بقلم: مركز الفيض العلمي لإستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لم تعد قضية التنمية في العراق مرتبطة بوفرة الموارد بقدر ما ترتبط بكيفية توجيهها ومعايير قياس أثرها، فالدول التي تنفق دون أن تقيس انعكاس هذا الإنفاق على حياة الإنسان، قد تحقق إنجازات مادية، لكنها لا تضمن بالضرورة تحسنًا حقيقيًا في جودة الحياة، من هنا تبرز أهمية اعتماد أطر حديثة، مثل مؤشر التقدم الاجتماعي Social Progress Index وهو مصطلح يُستخدم في مجالات مثل علم الاجتماع والتنمية البشرية لقياس مستوى رفاهية المجتمعات بناءً على عوامل غير اقتصادية مثل الصحة، التعليم، والحقوق، Index.
هذه الأطر التي تنظر إلى التنمية من زاوية مختلفة: ليس كم نملك، بل كيف نعيش.
وهذا التحول في التفكير لا يقتصر على تغيير أدوات القياس، بل يمس جوهر الفلسفة التنموية ذاتها، إذ يعيد الاعتبار لفكرة مركزية مفادها أن الإنسان هو الغاية النهائية لكل سياسات التنمية، وليس مجرد وسيلة لتحقيق مؤشرات اقتصادية.
يلاحظ في العراق ظاهرة (تُرى المدن وتُنسى الأطراف) فبعض أنماط التخطيط التنموي تميل إلى التركّز في مراكز المدن، حيث تكون المشاريع أكثر وضوحًا من حيث التنفيذ والأثر المرئي، غير أن هذا التركّز قد يُسهم- دون قصد- في إضعاف حضور المناطق الطرفية، مثل القرى والأرياف والنواحي البعيدة، ضمن أولويات التخطيط.
وفي هذه البيئات، يمكن ملاحظة أنماط مختلفة من التفاوت، فقد يضطر الأفراد إلى قطع مسافات طويلة للوصول إلى خدمات صحية أولية، أو الالتحاق بمدارس تعاني من ضغط عددي أو محدودية في الإمكانات، كما قد تكون البنية التحتية أقل استقرارًا من حيث الماء والكهرباء والاتصال.
وهذه الفجوات لا تعني غياب الجهود، لكنها تشير إلى حاجة ملحّة لاعتماد منظور أكثر شمولًا وعدالة في توزيع الخدمات، يقوم على قياس ما يصل فعليًا إلى الإنسان، لا ما يُعلن عن إنجازه.
ومن منطلق قياس الإنفاق إلى فهم الحياة اليومية، تُقدّم مؤشرات التقدّم الاجتماعي مقاربة تحليلية مختلفة، إذ تركز على النتائج الملموسة في حياة الأفراد، وهي بذلك تنقل النقاش من حجم الموارد إلى جودة العيش، ومن التخطيط العام إلى التجربة اليومية للمواطن.

ويمكن قراءة هذه المؤشرات في ضوء واقعنا في العراق عبر ثلاثة أبعاد رئيسة، تشكّل معًا إطارًا متكاملًا لفهم التنمية
-
الاحتياجات الأساسية: الكرامة كنقطة انطلاق.. تمثل الاحتياجات الأساسية الحد الأدنى الذي لا يمكن تجاوزه في أي مجتمع يسعى إلى تحقيق تنمية متوازنة، وتشمل الغذاء، والماء النظيف، والرعاية الصحية، والسكن، والأمان.
وفي بعض المناطق الريفية، ما تزال هذه العناصر مرتبطة بتحديات يومية، كعدم انتظام إمدادات الماء، أو محدودية الوصول إلى خدمات صحية قريبة، أو ضعف البنية التحتية للسكن، وهذا يشير إلى أن المسألة لا تتعلق بتوافر الخدمة نظريًا، بل بمدى استمراريتها وعدالتها في الوصول.
إن التعامل مع هذه الاحتياجات بوصفها أساسًا للكرامة الإنسانية قد يسهم في إعادة ترتيب الأولويات، بحيث تُمنح المناطق الأكثر حاجة اهتمامًا أكبر في التخطيط والتنفيذ.
-
أسس الرفاه: من الوجود إلى الجودة.. يتجاوز مفهوم الرفاه مجرد توفر الخدمات، ليشمل جودة هذه الخدمات وقدرتها على إحداث فرق حقيقي في حياة الأفراد، فالتعليم، على سبيل المثال، لا يُقاس بعدد المدارس فقط، بل بمدى كفاءته في بناء المعرفة والمهارات.
وفي البيئات الطرفية، قد تظهر فجوات مرتبطة بنقص الملاكات التعليمية، أو ضعف التجهيزات، أو محدودية استخدام التقنيات الحديثة، كما أن ضعف الاتصال الرقمي قد يحدّ من انفتاح الطلبة على مصادر التعلم العالمية.
وينطبق الأمر ذاته على القطاع الصحي، حيث قد تقتصر الخدمات على الجانب العلاجي، في حين تبقى الجوانب الوقائية والتوعوية محدودة، ومن هنا، يصبح تحسين جودة الخدمات عنصرًا أساسيًا في تحقيق الرفاه، ويتطلب ذلك نظرة تكاملية تجمع بين البنية التحتية، والكوادر البشرية، والتكنولوجيا.
-
الفرص: العدالة التي تُبنى عبر المكان.. تُظهر التجربة أن الفرص المتاحة للأفراد لا تتوزع دائمًا بشكل متساوٍ، بل تتأثر بعوامل متعددة، من بينها الموقع الجغرافي، فالشباب في المناطق البعيدة قد يواجهون تحديات إضافية في الوصول إلى التعليم العالي، أو الاندماج في سوق العمل، أو المشاركة في الأنشطة المجتمعية.
وهذه الفجوة ليست بالضرورة نتيجة سياسات مقصودة، لكنها قد تكون حصيلة تراكمات في توزيع الموارد والخدمات، وهنا تبرز أهمية العمل على تعزيز تكافؤ الفرص، بحيث لا يكون المكان عاملًا محددًا لمستقبل الفرد.
إن تمكين الأفراد في مختلف البيئات من الوصول إلى الفرص يسهم في بناء مجتمع أكثر توازنًا، ويقلل من الفوارق التي قد تتسع مع مرور الوقت.
لو تحدثنا عن العدالة المكانية لوجدنا أنها تمثل بُعدًا خفيًا في جودة الحياة، إذ لا يقتصر أثر التفاوت في الخدمات على الجوانب المادية، بل يمتد ليشمل الأبعاد النفسية والاجتماعية، فحين يشعر الإنسان بأن بيئته لا تحظى بنفس مستوى الاهتمام، قد يتكوّن لديه إحساس غير مباشر بالتهميش، حتى وإن لم يكن ذلك مقصودًا.
وفي المقابل، فإن توزيع الخدمات بشكل متوازن يعزز شعور الأفراد بالانتماء، ويدعم الاستقرار الاجتماعي، ويسهم في بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات.
ومن هذا المنطلق، يمكن النظر إلى العدالة المكانية بوصفها عنصرًا أساسيًا في تحقيق الأمن النفسي والاجتماعي، خاصة في المجتمعات المتنوعة جغرافيًا.

إن مؤشرات التقدّم الاجتماعي كأداة للفهم والتوجيه لا تقدّم حلولًا جاهزة بقدر ما توفّر إطارًا يساعد على:
-
تحليل الواقع من زوايا متعددة.
-
الكشف عن الفجوات غير المرئية في توزيع الخدمات.
-
دعم اتخاذ القرار على أساس بيانات واقعية.
-
توجيه الجهود نحو تحقيق توازن أكبر بين المناطق.
ويمكن أن تسهم في تعزيز التفكير التنموي القائم على الإنسان كمحور رئيسي، بدل التركيز على الجوانب الكمية فقط.
إن تبنّي هذا النوع من المؤشرات قد يفتح المجال أمام إعادة صياغة مفهوم التنمية في العراق، بحيث تصبح عملية مستمرة تهدف إلى تحسين حياة الإنسان في مختلف البيئات، سواء في المدن أو القرى أو الأرياف.
كما يمكن أن يشجّع على تطوير أدوات جديدة للمتابعة والتقييم، تأخذ بالحسبان الفوارق الجغرافية، وتعمل على تقليلها تدريجيًا.
الخاتمة
في بلد متنوع مثل العراق، لا يمكن اختزال التنمية في مراكز المدن، مهما بلغت أهميتها، فالحياة اليومية للإنسان تتشكل في بيئته المباشرة، حيث تتقاطع احتياجاته مع ما يتوافر من خدمات وفرص.
وإن تبنّي مؤشرات التقدّم الاجتماعي يقدّم فرصة لإعادة النظر في كيفية فهمنا للتنمية، بوصفها عملية تستهدف تحسين جودة الحياة في كل مكان، لا في مواقع محددة فقط، وفي ضوء ذلك، يبقى السؤال مفتوحًا للتأمل:
إلى أي مدى تنعكس جهود التنمية على حياة الإنسان في أبعد نقطة من هذا البلد؟
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى