بقلم: د. مهيمن عمران الجاف
لا تقتصر آثار الأزمات والحروب على ما يحدث أثناء الأزمات فحسب، بل تمتد لعقود طويلة، لتلامس مختلف جوانب الحياة الإنسانية، النفسية والاجتماعية والاقتصادية والبيئية، فالحروب تخلّف آثارًا عميقة في بنية المجتمعات، وتترك وراءها تحديات كبيرة تتطلب جهودًا طويلة الأمد للتعافي، ومن هنا تبرز أهمية الاستثمار في برامج الدعم النفسي والاجتماعي، وإعادة الإعمار، وتعزيز ثقافة السلام، بوصفها وسائل أساسية للتخفيف من هذه الأضرار وبناء مجتمعات قادرة على النهوض من جديد.
عندما نتحدث عن الحرب، فإننا نتحدث عن جملة من الأخطار الكبيرة التي تفتك بالإنسان والطبيعة على مستويات متعددة، وبصور مختلفة، وعلى مراحل متعاقبة تكاد تبعاتها لا تنتهي، فكل بقعة جغرافية تشتعل فيها الحرب تدخل في حالة من الفوضى وانعدام الأمن، حيث يتراجع الشعور بالأمان على المستويات كافة، بدءًا من الأمن الفردي والنفسي وصولًا إلى بقية أنواع الأمن الأخرى، مثل الأمن الاجتماعي والغذائي والبيئي والصحي، وانتهاءً بالأمن الإنساني.
وفي ظل هذه الظروف تتعاقب الكوارث لتصيب الأرواح والطبيعة والبنى التحتية، وتؤثر في الاقتصاد العام والخاص، كما تسهم في انتشار الجريمة والهجرة القسرية والتغيير الديمغرافي، إضافة إلى ظواهر خطيرة مثل الاختفاء القسري والاختطاف والاتجار بالبشر والأعضاء البشرية، وتبلغ هذه الظواهر مستوى خطيرًا يهدد الحياة في مختلف جوانبها، بل ويهدد استمرارية التجمعات البشرية ومستقبلها.
إن نتائج الحروب والظواهر التي تنشأ عنها كثيرة وعميقة الخطورة، ولا تقتصر آثارها على الدمار المادي، بل تمتد إلى الجوانب الفكرية والقيمية والثقافية للمجتمعات، فهذه الآثار تمثل في كثير من الأحيان جرس إنذار لاحتمال نشوء صراعات جديدة في المستقبل، فالحروب والأزمات تترك آثارًا مدمرة في بنية المجتمع وقيمه الثقافية والأخلاقية، وقد يبدو في البداية أن تأثيرها محدود ومؤقت، إلا أن التعمق في تحليلها يكشف أن هذه الآثار تتجذر بمرور الزمن وتتوسع تدريجيًا.
فالأضرار التي تصيب البنية الفكرية والقيمية للمجتمع قد تبدأ في نطاق ضيق ولفترة محدودة، لكنها لا تلبث أن تتسع وتلقي بظلالها على مجتمعات أخرى بصورة مباشرة أو غير مباشرة. ومن ثم لابد من من إيجاد حالة مجتمعية تعمل على تخفيف حدة هذه الأزمة تتمثل بخلق نوع من التضامن والتكافل المجتمعي لتخفيف اثار الحروب ولتقليل حجم المعاناة لأفراد المجتمع.
أولاً: مفهوم التضامن
يعدّ التضامن عملية اجتماعية تعبّر عن دعم ومساندة الأفراد أو الجماعات لبعضهم بعضًا، من خلال تقديم العون والمساعدة المادية أو المعنوية لفرد أو جماعة أخرى بصورة طوعية ومن دون إلزام، وقد يحدث التضامن بصورة أفقية بين الأفراد والجماعات، أو بصورة عمودية بين المؤسسات والأفراد.
وينشأ التضامن من خلال عملية التفاعل الاجتماعي في الحياة اليومية، إذ يعتمد كل فرد على الآخرين ضمن شبكة من العلاقات المتبادلة، ومن هذا المنطلق يُعد التضامن أحد الأبعاد الأساسية لتراكم رأس المال الاجتماعي، حيث تمثل شبكة العلاقات الاجتماعية مصدرًا مهمًا للدعم والمساندة عند الحاجة.
وقد أشار منظّرو رأس المال الاجتماعي إلى أن قيمة هذه الشبكات لا تكمن في عدد العلاقات التي يمتلكها الفرد فحسب، بل في قدرته على تفعيل هذه العلاقات واستنفارها عند الحاجة، وهذا الاستنفار لا يتحقق إلا من خلال التضامن والحفاظ على شبكة العلاقات الاجتماعية وصيانتها.
وقد كشفت الأزمات والحروب والكوارث التي تتعرض لها المجتمعات عن الحاجة الماسة إلى تعزيز ثقافة التضامن. فالتضامن لا يقتصر على مواجهة الأزمات فحسب، بل يسهم أيضًا في إرساء منظومة قيمية وأخلاقية تعزز كرامة الإنسان، وتحد من النزعات الفردية والأنانية، وتساعد المجتمعات على الوقاية من الأزمات قبل وقوعها.
ومن هذا المنطلق يشير التضامن إلى حالة اجتماعية يسود فيها الالتحام والتعاون والعمل الجماعي الموجّه نحو تحقيق أهداف مشتركة. وهو وعي اجتماعي يتجسد في سلوك عملي يعكس الإحساس بالمسؤولية الجماعية.
كما أن التضامن لا يقتصر على جيل معين أو جماعة محددة، بل يمتد ليشمل المجتمع بأكمله، بل وحتى الأجيال القادمة، ولذلك يمكن النظر إليه بوصفه وسيلة إنسانية لابتكار بدائل تساعد المجتمعات على مواجهة الأزمات وضمان استمرارها. فضلا عن ان ديننا يؤكد على أهمية التضامن في اوقات الأزمات، لاسيما الحروب والكوراث، وقد ورد في القرآن الكريم آيات قرآنية تؤكد على أهمية التعاون ومنها الآية الكريمة “وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ ۚ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ”، وكذلك أكد نبي الرحمة الخاتم صلى الله عليه وآله وسلم على اهمية التعاون والتضامن كما في قوله (صلى الله عليه وآله): (من قضى لأخيه المؤمن حاجةً، كان كمن عبد الله دهره) وكذلك قال (صلى الله عليه وآله): (من مشى في عون أخيه ومنفعته، فله ثواب المجاهدين في سبيل الله) وغيرها من الموارد والمناسبات التي أكد فيها النبي واهل البيت صلوت الله عليهم اجمعين على اهمية التكافل والتضامن في اوقات الأزمات لما تحققه من دعم معنوي ومادي يخفف من اثار الأزمات.
ثانيًا: الأبعاد النفسية والاجتماعية للتضامن في زمن الصراعات والأزمات
يمثل التضامن الاجتماعي أحد أهم الآليات التي يلجأ إليها الأفراد والمجتمعات في مواجهة الأزمات والحروب والصراعات طويلة الأمد. فهذه الظروف القاسية تفرض ضغوطًا نفسية واجتماعية كبيرة على الأفراد، مما يجعل التعاون والتكاتف ضرورة أساسية لضمان الاستمرار والبقاء، ومن هذا المنطلق يمكن فهم التضامن بوصفه ظاهرة اجتماعية ونفسية في الوقت نفسه، إذ يقوم على شبكة من العلاقات الاجتماعية والمشاعر الجمعية التي تدعم التماسك المجتمعي وتساعد على مواجهة التحديات المشتركة.
-
البعد النفسي للتضامن
يتجلى البعد النفسي للتضامن في مجموعة من العمليات والمشاعر التي تدفع الأفراد إلى مساندة بعضهم البعض في أوقات الأزمات، فعندما يواجه المجتمع تهديدًا أو خطرًا مشتركًا، تنشأ حالة من الوعي الجماعي بالمصير المشترك، الأمر الذي يعزز مشاعر التعاطف والانتماء بين أفراده.
ويؤكد علماء النفس الاجتماعي أن الأزمات والصراعات غالبًا ما تؤدي إلى تنشيط المشاعر الجماعية مثل الخوف والقلق والغضب، لكنها في الوقت نفسه قد تولد مشاعر إيجابية مثل التعاطف، والمسؤولية المشتركة، والاستعداد للتضحية من أجل الآخرين، هذه المشاعر تسهم في تعزيز التضامن الاجتماعي وتدفع الأفراد إلى تقديم الدعم المادي والمعنوي للمتضررين، نحن كمجتمع عراقي شهدنا العديد من صور التضامن الاجتماعي، ولاسيما عندما احتلت تنظيم د1عش بعض المدن العراقية عام 2014. فقد برزت في مختلف مدن العراق مبادرات إنسانية متعددة، كان من أبرزها إيواء أعداد كبيرة من الأسر النازحة وتقديم مختلف أشكال الدعم والمساعدة لها. وتعكس هذه الممارسات مستوى عالياً من الألفة الاجتماعية وروح التكافل الإنساني بين أفراد المجتمع، وكان لها دور مهم في إحياء الوحدة المجتمعية بعد أن أرهقتها الهجمات الإرهـ ــابية ذات الدوافع الطائفية.
كما تجلت مظاهر التضامن في التضحيات الكبيرة التي قُدمت على أرض العراق، حين هبّ أبناء الجنوب والفرات الأوسط ووسط البلاد لنصرة الأسر العراقية في المدن التي وقعت تحت سيطرة الجماعات الإرهــ ـــابية مثل د1عش. وقد شكّلت هذه المواقف وغيرها من المبادرات الإنسانية تجسيداً واضحاً لقيم التضامن الاجتماعي، وأسهمت في ترسيخ روح التعاون والتكاتف بين أبناء المجتمع العراقي.

ونسجت مدرسة أهل البيت (عليه السلام)، على هذا المنوال بأقوال عديدة تعكس حالة التضامن والتكافل التي ترغب في إشاعتها بين أفراد المجتمع، فعن الإمام علي (عليه السلام) قال: (خير الاخوان من لا يحوج إخوانه إلى سواه)، وقال (عليه السلام) أيضاً: (خير اخـوانك من واساك) وكان الإمام الصادق(عليه السلام) يوصي بمبدأ الأخوة في مختلف الأحوال والظروف، عن محمد بن مسلم، قال: أتاني رجل من أهل الجبل، فدخلت معه على أبي عبد الله(عليه السلام)، فقال له عند الوداع: أوصني، فقال (عليه السلام): (أوصيك بتقوى الله وبرّ أخيك المسلم، وأحب له ما تحبّ لنفسك، واكره له ما تكره لنفسك، وإن سألك فاعطه… ووازره وأكرمه ولاطفه، فإنّه منك وأنت منه).
فالتضامن يسهم في تخفيف الضغوط النفسية الناتجة عن الصراعات، إذ يمنح الأفراد شعورًا بالأمان والانتماء، ويخفف من الشعور بالعزلة أو العجز أمام الأحداث. وقد أشار علماء النفس إلى أن وجود شبكة دعم اجتماعي قوية يساعد الأفراد على التكيف مع الصدمات والضغوط النفسية الناتجة عن الحروب والكوارث.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية مفهوم التعاطف بوصفه أحد المحركات الأساسية للتضامن، إذ يشير إلى قدرة الفرد على فهم مشاعر الآخرين ومعاناتهم والتفاعل معها بطريقة إنسانية، فالتعاطف يعزز السلوكيات الإيجابية مثل التعاون والمساعدة، ويشجع الأفراد على تجاوز المصالح الفردية الضيقة لصالح المصلحة الجماعية.
-
البعد الاجتماعي للتضامن
أما البعد الاجتماعي للتضامن فيتجلى في شبكة العلاقات والمؤسسات الاجتماعية التي تعمل على تنظيم التعاون بين الأفراد والجماعات. فالتضامن لا يقتصر على المبادرات الفردية، بل يتجسد أيضًا في الأنشطة الجماعية والمؤسساتية التي تهدف إلى تقديم الدعم والمساعدة للمتضررين من الأزمات.
وتعد شبكات العلاقات الاجتماعية أحد أهم عناصر التضامن، إذ تمثل مصدرًا رئيسيًا للدعم والمساندة في الأوقات الصعبة. فالعلاقات العائلية، والروابط المجتمعية، والجمعيات المدنية، والمؤسسات الإنسانية، جميعها تشكل منظومة دعم تساعد الأفراد على مواجهة التحديات والتغلب على آثار الأزمات. وتتجلى صور التضامن من خلال مجموعة من المبادرات الاجتماعية منها:
المساعدات الإنسانية تمثل أحد أبرز أشكال التضامن أثناء الأزمات والكوارث، سواء كانت حروبًا، نزاعات، أو كوارث طبيعية. وهي تشمل تقديم الدعم المادي والمعنوي للمتضررين، مثل الغذاء، الماء، الملابس، المأوى، والخدمات الصحية الأساسية. وتتعزز أهمية المساعدات الإنسانية من خلال انها تخفف من حدة المعاناة وتساعد في الحفاظ على حياة الناس، وتعزز الشعور بالأمان والطمأنينة لدى المتضررين، مما يدعم صمودهم النفسي والاجتماعي، تعكس القيم الإنسانية العليا مثل الرحمة والتكافل، وتشجع الآخرين على المشاركة والمساهمة.
شبكات الدعم الاجتماعي تشير إلى الروابط والعلاقات بين الأفراد والجماعات التي توفر المساندة العاطفية، النفسية، والمادية خلال الأزمات، وهي أحد مظاهر التضامن الأكثر استدامة، لأنها تعكس تماسك المجتمع وقدرته على مواجهة التحديات الجماعية. وتتبلور أهمية شبكات الدعم الاجتماعي من خلال انها تمنح الأفراد شعورًا بالانتماء وعدم العزلة، مما يعزز قدرتهم على الصمود النفسي، وتسهّل تبادل الموارد والخبرات بين الأفراد، مثل المساعدة في البحث عن عمل، أو توفير سكن مؤقت، كما انها تعزز التماسك المجتمعي وتدعم التعاون طويل الأمد، ما يجعل المجتمع أكثر قدرة على مواجهة الأزمات المستقبلية.
فضلًا عن ان التضامن يسهم في تعزيز رأس المال الاجتماعي داخل المجتمع، وهو المفهوم الذي يشير إلى شبكة العلاقات والثقة المتبادلة بين الأفراد والجماعات. فالمجتمعات التي تمتلك مستوى مرتفعًا من رأس المال الاجتماعي تكون أكثر قدرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع التغيرات المفاجئة.
ثالثاً: التضامن كآلية للصمود المجتمعي في أوقات الأزمات
في سياق الصراعات الممتدة والأزمات طويلة الأمد، يبرز التضامن بوصفه أحد أهم الآليات الاجتماعية التي تسهم في تعزيز صمود المجتمعات واستمرارها، فالمجتمعات التي تتعرض للحروب أو الكوارث أو الأزمات السياسية والاقتصادية غالبًا ما تجد في التضامن وسيلة أساسية للحفاظ على تماسكها الداخلي ومواجهة الضغوط التي تهدد استقرارها، ولا يقتصر التضامن في هذه الحالات على مجرد التعاطف أو الدعم المعنوي بين الأفراد، بل يتحول إلى قوة اجتماعية منظمة تعمل على تعبئة الموارد البشرية والمادية، وتدفع الأفراد إلى العمل المشترك لمواجهة التحديات والمخاطر التي تهدد الجماعة.

وفي مثل هذه الظروف، يؤدي التضامن دورًا مهمًا في تعزيز الشعور بالمسؤولية الجماعية، إذ يدرك الأفراد أن مصيرهم مرتبط بمصير مجتمعهم ككل، وهذا الإدراك يدفعهم إلى تجاوز المصالح الفردية الضيقة لصالح المصلحة العامة، وهو ما يعزز قدرة المجتمع على التكيف مع الظروف القاسية والاستمرار في أداء وظائفه الأساسية رغم الضغوط، كما يسهم التضامن في تقوية شبكات الدعم الاجتماعي، سواء على مستوى العائلة أو الحي أو المؤسسات المجتمعية، الأمر الذي يساعد على توفير الحماية والدعم للأفراد الأكثر تضررًا من الأزمات.
وتشير العديد من الدراسات في علم النفس السياسي إلى أن المجتمعات التي تعيش صراعات طويلة أو ما يسمى بالصراعات المستعصية تطور مع مرور الوقت ما يعرف بالبنية السوسيولوجية- النفسية للصراع. وتتكون هذه البنية من مجموعة من العناصر المعرفية والعاطفية المشتركة بين أفراد المجتمع، مثل الذاكرة الجمعية التي تحفظ تجارب المعاناة والصمود، والصراع الذي يعبر عن منظومة القيم والمعايير المرتبطة بالمواجهة والدفاع عن الجماعة، إضافة إلى التوجهات العاطفية المشتركة التي تشمل مشاعر التعاطف والانتماء والالتزام تجاه المجتمع. وتسهم هذه العناصر مجتمعة في تعزيز التماسك الداخلي وتقوية الهوية الجماعية، مما يدعم بدوره مستويات أعلى من التضامن بين أفراد المجتمع.
ومن ناحية أخرى، يؤدي التضامن دورًا حيويًا في تعبئة المجتمع وتحفيز أفراده على المشاركة في الجهود الجماعية، سواء في مواجهة الأخطار المباشرة أثناء الأزمات أو في مراحل إعادة البناء بعد انتهاء الصراع. ففي أوقات الأزمات، تظهر مبادرات تطوعية وجماعية تهدف إلى مساعدة المتضررين وتوفير الاحتياجات الأساسية وتعويض النقص الذي قد يحدث في مؤسسات الدولة، كما يسهم التضامن في تعزيز الثقة المتبادلة بين الأفراد، وهو ما يعد عنصرًا أساسيًا للحفاظ على الاستقرار الاجتماعي ومنع تفكك الروابط المجتمعية.
وكذلك يعزز التضامن جملة من القيم الأخلاقية والاجتماعية التي تعزز صمود المجتمع، مثل الشجاعة في مواجهة المخاطر، والمثابرة في تجاوز الصعوبات، والاستعداد للتضحية من أجل المصلحة العامة، فهذه القيم لا تنشأ بمعزل عن التجارب الجماعية، بل تتشكل وتتجذر في الوعي الاجتماعي من خلال التجارب المشتركة التي يعيشها المجتمع في أوقات الأزمات.
وبذلك يمكن القول إن التضامن لا يمثل مجرد رد فعل عاطفي مؤقت على الأزمات، بل يشكل ركيزة أساسية من ركائز الصمود المجتمعي. فمن خلاله يتم تعزيز التماسك الاجتماعي، وتقوية الهوية الجماعية، وتعبئة الطاقات والموارد اللازمة لمواجهة التحديات، الأمر الذي يمكّن المجتمع من الاستمرار والتعافي حتى في ظل أصعب الظروف.
رابعًا: تجارب دولية لتعزيز التضامن في حالات الكوراث والازمات
هناك العديد من التجارب الدولية التي عملت على ترسيخ مفهوم التضامن في أوقات الأزمات من خلال مجموعة من المؤسسات التي تكفلت بتنفيذ هذه المهمة. ففي اليابان نجد أن المجلس المركزي لإدارة الكوارث قد اضطلع بتنظيم عملية بناء القدرات في المجتمع، إذ طوّر عام 2015 هيكلًا رباعيًا ضمن استراتيجية المساعدة في مواجهة الكوارث، يرتكز في ثلاثة أركان منه على الأفراد، من خلال الاعتماد على الذات الفردية، والمساعدة المتبادلة التي تشمل المساعدة داخل الشبكة الاجتماعية، وأخيرًا المساعدة الإنسانية أو الخيرية مع الغرباء. وبناءً على ذلك أصبح التركيز على ما يسمى القوة الناعمة للمجتمع حاضرًا بشكل دائم في السياسات الحكومية المتعلقة بالأزمات والكوارث.
وكذلك في أستراليا تقود لجنة إدارة الطوارئ عملية بناء قدرات أفراد المجتمع، وتستند إلى إطار ينظم سياسة التعافي من الكوارث، قوامه مبدأ المسؤولية المشتركة. وتركّز الاستراتيجية الأسترالية على ثلاثة جوانب رئيسة تشمل تحسين وسائل البقاء والتعافي، وتطوير أفكار أكثر ذكاءً حول كيفية البقاء والتعافي، وتشجيع مشاركة أكبر للمجتمع. وفي هذا السياق يتم التركيز على دور رأس المال الاجتماعي في التعامل مع الكوارث، وبصورة أكثر تحديدًا تحفيز الأفراد على المشاركة الفاعلة في جهود الاستجابة والتعافي.
وفي السياق ذاته عملت فيتنام على تنفيذ الاستراتيجية الوطنية عام 2020 التي تستهدف الوقاية من الكوارث والاستجابة لها والتخفيف من آثارها، حيث تؤدي دورًا بالغ الأهمية في تعبئة الموارد الاجتماعية للاستجابة والوقاية من الكوارث. وبموجب إطار إدارة مخاطر الكوارث المبني على جهود المجتمع في فيتنام، جرى دمج أفراد المجتمع في مختلف مراحل العملية، بما في ذلك الإعداد والتخطيط والاستجابة والتعافي. كما يجري الاعتماد على المعلومات التي يقدمها هؤلاء الأفراد، ولا سيما الفئات الضعيفة منهم، وتحليلها بالتشارك معهم، إلى جانب العمل على بناء قدراتهم من خلال تعريفهم بسبل التعامل مع الكوارث، والاستفادة من التجارب السابقة في هذا المجال([1]).
خاتمة
يتضح من خلال ما سبق أن التضامن الاجتماعي يمثل أحد أهم الأسس التي تقوم عليها قدرة المجتمعات على الصمود في مواجهة الأزمات والصراعات. فالحروب والكوارث لا تقتصر آثارها على الخسائر البشرية والمادية فحسب، بل تمتد لتشمل البنية النفسية والاجتماعية والقيمية للمجتمعات، الأمر الذي يجعل مواجهة آثارها تتطلب تفعيل منظومة متكاملة من الدعم الاجتماعي والنفسي والثقافي.
وفي هذا السياق يظهر التضامن بوصفه آلية اجتماعية ونفسية في آنٍ واحد، إذ يسهم في تعزيز التماسك المجتمعي وتقوية الروابط بين الأفراد والجماعات، كما يعمل على تعبئة الطاقات والموارد لمواجهة التحديات المشتركة. فوجود شبكات دعم اجتماعي قوية يساعد الأفراد على التكيف مع الضغوط والصدمات النفسية التي تفرضها الأزمات، ويمنحهم شعورًا بالأمان والانتماء، وهو ما يعزز قدرتهم على الاستمرار والصمود.
وفي ضوء ذلك يمكن القول إن تعزيز ثقافة التضامن الاجتماعي يمثل ضرورة استراتيجية للمجتمعات التي تواجه الأزمات والصراعات، إذ يسهم في تقوية الروابط الاجتماعية، ودعم التماسك المجتمعي، وتعبئة الطاقات الجماعية لمواجهة التحديات. كما أن الاستثمار في تنمية رأس المال الاجتماعي وتعزيز قيم التعاون والتكافل يشكلان خطوة أساسية نحو بناء مجتمعات أكثر قدرة على الصمود والتعافي وتحقيق الاستقرار والسلام.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى