الـ “لا” الشيعية

قراءة نفسية واجتماعية في ثقافة الرفض ومقاومة الطغيان

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

“لا” الرفض

ليست “اللا” عند الشيعة مجرد موقف سياسي عابر، بل هي بنية نفسية واجتماعية وثقافية تشكلت عبر قرون طويلة من الصراع مع السلطة والقهر والاضطهاد، فالتشيّع، منذ بداياته الأولى، لم يُبنَ على فكرة الاندماج الكامل مع السلطة، بل على موقف نقدي منها، ولذلك ظلّ يحمل في داخله نزعة احتجاجية واضحة جعلته، في كثير من مراحله التاريخية، أقرب إلى “ثقافة المقاومة” منه إلى “ثقافة الامتثال”.

إن حادثة كربلاء تمثل في الوعي الشيعي لحظة التأسيس الكبرى لفلسفة “اللا”، فالإمام الحسين (عليه السلام) لم يكن يواجه خلاف سياسي مع يزيد بن معاوية، بل كان يرفض تحويل الإنسان إلى كائن مطيع فاقد للكرامة، ولهذا اكتسبت عبارته الضمنية: “لا للبيعة مع الظلم”، “ومثلي لا يبايع مثله” بعدًا رمزيًا تجاوز الزمان والمكان، لتصبح قاعدة أخلاقية تحكم الوجدان الشيعي حتى اليوم.

ومن منظور علم النفس الاجتماعي، يمكن فهم هذه الظاهرة عبر مفهوم “الهوية الجمعية المقاومة”، فالجماعات التي تتعرض تاريخيًا للاضطهاد تميل إلى بناء هوية خاصة قائمة على الذاكرة المشتركة للألم والمظلومية، وقد أشار عالم الاجتماع الفرنسي موريس هالبفاكس إلى أن الذاكرة الجمعية لا تحفظ الماضي فقط، بل تعيد تشكيل سلوك الجماعة في الحاضر، ولهذا فإن استذكار عاشوراء سنويًا ليس مجرد طقس ديني، بل عملية إعادة إنتاج نفسية مستمرة لفكرة مقاومة الظلم.

 

ألفرد أدلر
طبيب نفسي نمساوي

كما أن عالم النفس النمساوي ألفرد أدلر تحدث عن أن الإنسان أو الجماعة التي تتعرض للشعور بالظلم أو القهر تطور آليات تعويض نفسي قد تتحول إلى قوة أخلاقية ورمزية، ويمكن إسقاط هذا التحليل على التجربة الشيعية، إذ إن قرون التهميش السياسي دفعت الجماعة الشيعية إلى بناء تفوق رمزي وأخلاقي قائم على فكرة “الانتصار للمظلوم” حتى لو خسر ماديًا.

أما عالم الاجتماع ماكس فيبر فقد ميّز بين “السلطة التقليدية” و”السلطة الكاريزمية”، وفي السياق الشيعي، ظلّ الإمام الحسين عليه السلام يمثل رمزًا كاريزميًا مضادًا للسلطة السياسية التقليدية، ولذلك بقيت كربلاء مصدر إلهام دائم لكل حركات الرفض والثورات، لأن الكاريزما الأخلاقية غالبًا ما تكون أقوى من القوة العسكرية في تشكيل الوعي الجمعي.

وقد انعكست هذه الفلسفة بوضوح في العراق الحديث، فالعراقي الشيعي لم ينظر إلى نظام صدام حسين بوصفه مجرد حكومة مستبدة، بل بوصفه امتدادًا تاريخيًا لنموذج “الحاكم القاهر” الذي تصادمت معه الذاكرة الشيعية عبر القرون، ولهذا لم يكن رفضه لصدام مجرد اعتراض سياسي، بل تمردًا نفسيًا وأخلاقيًا ضد منظومة قامت على الخوف وتقديس الفرد الواحد.

إن الأنظمة الشمولية، وفق نظرية إريك فروم في كتابه “الخوف من الحرية”، تحاول دائمًا تحويل الإنسان إلى كائن خاضع يبحث عن الأمان مقابل التنازل عن إرادته، لكن الثقافة الشيعية العراقية، بفعل تراثها العاشورائي، كانت تميل إلى إنتاج شخصية ترى أن الكرامة أهم من النجاة، وأن الموت مع الموقف أكثر شرفًا من الحياة مع الذل، ولهذا انتشرت في الوعي الشعبي الشيعي عبارات مثل: “هيهات منا الذلة”، بوصفها شعارًا نفسيًا لمقاومة الإذلال الجماعي.

لكن فلسفة “اللا” الشيعية لم تتوقف عند رفض الاستبداد الداخلي فقط، بل امتدت إلى رفض الهيمنة الخارجية أيضًا، فبعد سقوط نظام صدام، لم يتحول المزاج الشيعي العام إلى قبول مطلق بالمشروع الأمريكي، رغم أن الولايات المتحدة أسهمت في إسقاط النظام السابق، ويرجع ذلك إلى أن العقل الجمعي الشيعي يحمل حساسية عميقة تجاه أي قوة تحاول فرض سيطرتها على الأرض والهوية والثقافة، ومن هنا ظهرت لاحقًا تيارات مقاومة للاحتلال الأمريكي داخل البيئة الشيعية نفسها، لأن فلسفة “اللا” لا تتجزأ، فهي ترفض المستبد المحلي كما ترفض الهيمنة الأجنبية.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن المجتمعات التي تمتلك ذاكرة ثورية قوية غالبًا ما تكون أقل قابلية للاندماج الكامل مع المشاريع الخارجية، لأنها تنظر بعين الشك إلى كل قوة عظمى تحاول إعادة تشكيلها، ولهذا يمكن فهم الموقف الشيعي الحاد تجاه “إسرائيل” أيضًا، إذ تُرى القضية الفلسطينية في الوعي الشيعي بوصفها نموذجًا للصراع بين المظلوم والقوة المحتلة، لا مجرد نزاع جغرافي.

كما يمكن تحليل هذه المواقف عبر نظرية “الحرمان النسبي” لعالم الاجتماع تيد روبرت غير، التي ترى أن الشعوب حين تشعر بوجود فجوة بين ما تستحقه وما تعيشه، فإنها تميل إلى الاحتجاج والثورة، وقد غذّت قرون التهميش والإقصاء هذا الشعور داخل البيئة الشيعية، مما جعلها أكثر استعدادًا لاحتضان خطاب المقاومة والرفض.

وفي مقابل ذلك، يظهر ما يمكن تسميته بـ”معسكر النعم”، أي الثقافة التي تبرر السلطة مهما فعلت، وتفضّل الاستقرار حتى لو كان قائمًا على القمع، وهذا النمط من الشخصيات وصفه عالم النفس ثيودور أدورنو ضمن مفهوم “الشخصية السلطوية”، وهي الشخصية التي تميل إلى طاعة القوة والخضوع لها خوفًا أو رغبة في الأمان، بينما تميل الشخصية الاحتجاجية إلى مساءلة السلطة ورفض الامتثال الكامل لها.

 

 

إيران الشيعية وفلسفة الرفض

وتبرز فلسفة “اللا” الشيعية بصورة أكثر وضوحًا عند دراسة الموقف الإيراني من الولايات المتحدة والاستعمار الغربي عمومًا، فمنذ انتصار الثورة الإسلامية في إيران عام1979، تشكّل خطاب سياسي وديني قائم على رفض التبعية للهيمنة الأمريكية، واعتبار الاستقلال السياسي جزءًا من الكرامة الوطنية والدينية. ولهذا رُفع شعار “لا شرقية ولا غربية” بوصفه تعبيرًا عن رفض الارتهان للقوى الكبرى، ومحاولة لبناء هوية سياسية مستقلة حتى لو ترتب على ذلك حصار اقتصادي أو عزلة دولية.

ومن الناحية النفسية والاجتماعية، يمكن فهم هذا الموقف بوصفه امتدادًا لفلسفة عاشوراء نفسها، فالثقافة الشيعية الإيرانية، شأنها شأن الثقافة الشيعية العراقية، تربّت على مركزية فكرة “رفض الإذلال” ولهذا فإن الصراع مع الولايات المتحدة لا يُقدَّم في الخطاب الإيراني بوصفه خلافًا سياسيًا عابرًا، بل بوصفه معركة سيادة وكرامة ورفض للهيمنة الخارجية.

وقد عزّزت الحروب والعقوبات الطويلة هذا الشعور الجمعي بالمواجهة. فكلما اشتد الضغط الخارجي، ازداد حضور خطاب “الصمود” داخل المجتمع الإيراني، لأن الجماعات التي تعيش حالة حصار تميل نفسيًا إلى تعزيز هويتها المقاومة بدل التفكك، وهي ظاهرة يناقشها علم النفس السياسي ضمن مفهوم “التلاحم تحت التهديد الخارجي”.

وخلال الحرب الأخيرة والتصعيد الإقليمي، ظهر هذا التباين بوضوح بين الموقف الإيراني وبعض المواقف العربية الرسميةـ، ففي الوقت الذي قدّمت فيه إيران نفسها بوصفها قوة تتحدى النفوذ الأمريكي و”الإسرائيلي” علنًا، بدت بعض الأنظمة العربية أكثر ميلًا إلى التهدئة والخضوع للإرادة الأمريكية، بل إلى المبالغة في إظهار الولاء السياسي لواشنطن ودعمها والوقوف معها ضد إيران خوفًا على بقاء أنظمتها أو مصالحها الاقتصادية.

ومن هنا برزت في الخطاب الشعبي العربي والإيراني أوصاف حادة تتهم بعض القادة العرب بالخنوع السياسي، خصوصًا في ظل التصريحات الاستفزازية التي صدرت عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب تجاه دول عربية، حين تحدث بلغة فوقية غير دبلوماسية وغير أخلاقية احياناً توحي بأن بعض الأنظمة لا تستطيع الاستمرار دون الحماية الأمريكية، وعلى العرب (تقبيل مؤخرته!!!) وقد أثارت تلك التصريحات شعورًا واسعًا بالإهانة لدى قطاعات من الرأي العام العربي، لأنها أظهرت حجم التبعية السياسية والعسكرية التي وصلت إليها بعض الحكومات.

وفي مقابل ذلك، يحاول الخطاب الإيراني تقديم نفسه بوصفه “خط الرفض” الذي يواجه واشنطن وتل أبيب، حتى وإن اختلف الناس في تقييم التجربة الإيرانية داخليًا أو سياسيًا. فالقضية هنا، ضمن هذا السياق الفكري، ليست مثالية النظام الإيراني أو خلوّه من الأخطاء، بل طبيعة تموضعه النفسي والسياسي في مواجهة الهيمنة الغربية.

ومن منظور علم الاجتماع السياسي، فإن هذا الانقسام يعكس صراعًا بين نموذجين في المنطقة: نموذج “الدولة المقاومة” التي تبني شرعيتها على فكرة المواجهة والاستقلال، ونموذج “الدولة الوظيفية” التي تربط بقاءها بالحماية الخارجية والتحالف مع القوى العظمى، ولذلك كثيرًا ما تُقدَّم إيران في الخطاب الشيعي المقاوم بوصفها استمرارًا لثقافة “اللا”، بينما تُقدَّم بعض الأنظمة العربية بوصفها تجسيدًا لثقافة “النعم” التي تفضّل السلامة السياسية ولو على حساب الكرامة والسيادة.

 

خاتمة

إن فلسفة “اللا” عند الشيعة ليست نزعة فوضوية أو عشقًا دائمًا للصراع، بل محاولة مستمرة للدفاع عن الكرامة الإنسانية، إنها ثقافة ترى أن الإنسان يفقد إنسانيته حين يتحول إلى مجرد تابع يردد “نعم” لكل سلطة، ولهذا بقيت عاشوراء، بعد أكثر من ألف عام، حاضرة بقوة في الوجدان الشيعي، لأنها لا تمثل معركة تاريخية فقط، بل تمثل سؤالًا وجوديًا متكررًا: هل يقف الإنسان مع الحق وإن كان ضعيفًا، أم ينحني للقوة حفاظًا على سلامته؟

 

 

في النهاية، فإن التشيّع، وفق هذه القراءة، لا يمكن فهمه بوصفه مذهبًا دينيًا فحسب، بل بوصفه منظومة نفسية واجتماعية أنتجت عبر التاريخ إنسانًا يرى في مقاومة الظلم جزءًا من هويته، حتى لو دفع ثمن ذلك ألمًا طويلًا أو خسارة مؤقتة، فالانتصار الحقيقي، في هذه الفلسفة، ليس دائمًا انتصار السيف، بل انتصار الموقف.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى