بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
في الأزمنة العادية، تستطيع النخب السياسية أن تختبئ خلف اللغة الناعمة، وتُعيد تدوير إخفاقاتها عبر خطاب مبرّر أو وعود مؤجلة، لكن الحروب تفعل ما لا تفعله الخُطب، إنها تجرّد الواقع من مساحيق التجميل، وتضع القيادة أمام امتحان لا يقبل التأجيل ولا المجاملة، ففي لحظة الخطر، لا يُسأل القائد عمّا قال، بل عمّا فعل، ولا يُقاس حضوره بظهوره الإعلامي، بل بموضعه من الخطر: أهو في المقدمة أم في الظل؟
من زاوية المواطن العراقي، بدت الحرب على إيران وكأنها مرآة قاسية أعادت طرح الأسئلة المؤجلة عن معنى القيادة، وحدود المسؤولية، وطبيعة العلاقة بين الحاكم والمحكوم، ولم تكن المسألة مقارنة سياسية بقدر ما كانت صدمة إدراكية.
كيف يمكن لبلد يعيش تحت ضغوط خارجية هائلة أن يُظهر قدرة على إدارة أزماته، بينما يتعثر بلد آخر- أكثر وفرة في الموارد- في حسم أبسط استحقاقاته؟
هذه المفارقة لا تُفهم فقط عبر السياسة، بل تحتاج إلى قراءة نفسية- اجتماعية عميقة، لأن ما يتحرك في داخل المواطن ليس مجرد رأي، بل شعور متراكم تشكّل عبر سنوات من التجربة.
أول ما يتجلى في هذا السياق هو محور القيادة بوصفها قدوة، حين يرى المواطن أن القائد لا يتمتع بحصانة من الخطر، وأنه معرّض لما يتعرض له عامة الناس، تتولد شرعية نفسية تتجاوز الأطر الدستورية، فالقائد هنا لا يُنظر إليه كصاحب امتياز، بل كشريك في المصير، وهذه الصورة، بغض النظر عن تفاصيلها، تترك أثرًا عميقًا في الوعي الجمعي، لأنها تعيد تعريف السلطة بوصفها مسؤولية لا امتيازًا.
في المقابل، تتشكل في الوعي العراقي صورة معاكسة، حيث يبدو أن جزءًا من النخبة يعيش خارج دائرة المخاطر، محاطًا بطبقات من الحماية المادية والسياسية، وهذا التباين لا يُنتج فقط نقدًا سياسيًا، بل يولّد تفككًا في الثقة، إذ يشعر المواطن أن العلاقة بينه وبين السلطة لم تعد علاقة تمثيل، بل علاقة انفصال.
ومن هنا ننتقل إلى محور العلاقة بين السلطة والتضحية، فالمجتمعات التي تشعر أن قادتها يدفعون ثمن قراراتهم تكون أكثر استعدادًا لتحمل الأعباء، أما حين تُفرض التضحيات على فئة دون أخرى، فإن ذلك يخلق مقاومة نفسية صامتة، تتجلى أحيانًا في اللامبالاة، وأحيانًا في السخرية، وأحيانًا في الغضب المكبوت، ففي الحالة العراقية، يتعزز هذا الشعور بسبب الفجوة الواضحة بين مستوى عيش النخبة ومعاناة المواطن، ما يؤدي إلى تآكل الإحساس بالعدالة.
وهنا يبرز محور الاقتصاد الرمزي للسلطة، فالمسألة ليست أرقامًا بقدر ما هي صور ذهنية، فالبذخ في زمن الأزمات يُقرأ نفسيًا بوصفه استفزازًا، بينما البساطة النسبية تُفسَّر كعلامة على الانتماء للمجتمع، وهذه الرمزية تلعب دورًا حاسمًا في تشكيل الرأي العام، لأن المواطن لا يتفاعل فقط مع السياسات، بل مع “صورة الحاكم” في خياله الجمعي.
لكن المفارقة الأكثر إيلامًا تتجسد في محور فاعلية الدولة تحت الضغط حين تتمكن دولة ما من اتخاذ قرارات حاسمة في ظروف قاسية- انتخاب المرشد الأعلى مثلا-، يتكون انطباع بوجود “عقل دولة” قادر على إدارة الأزمات، في المقابل، حين تعجز دولة أخرى عن حسم خياراتها- ومنها اختيار رئيس جمهورية او رئيس وزراء مثلا- في ظروف أقل تعقيدًا، يتولد شعور بغياب هذا العقل، أو على الأقل بضعفه، وهذا ما يفسر حالة الدهشة التي يعيشها المواطن العراقي: ليست دهشة إعجاب بالآخر بقدر ما هي دهشة من العجز الذاتي.
هذه الحالة تقودنا إلى محور الثقافة السياسية للنخبة، فالنخب لا تتشكل في الفراغ، إنها نتاج بيئاتها، النخبة التي تنشأ في سياق صراع وجودي تميل إلى تطوير حس عالٍ بالمسؤولية والانضباط، بينما النخبة التي تنشأ في بيئة محاصصة قد تميل إلى إدارة التوازنات بدل اتخاذ القرارات، ففي الحالة العراقية، تبدو السياسة في كثير من الأحيان وكأنها فن تأجيل الأزمات لا حلّها، ما يعمّق شعور المواطن بالجمود.
على المستوى النفسي، يبرز إحساس الحرمان النسبي بوصفه أحد أهم المفاتيح لفهم هذا الوعي، فالمواطن لا يقارن وضعه بما يجب أن يكون فقط، بل بما يراه عند الآخرين، وعندما يرى أن النجاح ممكن في ظروف أصعب، يتولد لديه شعور بأن المشكلة داخلية، لا خارجية، وهذا الإدراك، رغم قسوته، يمثل لحظة وعي مهمة، لأنه ينقل التفكير من لوم الظروف إلى مساءلة الذات.
لكن هذا الوعي لا يأتي بلا ثمن، إذ يترافق مع ازدواجية انتماء مؤلمة، فالمواطن العراقي يحب بلده، ويؤمن بإمكاناته، لكنه في الوقت ذاته يشعر بخيبة أمل من واقعه السياسي، هذا التناقض يولّد حالة من القلق الجمعي، حيث يعيش الفرد بين الأمل والإحباط، بين الانتماء والخيبة.
ومع استمرار هذه الحالة، يبدأ العقل الجمعي في البحث عن نموذج بديل، ليس بالضرورة لتقليده، بل لإثبات أن الأداء الأفضل ممكن، وهنا تتحول المقارنة إلى أداة نقد ذاتي، لا إلى انحياز للآخر، إنها محاولة للإجابة عن سؤال داخلي: لماذا لا نكون نحن أفضل؟
ومع تراكم الإحباط، تظهر السخرية بوصفها آلية دفاع نفسي، فالنكتة السياسية، والتهكم، واللغة الساخرة، كلها أدوات لتخفيف الضغط النفسي، لكنها في الوقت ذاته مؤشر خطير، لأنها تعكس تراجع الثقة بإمكانية التغيير القريب.
في العمق، تكشف هذه الحالة عن تراجع الإحساس بالعدالة، وهو أخطر من الفقر نفسه، فالمجتمع يمكن أن يتحمل الضيق الاقتصادي إذا شعر بوجود عدالة، لكنه يصعب أن يتحمل شعورًا دائمًا بأن التضحيات موزعة بشكل غير متكافئ.
في النهاية، ما تكشفه الحروب ليس فقط قوة الدول، بل طبيعة نخبها، وعمق العلاقة بينها وبين شعوبها، ومن منظور المواطن العراقي، لم تكن الحرب على إيران مجرد حدث خارجي، بل لحظة كاشفة أعادت طرح الأسئلة الجوهرية:
-
ما معنى أن تكون قائدًا؟
-
ما حدود المسؤولية في زمن الأزمات؟
-
ولماذا نعجز عن الحسم حيث ينجح غيرنا؟
هذه الأسئلة، رغم قسوتها، ليست علامة ضعف، بل بداية وعي، وعيٌ يدرك أن المشكلة ليست في قلة الموارد، بل في كيفية إدارتها، وأن بناء الدولة لا يبدأ من الخارج، بل من إعادة تعريف العلاقة بين السلطة والمجتمع.
حينها فقط، يمكن للعراقي أن ينتقل من موقع المقارنة إلى موقع الفعل، ومن البحث عن نموذج في الخارج إلى صناعة نموذج في الداخل.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى