إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
ليست كل الانتصارات تُكتب في ميادين القتال، ولا تُقاس جميع موازين القوة بعدد الأسلحة أو حجم الجيوش، فهناك انتصارات تتجسد في قدرة الشعوب على صناعة المشهد، وتحويل لحظات الفقد إلى رسائل بقاء، والألم إلى قوة رمزية، والوداع إلى إعلان عن استمرار الفكرة والهوية، ومن هنا، فإن التشييع الجماهيري الكبير للسيد الشهيد علي الخامنئي لم يكن مجرد مراسم جنائزية بالمعنى التقليدي، بل تحول إلى حدث ذي أبعاد اجتماعية ونفسية وسياسية استقطب اهتمام العالم، وأعاد طرح تساؤلات حول مفهوم القوة المعنوية في حياة الأمم.
لقد أثبت التاريخ أن الحشود الكبرى لا تعبر فقط عن مشاعر الحزن، وإنما تؤدي وظيفة اجتماعية تتمثل في إعادة بناء الثقة الجمعية، وترميم الشعور بالانتماء، وإرسال رسائل تتجاوز حدود الدولة إلى الإقليم والعالم، ولذلك فإن قراءة هذا الحدث لا ينبغي أن تنحصر في بعده العاطفي، بل تمتد إلى فهم ما حمله من دلالات تتعلق بالتماسك الاجتماعي، والشرعية الرمزية، وتأثير الصورة الجماهيرية في تشكيل الرأي العام الإقليمي والدولي.

أولاً: القيمة المعنوية للتشييع وأبعاده الاجتماعية والنفسية
تكتسب المراسم الجماهيرية الكبرى أهميتها من كونها تمثل لحظة تتوحد فيها المشاعر الفردية داخل إطار جمعي، فتتحول الجموع إلى لغة سياسية واجتماعية تعبّر عن التماسك والاستمرار، وفي علم الاجتماع، تُعد مثل هذه المناسبات وسيلة لإعادة إنتاج الهوية الجمعية، حيث يشعر الأفراد بأنهم جزء من كيان أكبر يمتلك ذاكرة مشتركة وقيمًا موحدة.
ومن الناحية النفسية، يؤدي التشييع الجماهيري وظيفة تتجاوز التعبير عن الحزن؛ فهو يمنح المشاركين شعورًا بالأمان النفسي من خلال المشاركة الوجدانية، ويخفف من آثار الصدمة عبر الإحساس بأن المجتمع كله يتقاسم المشاعر نفسها، ولهذا فإن الحشود الضخمة غالبًا ما تتحول إلى مصدر للطاقة المعنوية، لأنها تعزز الثقة بالنفس، وتبدد الإحساس بالعزلة، وتؤكد استمرارية الجماعة رغم فقدان قائدها.
كما أن الصورة الجماهيرية تحمل أثرًا نفسيًا بالغًا على المتابعين خارج حدود الدولة، إذ تشكل عنصرًا من عناصر القوة الناعمة، وتؤثر في الإدراك الجمعي للخصوم والحلفاء على حد سواء، فكلما بدا المجتمع متماسكًا في لحظات الأزمات، ازدادت قدرته على إيصال رسالة مفادها أن وحدة الجماعة أقوى من تأثير الحدث الطارئ، وأن الفكرة التي اجتمع الناس حولها لا تنتهي برحيل أصحابها.

ثانياً: الوفود الرسمية والرسائل الرمزية في تلاوة القرآن.. الدبلوماسية التي تتحدث بلغة الوحي
لم يكن حضور الوفود الرسمية والشخصيات السياسية والدينية من مختلف دول العالم مجرد حضور بروتوكولي لتقديم واجب العزاء، بل بدا المشهد وكأنه إعلان عن استمرار الحضور الإقليمي والدولي لإيران، وأن انتقال القيادة أو فقدان إحدى الشخصيات المحورية لا يعني انقطاع العلاقات أو تراجع المكانة السياسية للدولة، ففي علم العلاقات الدولية، تمثل المشاركة الرسمية في مراسم التشييع أحد أشكال الدبلوماسية الرمزية، إذ تُستخدم المناسبات الكبرى لإرسال رسائل سياسية هادئة، تُقرأ من خلال تفاصيل المشهد أكثر مما تُقرأ من خلال البيانات الرسمية.
ومن أبرز ما استوقف المراقبين في هذه المراسم اعتماد تلاوات قرآنية أثناء استقبال عدد من الوفود الرسمية، وهي تلاوات رأى بعض المتابعين أنها جاءت منسجمة مع طبيعة المناسبة، بينما ذهب آخرون إلى قراءتها بوصفها تحمل إيحاءات رمزية تتناسب مع السياق السياسي أو الثقافي للوفود الحاضرة، وسواء كانت هذه الدلالات مقصودة أم كانت مجرد اجتهادات في القراءة، فإنها تعكس المكانة التي يحتلها القرآن الكريم في الثقافة الإسلامية بوصفه لغةً جامعة تستطيع أن تؤدي وظيفة روحية وأخلاقية ورمزية في آن واحد.
فالقرآن، في الوعي الإسلامي، ليس كتابًا يُتلى في المناسبات الدينية فحسب، وإنما هو أيضًا وعاء للقيم الكبرى، كالصبر، والثبات، والوحدة، ونصرة الحق، والتعاون بين المؤمنين، وهي قيم تتجاوز حدود الجغرافيا والسياسة، ولذلك فإن اختيار آيات معينة في مناسبة عامة قد يفتح المجال أمام قراءات متعددة، يرى فيها كل متلقٍ رسالة تتوافق مع خلفيته الثقافية والسياسية.
وقد أضفى هذا البعد القرآني على مراسم التشييع طابعًا مختلفًا عن كثير من المراسم الرسمية في العالم؛ إذ امتزجت لغة الدولة بلغة الوحي، واختلطت البروتوكولات الدبلوماسية بالمضامين الروحية، الأمر الذي منح الحدث بعدًا حضاريًا وثقافيًا، وأبرز خصوصية النموذج الإسلامي في إدارة المناسبات العامة، حيث لا تُفصل السياسة عن الرمزية الدينية، بل تتداخلان في بناء الصورة العامة للدولة.
ومن منظور علم الاتصال، فإن الرموز غالبًا ما تكون أكثر تأثيرًا من التصريحات المباشرة؛ فالصورة، والنشيد، والآية القرآنية، وترتيب الجلوس، ومسار المراسم، كلها عناصر تشكل خطابًا غير لفظي يحمل رسائل قد تكون أبلغ من الكلمات، ولهذا فإن كثيرًا من الباحثين في الاتصال السياسي يعدّون المناسبات الكبرى ساحاتٍ لإنتاج “الرسائل الصامتة”، التي تُخاطب الوجدان قبل أن تخاطب العقل، وتؤثر في الإدراك الجمعي أكثر من تأثير البيانات الرسمية.
إن الحدث أكد أن الرمزية الدينية ما زالت تمثل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الرسائل السياسية والاجتماعية في “الشرق الأوسط”، وأن القرآن الكريم، إلى جانب كونه كتاب هداية، يبقى في الوجدان الإسلامي مرجعًا أخلاقيًا ولغةً قادرة على التعبير عن معاني الثبات والوحدة والأمل في أشد اللحظات حساسية.
ثالثاً: التشييع في العراق… تجلٍّ لوحدة الوجدان الشيعي
شكّل التشييع الذي أُقيم في العراق أكثر من كونه مناسبة للعزاء، إذ مثّل مشهدًا عبّر عن وحدة الوجدان الشيعي واجتماع مكوّنات المجتمع الشيعي العراقي على اختلاف انتماءاتها الدينية والاجتماعية والسياسية، ففي مثل هذه المناسبات، تتراجع كثير من الخلافات الداخلية أمام الشعور المشترك بالانتماء إلى مرجعية عقدية وتاريخية واحدة، لتبرز الهوية الجامعة بوصفها القاسم المشترك الذي يوحّد المشاعر والمواقف.
ومن منظور علم الاجتماع، تؤدي هذه التجمعات وظيفة إعادة إنتاج التضامن الاجتماعي، إذ تمنح الأفراد شعورًا بأنهم جزء من جماعة متماسكة تتشارك القيم والرموز والذاكرة التاريخية، كما تعزز الثقة المتبادلة بين أفرادها، وتجدد الإحساس بالمسؤولية الجماعية في مواجهة التحديات، وهو ما يمنح المجتمع قدرة أكبر على التماسك في أوقات الأزمات.
أما على المستوى الرمزي، فإن اتساع المشاركة في مدن العراق المختلفة حمل رسالة بأن الروابط الدينية والثقافية بين أبناء الطائفة الشيعية ما زالت تمتلك قدرة كبيرة على الحشد والتعبئة، وأن المناسبات الكبرى تتحول إلى فضاءات تتجدد فيها الهوية المشتركة، ويُعاد فيها التأكيد على قيم الوفاء والولاء والانتماء.
خاتمة
إن الأحداث الكبرى لا تُقاس بنتائجها المباشرة فحسب، وإنما بما تتركه من أثر في الوعي الجمعي وفي صورة الدولة لدى شعوبها ولدى العالم، ومن هذا المنطلق، فإن التشييع الجماهيري الكبير، بما شهده من مشاركة شعبية واسعة وحضور رسمي لوفود من دول مختلفة، يمكن قراءته بوصفه حدثًا حمل دلالات اجتماعية ونفسية وسياسية متعددة، وأسهم في ترسيخ صورة التماسك والاستمرارية لدى شريحة من المتابعين، مع بقاء تفسير هذه الدلالات محل اختلاف بين الباحثين والمراقبين وفقًا لزوايا نظرهم وخلفياتهم.
وفي عالم أصبحت فيه الصورة والخطاب الجماهيري جزءًا من أدوات التأثير، تظل مثل هذه المناسبات مجالًا خصبًا للدراسة في علم الاجتماع السياسي وعلم النفس الجمعي، لأنها تكشف كيف يمكن للرمزية والهوية والتعبئة الاجتماعية أن تؤدي دورًا مؤثرًا في تشكيل التصورات، وصياغة الرسائل، والتأثير في العلاقات الإقليمية والدولية، إلى جانب الأدوات السياسية والاقتصادية والعسكرية التقليدية.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى