الاحتيال المالي عبر الإنترنت

تهديد متصاعد في العالم الرقمي

بقلم: د. حسن هاشم حمود

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

مع تسارع التطور الإلكتروني والثورة الرقمية، ظهرت في المقابل أشكال جديدة ومتطورة من الجرائم المالية وعمليات الاحتيال الإلكتروني، التي تعددت صورها وأساليبها تبعًا لطبيعة الوسائل التقنية المستخدمة، وفي كل مرحلة يظهر نمط جديد من أساليب الاحتيال يعتمد على الإقناع والتأثير النفسي لاستدراج الأفراد ودفعهم إلى الانخراط في هذه العمليات الوهمية طمعًا بتحقيق أرباح سريعة.

وفي العراق، شهدت السنوات الأخيرة انتشار العديد من أساليب الاحتيال المالي الإلكتروني التي تستهدف مختلف فئات المجتمع، مستفيدة من التوسع في استخدام الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي، فضلًا عن ضعف الوعي الرقمي لدى بعض المستخدمين، وتعتمد هذه العمليات غالبًا على إنشاء شركات أو مجموعات وهمية تقوم بالترويج لمشاريع استثمارية مزعومة، ويتم استدراج الضحايا من خلال إيهامهم بإمكانية تحقيق أرباح مرتفعة مقابل إيداع مبالغ مالية محددة. وكلما ارتفعت قيمة المبلغ المودع، زادت- بحسب ادعاء تلك الجهات- نسبة الأرباح أو العوائد المالية.

ومن بين الأساليب التي ظهرت في العراق ما يُعرف بمشاريع الاستثمار الوهمية، مثل مشاريع التسويق الشبكي، إّذ يُطلب من المشترك دفع مبلغ مالي مقابل الاشتراك في مشروع معين، مع وعود بتحقيق أرباح دورية مرتفعة دون وجود نشاط اقتصادي حقيقي وفي الواقع، تعتمد هذه المشاريع على استقطاب أكبر عدد ممكن من المشتركين، بحيث تكون الأرباح الظاهرية للمشتركين الأوائل ناتجة من أموال المشتركين الجدد، بينما يكون المستفيد الحقيقي هو القائم على عملية الاحتيال.

وفيما يتعلق ببعض المواقع الإلكترونية ومنصات التداول، فقد انتشرت أيضًا في العراق إعلانات مضللة تدعو الأفراد إلى الاستثمار في العملات الرقمية أو التداول الإلكتروني، مع وعود بتحقيق أرباح خيالية خلال فترات قصيرة. وغالبًا ما تستخدم هذه المواقع أساليب دعائية احترافية أو شهادات وهمية لكسب ثقة الضحايا، قبل أن تختفي بعد جمع الأموال أو تمنع المستخدمين من سحب أرصدتهم المالية.

وفي الآونة الأخيرة تعرّض عدد كبير من المواطنين العراقيين، ولا سيما فئة الشباب، إلى عمليات احتيال إلكتروني نفذتها شركات رقمية أجنبية، استغلت الظروف الاجتماعية والاقتصادية الصعبة التي يعيشها بعض أفراد المجتمع العراقي، كارتفاع معدلات البطالة والفقر، فضلًا عن حالة الفراغ وقلة فرص العمل التي يعاني منها الكثير من الشباب. وقد دفعت هذه الظروف بعضهم إلى البحث عن مصادر دخل سريعة وسهلة، الأمر الذي جعلهم أكثر عرضة للاستغلال من قبل هذه الجهات الاحتيالية.

 

 

واعتمدت تلك الشركات على استدراج المشتركين عبر مواقع التواصل الاجتماعي والمنصات الإلكترونية، كشركة ACCE، إذ يقوم نشاطها على انها منصة إلكترونية للخدمات والاستثمار الإلكتروني وبوصفها شركة تعتمد على التكنولوجيا الحديثة، وكانت تروج لنفسها على انها توفر حلولًا رقمية وفرصًا استثمارية عبر الإنترنت. كما ركزت حملاتها الدعائية على مفاهيم التحول الرقمي والتكنولوجيا المالية الحديثة، من خلال قيامها بفتح صفحات وحسابات خاصة تروّج لفرص عمل واستثمار وهمية، وكانت تطلب من المشتركين إيداع مبالغ مالية تبدأ بنحو 600 دولار، ثم ترتفع إلى 1200 و1500 دولار، وقد تصل في بعض الحالات إلى عشرات الآلاف من الدولارات، مع إيهامهم بأن الأرباح ستزداد كلما ارتفع حجم الإيداع وعدد المشاركين.

كما روّجت هذه الشركة وغيرها من الشركات لفكرة تحقيق أرباح يومية مقابل تنفيذ مهام إلكترونية بسيطة، مثل تسجيل الإعجاب بالمنشورات أو مشاركتها أو كتابة التعليقات عليها، بحجة أن نشاط الشركة يقوم على الترويج الإلكتروني والإعلانات الرقمية، وقد بدا هذا العمل للكثير من الشباب وسيلة سهلة لتحقيق دخل سريع دون الحاجة إلى خبرة أو جهد كبير، مما شجع أعدادًا واسعة على الاشتراك فيها.

إلا أن الحقيقة تمثلت في كون هذه الشركات تعتمد على استقطاب أكبر عدد ممكن من المشتركين وجمع الأموال منهم دون وجود نشاط اقتصادي حقيقي أو استثمار فعلي، إذ تمكنت من الحصول على مبالغ مالية ضخمة من مئات الآلاف من المواطنين العراقيين، قبل أن تختفي بشكل مفاجئ وتغلق حساباتها وصفحاتها الإلكترونية التي كانت تستخدمها في الترويج لعملياتها.

وكذلك تطبيق SNTAT أو “سنتات” هو تطبيق ترفيهي وانتشر بشكل واسع في العراق، ويعتمد على نظام جمع النقاط والمكافآت من خلال الإجابة عن الأسئلة، مشاهدة الإعلانات، تنفيذ بعض المهام البسيطة، أو دعوة مستخدمين جدد عبر روابط الإحالة.

ويُقدَّم التطبيق على أنه “لعبة مسابقات ربحية” تهدف إلى منح المستخدم نقاطًا يمكن تحويلها إلى مكافآت أو بطاقات تعبئة أو أرصدة رقمية، كما يعتمد بشكل كبير على نظام الإحالات، أي دعوة الآخرين للاشتراك مقابل الحصول على نقاط إضافية.

 

في العراق، ارتبط اسم التطبيق بانتشار ثقافة “الربح السريع” بين الشباب، خاصة مع الظروف الاقتصادية الصعبة وارتفاع نسب البطالة، وقد انجذب إليه كثير من المستخدمين بسبب سهولة المهام المطلوبة، مثل:

 

  • الإجابة عن أسئلة ومسابقات.

  • تسجيل إعجاب أو مشاركة بعض المحتويات.

  • مشاهدة الإعلانات.

  • دعوة مستخدمين جدد للحصول على عمولات أو نقاط إضافية.

 

لكن في المقابل، ظهرت انتقادات وتحذيرات من بعض المستخدمين الذين اشتكوا من:

 

  • صعوبة سحب الأرباح.

  • تغيّر شروط الربح باستمرار.

  • مشاكل في الحسابات والتحويلات.

  • خسارة الأموال التي تم إيداعها داخل التطبيق أو عبر خدمات مرتبطة به.

 

كما أن الاعتماد المفرط على نظام استقطاب المشتركين والإعلانات المبالغ فيها بشأن الأرباح جعل كثيرًا من المختصين يحذرون من خطورة هذه التطبيقات، خاصة في ظل ضعف الوعي الرقمي والمالي لدى بعض المستخدمين، لاسيما في البيئة العراقية التي أصبحت هدفًا للعديد من التطبيقات والمنصات الرقمية التي تستغل حاجة الشباب إلى العمل والدخل المالي.

وتكشف هذه الحالات عن حجم الاستغلال الاجتماعي والنفسي الذي تتعرض له فئة الشباب العراقي، خاصة في ظل الظروف الاقتصادية الصعبة وضعف الوعي الإلكتروني والمالي، الأمر الذي يستدعي تعزيز التوعية المجتمعية بخطورة أساليب الاحتيال الرقمي، وتشديد الرقابة القانونية على الشركات والمنصات الإلكترونية التي تمارس أنشطة مالية غير مشروعة، تؤدي إلى آثار اقتصادية واجتماعية خطيرة، تتمثل في خسارة المواطنين لمدخراتهم، وزعزعة الثقة بالتعاملات الإلكترونية، فضلًا عن استغلال الظروف الاقتصادية الصعبة التي تدفع بعض الأفراد إلى البحث عن مصادر دخل سريعة، مما يجعلهم أكثر عرضة للوقوع ضحية لعمليات النصب والاحتيال الإلكتروني.

كما انها تثير قلقًا واسعًا بسبب حجم الخسائر المالية المزعومة والطبيعة العابرة للحدود لهذه العمليات. وقد أطلقت وحدات مكافحة الجرائم الإلكترونية والهيئات المالية تحذيرات متكررة بشأن الشركات الرقمية الوهمية التي تنتحل صفة شركات التكنولوجيا المالية الشرعية.

 

استنتاجات

  1. تُعد الجرائم الإلكترونية من أبرز التحديات الناتجة عن التطور الرقمي في العراق.

  2. تستغل شركات الاحتيال الظروف الاقتصادية والاجتماعية الضعيفة، خصوصًا بين فئة الشباب.

  3. يعتمد الاحتيال الرقمي بشكل كبير على الإقناع النفسي والوعود بالأرباح السريعة.

  4. ضعف الوعي الرقمي يسهم في زيادة انتشار هذه الظواهر.

  5. غياب الرقابة الصارمة يسهل عمل الشبكات الاحتيالية العابرة للحدود.

 

توصيات

  1. تعزيز التوعية الرقمية في المجتمع، خصوصًا بين الشباب.

  2. تشديد الرقابة القانونية على المنصات والتطبيقات المالية غير المرخصة.

  3. دعم برامج التثقيف المالي والرقمي في المدارس والجامعات.

  4. تفعيل دور الجهات الأمنية في تتبع الشبكات الاحتيالية الإلكترونية.

  5. نشر ثقافة الحذر من الوعود الاستثمارية غير الواقعية.

 

خاتمة

وفي الختام تُظهر ظاهرة الاحتيال الإلكتروني في العراق مدى التحديات التي يفرضها التطور الرقمي السريع، حيث أصبحت هذه الجرائم أكثر تعقيدًا وانتشارًا. ومع استمرار اعتماد الأفراد على التكنولوجيا في حياتهم اليومية، تبرز الحاجة الملحة إلى رفع مستوى الوعي الرقمي وتعزيز الحماية القانونية، لضمان بيئة إلكترونية أكثر أمانًا واستقرارًا تحمي المجتمع من الاستغلال والخداع المالي.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى