شخصية الحدث الجانح في العراق

السلوك اللاسوي وسياقه الاجتماعي

بقلم: الباحث محمد فالح الجزائري

 

تُعدّ ظاهرة جنوح الأحداث من الظواهر الاجتماعية المركبة التي تعكس مستوى التوازن أو الاختلال في بنية المجتمع النفسية والتربوية والقانونية. فالحدث الجانح لا يمكن فهمه بوصفه فاعلًا إجراميًا مكتمل المسؤولية، بقدر ما هو نتاج مسار تنشئة مختل، وبيئة ضاغطة، وبنية نفسية ما تزال في طور التكوّن. وفي السياق العراقي، حيث تداخلت آثار العنف المجتمعي والضغوط الاقتصادية وتراجع أدوار بعض مؤسسات التنشئة، اكتسبت الظاهرة بعدًا خاصًا يستدعي قراءة متعددة الأبعاد، تهدف هذه الدراسة إلى تحليل جنوح الأحداث بوصفه سلوكًا لا سوياً وظيفيًا ناتجًا عن تفاعل بين عوامل نفسية واجتماعية وقانونية، مع التركيز على العلاقة بين السلوك والشخصية في ثنائية السواء واللاسواء، والكشف عن مخاطر تحويل الفعل الجانح إلى هوية نفسية ثابتة عبر الوصم الاجتماعي والمؤسسي.

 

 أولًا: الإطار المفاهيمي

يُقصد بالحدث الجانح ذلك القاصر الذي يصدر عنه سلوك مخالف للقانون أو للمعايير الاجتماعية السائدة، دون أن يبلغ سن الرشد القانوني.

ويختلف مفهوم الجنوح عن الجريمة من حيث إن الجنوح يرتبط بمرحلة عمرية انتقالية تتسم بعدم النضج النفسي والاجتماعي الكامل. أما السلوك السوي فهو السلوك الذي ينسجم مع متطلبات الواقع ومعايير الجماعة ويحقق قدرًا من التوافق النفسي والاجتماعي، في حين يشير السلوك اللاسوي إلى أنماط من التصرفات التي تعكس عجزًا عن التكيف أو خللًا في الضبط الذاتي أو اضطرابًا في العلاقة مع الآخرين. كما يشير عدد من الباحثين في علم النفس  إلى أن الجنوح يمثل مرحلة أولية من مراحل السلوك الإجرامي إذا لم تتم معالجته مبكرًا. وفي هذا السياق يصبح التمييز بين “الحدث الجانح” و”المجرم البالغ” تمييزًا جوهريًا، لأن الأول ما يزال في طور التشكّل النفسي والاجتماعي، بينما يكون الثاني قد ترسخت لديه أنماط سلوكية منحرفة، ويؤكد هذا الطرح أن مفهوم السواء واللاسواء ليس حكمًا أخلاقيًا جامدًا، بل هو مفهوم تحليلي يرتبط بقدرة الفرد على التكيف مع بيئته الاجتماعية والنفسية. ويُعد الحكم على السواء واللاسواء حكمًا نسبيًا يتحدد وفق ثلاثة معايير رئيسة: المعيار النفسي (مدى التوازن الانفعالي والقدرة على الضبط)، والمعيار الاجتماعي (مدى الالتزام بالمعايير)، والمعيار الثقافي (ما يعتبر مقبولًا أو مرفوضًا في سياق معين). ومن هنا فإن جنوح الحدث لا يُفهم باعتباره خللًا مطلقًا في الشخصية، بل باعتباره لا سواءً وظيفيًا مرتبطًا بمرحلة النمو وبالسياق البيئي المحيط.

 

ثانيًا: السلوك والشخصية لدى الحدث الجانح

تشير الدراسات النفسية إلى أن مرحلة المراهقة تمثل مرحلة إعادة تشكيل الهوية الشخصية، حيث يسعى الفرد إلى بناء صورة متماسكة عن ذاته وعن مكانته داخل المجتمع، وعندما يواجه الحدث خلال هذه المرحلة ضغوطًا نفسية أو اجتماعية حادة دون وجود دعم كافٍ من الأسرة أو المدرسة، فقد يتجه إلى تبني أنماط سلوكية تعويضية، يمثل السلوك الجانح مظهرًا خارجيًا لبنية نفسية تعاني من اضطراب في التوازن بين الدوافع والضوابط. فالحدث الجانح غالبًا ما يتسم باندفاعية عالية، وضعف في تقدير العواقب، وميل إلى الاستجابة الفورية للمثيرات، مع محدودية في التفكير المستقبلي، ويظهر السلوك العدواني أو التمردي بوصفه محاولة لتعويض الشعور بالعجز أو فقدان السيطرة، أما على مستوى الشخصية، فتبرز لدى كثير من الأحداث الجانحين سمات مثل تدنّي تقدير الذات، وضعف الشعور بالذنب، والميل إلى تبرير الأفعال وإسقاط المسؤولية على الآخرين، إضافة إلى تقلب انفعالي واضح بين الغضب واللامبالاة، وتُفهم هذه السمات بوصفها استجابات دفاعية لحالات من الإحباط أو الحرمان أو التهديد المستمر للشعور بالأمان كما تظهر لدى بعض الأحداث الجانحين أنماط تفكير معرفية مشوهة مثل تبرير العدوان أو التقليل من خطورة الفعل المنحرف. ويؤدي هذا النمط من التفكير إلى ضعف القدرة على التعاطف مع الآخرين، وهو ما يزيد احتمالية تكرار السلوك الجانح. ولا يمكن النظر إلى الجنوح بوصفه مجرد فعل مخالف، بل بوصفه “لغة نفسية” بديلة، فالحدث الذي يعجز عن التعبير اللفظي عن غضبه أو حاجته أو خوفه، قد يلجأ إلى السلوك المنحرف كوسيلة لإيصال رسالة مشوّهة مفادها أنه موجود، أو أنه يحتج على وضع لا يملك أدوات تغييره. وبذلك يصبح الجنوح عرضًا أكثر منه سببًا، ومؤشرًا على خلل في التكيف النفسي والاجتماعي. ومن المهم التأكيد أن هذه السمات لا تعني وجود اضطراب دائم في الشخصية، بل تعكس غالبًا تفاعلات نفسية مؤقتة مرتبطة بظروف التنشئة والضغوط البيئية.

 

ثالثًا: المحددات النفسية والاجتماعية للجنوح

من الناحية النفسية، تتجسد أبرز المحددات في الإحباط المتكرر، واضطراب الهوية، وضعف الانتماء، والقلق والغضب المكبوتين. فالحدث الذي يعيش في بيئة لا تتيح له الشعور بالقيمة أو الأمان، يتجه إلى البحث عن بدائل تمنحه الإحساس بالقوة ولو عبر سلوك عدواني أو مخالف. كما أن ضعف الضبط الذاتي وعدم اكتمال نمو الوظائف التنفيذية يجعلان الاستجابة للمثيرات أكثر اندفاعية وأقل عقلانية، أما اجتماعيًا، فتتمثل العوامل الأكثر تأثيرًا في التفكك الأسري، وأساليب التنشئة القاسية أو المتساهلة، والفقر والعمل المبكر، والتسرب المدرسي، إضافة إلى جماعة الرفاق المنحرفة التي توفر للحدث شعورًا بالانتماء والقبول مقابل الالتزام بثقافة مخالفة للمعايير. كما يسهم التعرض المستمر لمحتوى إعلامي يمجد العنف أو يطبع الجريمة في كسر الحواجز الأخلاقية وإضعاف الحساسية تجاه الخطأ. ويظهر الجنوح هنا كنتيجة لتفاعل بين بنية نفسية هشّة وبيئة اجتماعية مضطربة، بحيث لا يمكن عزو الظاهرة إلى عامل واحد معزول، بل إلى شبكة من الضغوط المتداخلة التي تدفع الحدث إلى تبني السلوك المنحرف بوصفه نمطًا للتكيف السلبي. ويمكن تلخيصها بنقاط كما تؤكد البحوث أن العوامل المؤدية إلى الجنوح يمكن تحليلها ضمن ثلاث دوائر رئيسة:

 

 

  1. الدائرة الأسرية وتشمل أساليب التنشئة، مستوى الاستقرار الأسري، العلاقة العاطفية بين الوالدين والأبناء، ودرجة الرقابة الأسرية.

  2. الدائرة المؤسسية وتتمثل في المدرسة والمؤسسات التربوية التي يفترض أن تلعب دورًا في الضبط الاجتماعي وتعزيز القيم الإيجابية.

  3. الدائرة المجتمعية وتشمل البيئة الاجتماعية الأوسع مثل الفقر والبطالة وانتشار العنف المجتمعي.

وفي السياق العراقي، تتداخل هذه الدوائر بشكل معقد نتيجة التحولات الاجتماعية والاقتصادية التي شهدها المجتمع خلال العقود الأخيرة، الأمر الذي جعل بعض فئات الشباب أكثر عرضة لمخاطر الانحراف.

 

رابعًا: البعد القانوني بين فلسفة الإصلاح وواقع التطبيق

تنطلق تشريعات الأحداث من مبدأ أن الحدث قابل للإصلاح أكثر من كونه مستحقًا للعقاب الانتقامي، ولذلك تركز على التدابير التربوية والاحترازية بدل العقوبات الزجرية، وهو مبدأ يقوم على اعتبار الحدث ضحية لظروف اجتماعية معينة بقدر ما هو مسؤول عن سلوكه. وتقوم فلسفة قانون الأحداث على الجمع بين الحماية الاجتماعية والتقويم السلوكي، بما يحقق مصلحة الحدث والمجتمع في آن واحد. غير أن التطبيق العملي يواجه تحديات متعددة، من أبرزها ضعف البرامج النفسية والتربوية داخل بعض مؤسسات الإصلاح، وقلة الكوادر المتخصصة، واكتظاظ المرافق، مما قد يحوّل هذه المؤسسات إلى بيئات تعزز ثقافة الجنوح بدل تفكيكها. كما أن غياب المتابعة اللاحقة بعد الإفراج يزيد من احتمالية العودة إلى السلوك المنحرف، لعدم معالجة الجذور النفسية والاجتماعية للمشكلة. وهنا تتجلى المفارقة بين فلسفة الإصلاح في النص القانوني وواقع الممارسة المؤسسية، بما يفرض ضرورة إعادة النظر في البنية التأهيلية لتكون أقرب إلى النموذج التربوي العلاجي منها إلى النموذج العقابي. ومن هنا فإن تطوير نظام عدالة الأحداث يتطلب تعزيز التعاون بين المؤسسات القانونية والاجتماعية والنفسية لضمان تحقيق الهدف الإصلاحي للقانون.

 

خامسًا: من السلوك إلى الهوية- خطر الوصم

يُعد الوصم الاجتماعي من أخطر العوامل التي تسهم في تثبيت اللاسواء السلوكي وتحويله إلى هوية نفسية، تشير نظرية الوصم الاجتماعي في علم النفس إلى أن المجتمع قد يسهم في تكريس الانحراف عندما يضع على الفرد صفة سلبية ثابتة. فحين يُعامل الحدث الجانح بوصفه “مجرمًا”، قد يجد نفسه محاصرًا بصورة اجتماعية يصعب التخلص منها. فعندما يُنظر إلى الحدث بوصفه “مجرمًا” لا “منحرفًا قابلًا للإصلاح”، يبدأ بتبني هذه الصورة عن ذاته، وتتحول التجربة الجانحة من فعل عابر إلى تعريف دائم للذات، وتزداد خطورة الوصم عندما يترافق مع الإقصاء الاجتماعي أو التمييز المؤسسي، مثل رفض المدرسة إعادة دمج الحدث أو امتناع المجتمع المحلي عن قبوله. وفي هذه الحالة يتحول الوصم إلى عامل يدفع الحدث إلى تبني السلوك المنحرف بوصفه هوية اجتماعية بديلة .كما أن لغة الإعلام والخطاب المجتمعي والمؤسسي قد تعزز هذا الوصم من خلال التركيز على الفعل دون السياق، وعلى الإدانة دون الفهم، مما يضعف فرص إعادة الإدماج الاجتماعي. ويؤدي هذا المسار إلى دائرة مغلقة: فعل جانح → وصم → عزلة اجتماعية → مزيد من الجنوح. ومن هنا، فإن معالجة الجنوح لا تتطلب تغيير السلوك فحسب، بل تفكيك الصورة النمطية المرتبطة بالحدث الجانح، وإعادة بنائه نفسيًا واجتماعيًا بوصفه فردًا قابلًا للتعلم والتغير.

 

سادسًا: أفق المعالجة والوقاية

تقتضي الوقاية العمل على مستوى الأسرة عبر دعمها اقتصاديًا ونفسيًا، وتعزيز الإرشاد المدرسي المبكر، وتوفير أنشطة بديلة إيجابية تستثمر طاقات الأحداث في مجالات رياضية وثقافية واجتماعية. كما تتطلب الوقاية الثقافية ضبط الخطاب الإعلامي الموجه للأطفال والمراهقين بما يحد من تطبيع العنف والانحراف تشير الدراسات الدولية في مجال الوقاية للنزوع نحو الجنوح إلى أهمية اعتماد مقاربة وقائية متعددة المستويات تشمل:

 

  • الوقاية الأولية: عبر تعزيز دور الأسرة والمدرسة في التنشئة السليمة.

  • الوقاية الثانوية: من خلال اكتشاف حالات الخطر مبكرًا وتقديم الدعم النفسي والاجتماعي للأحداث لديهم نزوع للجنوح.

  • الوقاية العلاجية: عبر برامج التأهيل النفسي والاجتماعي للأحداث الجانحين.

 

أما على المستوى العلاجي، فتبرز أهمية برامج تعديل السلوك والعلاج النفسي الفردي والجماعي، وتنمية مهارات ضبط الانفعال وحل المشكلات، إلى جانب التأهيل التعليمي والمهني الذي يعيد للحدث ثقته بذاته وقدرته على الاندماج المنتج في المجتمع. ويُعد إشراك الأسرة في الخطة العلاجية شرطًا أساسيًا لاستدامة الأثر العلاجي. كما أثبتت الدراسات أن توفير الأنشطة الرياضية والثقافية وبرامج التدريب المهني يسهم في خفض معدلات الجنوح لأنه يمنح الأحداث بدائل إيجابية لتحقيق الذات والشعور بالانتماء.

قانونيًا، يستلزم الأمر توسيع بدائل الاحتجاز، وتفعيل دور قاضي الأحداث المتخصص، وتحويل مؤسسات الإصلاح إلى فضاءات تربوية علاجية، تقوم على مبدأ الرعاية لا العقوبة.

تربويا تعزيز برامج الإرشاد النفسي في المدارس العراقية تنظيم دورات تدريبية للأهالي حول أساليب التربية الحديث دعم الأنشطة الشبابية المجتمعية، إدماج برامج تنمية المهارات الحياتية في المناهج الدراسية، إنشاء برامج تدخل مبكر للأطفال المعرضين للخطر.

 

الخاتمة

يتضح أن جنوح الأحداث ليس ظاهرة سلوكية معزولة، بل انعكاس لاختلال في منظومة نفسية- اجتماعية- قانونية. فالحدث الجانح لا يولد جانحًا، بل يتشكل عبر مسار من الحرمان والضغط وسوء التنشئة وضعف الرعاية المؤسسية. وتؤكد الدراسة أن المعالجة الحقيقية لا تكون بالردع وحده، بل ببناء الإنسان قبل محاسبته، وبإعادة الاعتبار لوظائف الأسرة والمدرسة والمؤسسة القانونية بوصفها أدوات إصلاح لا وسائل إقصاء. إن الاستثمار في الطفولة والمراهقة هو استثمار في أمن المجتمع واستقراره، لأن إنقاذ حدث واحد من مسار الجنوح هو في جوهره إنقاذ لمسار اجتماعي كامل في المستقبل.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى