فإن معالجة مشكلة منفردة قد تؤدي أحياناً إلى نقل الضغط بدل إنهائه.
-
يسهم التكيف الاجتماعي مع الأزمات في تحويلها من حالات استثنائية إلى واقع مألوف، وهو ما يمكن وصفه بتطبيع الأزمة.
-
تتشكل حلقة متكررة تبدأ بالمشكلة البنيوية وتنتهي بأزمة جديدة عندما لا تُستكمل الإصلاحات التي تعالج الأسباب.
-
تكمن المشكلة الأعمق في الفجوة بين قدرة الدولة على توفير استجابة مؤقتة وقدرتها على إنتاج حلول مستدامة.
التوصيات
في ضوء ذلك، لا ينبغي أن تتجه المعالجة إلى زيادة عدد التدخلات فقط، بل إلى تغيير طريقة بناء السياسات العامة نفسها، ويمكن التركيز على ما يأتي:
-
إنشاء منظومة وطنية للإنذار المبكر ترصد المؤشرات التي تسبق تحول المشكلات إلى أزمات.
-
تقييم الأزمات وفق دورة حياتها، وعدم الاكتفاء بتقييم الإجراءات التي تتخذ بعد وقوعها.
-
اعتماد خطط طويلة الأمد في الطاقة والمياه والنقل والاقتصاد مع ضمان استمراريتها المؤسسية.
-
تعزيز التنسيق بين الوزارات والمؤسسات في القضايا التي تتداخل أسبابها ونتائجها.
-
تقليل الاعتماد على الدولة في التشغيل من خلال دعم التنويع الاقتصادي والقطاع الخاص المنتج.
-
مراجعة هيكل الإنفاق العام بما يوازن بين الالتزامات الجارية والاستثمار الذي يعالج جذور المشكلات.
-
تطوير مكافحة الفساد من رد الفعل بعد وقوع المخالفة إلى الوقاية وتقليل فرص حدوثها داخل دورة العمل.
-
اعتماد سياسات متكاملة للمياه والطاقة والنقل بدل معالجة كل قطاع بمعزل عن القطاعات المرتبطة به.
-
ترسيخ مبدأ أن الحل الحقيقي هو الذي يقلل احتمال عودة المشكلة، لا الذي يؤجل ظهورها إلى وقت لاحق.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى