الحداد العابر للحدود بوصفه تجسيدًا للتضامن الاجتماعي والروحي
إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
يشير التضامن الاجتماعي والروحي العابر للحدود إلى تفاعل المجتمعات والدول مع حالات الحزن التي تصيب مجتمعًا آخر، من خلال المشاركة الوجدانية والرمزية والعملية، مثل إعلان الحداد الرسمي، وتنكيس الأعلام، وإرسال الوفود، وإقامة مراسم تأبين، أو تقديم الدعم الإنساني والمعنوي. ويعكس هذا النوع من التضامن تجاوز الروابط الوطنية الضيقة إلى فضاء إنساني أو ديني أو ثقافي مشترك، إذ تصبح مشاعر الفقد حدثًا جماعيًا تعيد إنتاج الروابط الاجتماعية وتعزز الاخوة الدينية فضلًا عن انها تؤكد وحدة المذهب فأصبح الحداد يتجاوز الحدود الجغرافية ليكوّن أشكالًا من التضامن العالمي، وخيرُ دليلٍ ما شاهدناه في الأمس القريب من حالات حزنٍ ومشاعرَ جياشةٍ في تشييع السيد الولي علي الخامنئي قدست روحه الطاهرة كيف سطر المجتمع العراقي أروع صور التلاحم والتضامن الوجداني والإحساس بألم الفقد ومرارة المصاب.
وخيرُ من أسس لذلك نبينا الأكرم محمد صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين وسلم، لمفهوم التضامن الروحي والوجداني في أوقات الحزن من خلال الدعوة إلى الصبر، والتراحم، وتعزية المصابين، والوقوف إلى جانبهم، فحديث: «مَثَلُ المؤمنين في تَوَادِّهِمْ، وتَرَاحُمِهِمْ، وتَعَاطُفِهِمْ، مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ، تَدَاعَى له سَائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» يجسد به النبي الأكرم أعلى صور المشاركة الوجدانية، إذ يجعل ألمَ الفرد ألمًا للجماعة بأسرها، وهذا التآزر والتعاطف يتحول إلى سلوك عملي يتمثل في المواساة والدعم. ومن ثم، فإن السنة النبوية لا تكتفي بالدعوة إلى الصبر الفردي، بل تؤسس لثقافة مجتمعية تجعل التراحم والمواساة والتكافل عناصر رئيسة في بناء التضامن الاجتماعي والروحي.
ومن أقوال الأئمة الأطهار عليهم السلام في تعظيم المواساة ومشاركة المؤمنين أحزانهم قول أمير المؤمنين الإمام علي (عليه السلام): «عظموا أقداركم بالتغافل عن الدنيّة، ومواساة الإخوان.»، وكذلك ما ورد عن الإمام السجاد (عليه السلام) في رسالة الحقوق: “أن للمؤمن على أخيه حقوقًا تشمل المواساة والإعانة وعدم تركه في الشدة”، وكثير من الأقوال والموارد التي يوردها الأئمة عليهم السلام عن أهمية التضامن الوجداني ومشاركة المؤمنين معاناتهم وأحزانهم.
فالمشاركة الوجدانية في الحزن تُعد من أبرز صور التضامن الاجتماعي، إذ تقوم على قدرة الأفراد على استشعار معاناة الآخرين والتفاعل معها بوصفها جزءًا من تجربتهم الإنسانية، ولا يقتصر هذا التفاعل على التعاطف العاطفي، بل يمتد إلى بناء روابط اجتماعية متينة تعزز الشعور بالانتماء إلى الجماعة، وتدفع إلى تقديم الدعم والمواساة بصورة عملية، وبهذا لا تمثل المشاركة في الأحزان مجرد استجابة انفعالية مؤقتة، وإنما تعد آلية اجتماعية وثقافية تسهم في حفظ وحدة المجتمعات وتماسكها.
وفي هذا المجال يرى علماء النفس أن المشاركة الوجدانية (Empathy) تعني قدرة الفرد على إدراك مشاعر الآخرين وفهمها والاستجابة لها بصورة مناسبة، بينما ينظر علم الاجتماع إليها بوصفها وسيلة لإعادة إنتاج التضامن الاجتماعي وتقوية الروابط بين الأفراد والجماعات. فعندما يشعر الإنسان بآلام الآخرين وكأنها آلامه الشخصية، تتراجع الحدود الفاصلة بين “الأنا” و”الآخر”، ويصبح مصير الجماعة أكثر أهمية من المصالح الفردية، الأمر الذي يؤدي إلى نشوء شعور بالمسؤولية المشتركة.
فيلسوف وعالِم اجتماع فرنسي
وفي هذا الإطار، يؤكد عالم الاجتماع إميل دوركايم أن المشاعر الجماعية والطقوس المشتركة، ولا سيما طقوس الحداد، تؤدي دورًا أساسيًا في تعزيز التضامن الاجتماعي، إذ تخلق حالة من الوعي الجمعي تجعل أفراد المجتمع يشعرون بأنهم جزء من كيان واحد وتعزز ما أسماه “الضمير الجمعي”.
كما يوضح جيفري سي. ألكسندر في نظرية الصدمة الثقافية (Cultural Trauma) أن المجتمعات قد تتبنى آلام جماعات أخرى عندما تُقدَّم تلك المأساة بوصفها قضية إنسانية أو أخلاقية مشتركة، فتتشكل هوية تضامنية عابرة للحدود.
فالمشاركة في مراسم تشييع السيد الولي رسم صورة حقيقية لوحدة المذهب ووحدة المصاب ولقد أثبت ذلك أن الحدود الجغرافية لا تشكل عائقًا أمام وحدة الأمة عندما تتأسس العلاقات على العقيدة والقيم المشتركة والهوية الجامعة، ففي أوقات المحن والفقد، تتجاوز مشاعر التضامن والانتماء الحواجز السياسية والإقليمية، لتتجسد في صور من المشاركة الوجدانية والروحية التي تعكس وحدة الضمير الجمعي، وتؤكد أن الانتماء القيمي والإنساني أقوى من الانقسام المكاني، ومن ثم فإن الجغرافيا قد ترسم حدود الدول، لكنها لا تستطيع أن تحد من امتداد الروابط الروحية والاجتماعية التي تجمع أبناء الأمة حول مبادئها ورموزها المشتركة، بعكس ما كان يروج له الاعلام المعادي الذي يهدف لشق وحدة الصف المذهبي.
ومن منظور الهوية الاجتماعية، تسهم المشاركة الوجدانية في الحزن في تعزيز الهوية الجماعية والانتماء. فحين يتشارك أفراد المجتمع مشاعر الفقد أو المصيبة، تتكون ذاكرة جماعية تحفظ الحدث وتمنحه معنى مشتركًا، مما يعزز الإحساس بالوحدة والمصير المشترك، ولا يقتصر ذلك على المجتمع المحلي، بل قد يمتد إلى شعوب ودول متعددة تتقاسم القيم أو الانتماءات الدينية أو الثقافية، فتتشكل أنماط من التضامن الاممي، يظهر أثرها في المشاركة في الحداد، وتقديم التعازي، وتنظيم الحملات والفعاليات الاجتماعية التي تؤكد احقية الشعب الايراني بالدفاع عن حقوقه ودور السيد الولي الشهيد قدس سره الشريف في الدفاع عن قضايا الأمة الإسلامية والإنسانية وما يتحلى به السيد الشهيد من حضور روحي واجتماعي يجسد صورة القيادة الفذة التي تلهم الجماهير وهذا ما تؤكده دراسات القيادة الكاريزمية، أن بعض القادة يتركون إرثًا رمزيًا يتجاوز حضورهم الشخصي، بحيث تستمر أفكارهم وقيمهم في توجيه أتباعهم حتى بعد استشهادهم، ففي هذه الحالة، يتحول الحداد من مجرد تعبير عن الحزن إلى مناسبة لإعادة التأكيد على المبادئ التي جسدها القائد، وتعزيز الإحساس بالهوية والانتماء والمسؤولية المشتركة.
خاتمة
إن المشاركة الوجدانية في الحزن ليست مجرد استجابة عاطفية، بل تمثل ركيزة أساسية في بناء التضامن الاجتماعي وتعزيز الهوية الجماعية، وهي تسهم في تحويل التعاطف من شعور فردي إلى ممارسة اجتماعية قائمة على المواساة والدعم، بما يعزز التماسك المجتمعي ويكرس قيم الرحمة والمسؤولية المشتركة، وكلما ازدادت قدرة المجتمع على تحويل مشاعر التعاطف إلى أفعال ملموسة، ازداد تماسكه وقدرته على مواجهة الأزمات والتحديات.