إعداد: مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
المقدمة
العراق تاريخيًا كان قلب الأمة العربية النابض بالسياسة، الثقافة، والاقتصاد، لاسيما في دعم القضايا العربية الكبرى مثل فلسطين وحركات التحرر الوطني، من خمسينات القرن الماضي، لعب العراق دورًا محوريًا في دعم الدول العربية بالمال والسلاح والدبلوماسية، وكان يُنظر إليه كركيزة أساسية للعمق العربي في المنطقة.
لكن الواقع الحديث يُظهر أن بعض الدول العربية، رغم هذا التاريخ، تميل في أزمات مثل النزاع الحدودي مع الكويت إلى الاصطفاف ضد العراق أو التحفظ على مواقفه، وهذا يثير تساؤلات عميقة عن أسباب هذا التباين بين الذاكرة التاريخية والموقف الإقليمي الحالي.
لفهم هذا التناقض، من الضروري النظر إلى عدة عوامل متشابكة: أحداث تاريخية مثل أزمة 1990، مواقف الدول العربية المختلفة، طبيعة النظام السياسي بعد 2003، دور الهوية الشيعية في الحكومة، والعوامل الاقتصادية والاجتماعية التي تؤثر على تقدير العراق في محيطه العربي.
أولًا: العراق في الذاكرة العربية – دور مركزي لا هامشي
العراق لم يكن يومًا دولة هامشية في النظام العربي، بل كان لاعبًا رئيسًا في السياسة العربية منذ خمسينات القرن الماضي، ودعمه السياسي والاقتصادي والعسكري للفلسطينيين ودول عربية أخرى أعطاه مكانة تاريخية لا يُستهان بها. إذ قدم العراق المال والسلاح إلى الدول العربية خلال الأزمات، وفتح أراضيه للمناضلين العرب، وأسهم في تشكيل مواقف جامعة ضد الاحتلال “الإسرائيلي” في المحافل الدولية، وكما احتضن الفكر الثقافي والنخب العربية، وشارك في مشاريع قومية مشتركة.
لكن رغم هذا التاريخ المشرف، نجد أن الحسابات الواقعية للأزمات الحالية تتجاوز العواطف والذاكرة الأخلاقية، فالسياسة المعاصرة تُبنى على مصالح وقوة، وليس فقط على الوفاء بالالتزامات التاريخية وتقديرا للمواقف البطولية!
هنا تظهر الفجوة بين “ذاكرة العراق” في القضايا العربية وبين الطريقة التي تُترجم بها المواقف في الوقت الراهن.
ثانيًا: عقدة 1990 – الجرح الأمني المستمر

أزمة الكويت عام 1990 تركت آثارًا طويلة المدى على العلاقات العربية- العراقية، فالتوغل العراقي في الكويت بأوامر النظام البعثي البائد، حتى لو تم تفسيره داخليًا كمسألة حدودية أو اقتصادية، أحدث صدمة أمنية عميقة لدى دول الخليج، وترسخ لدى شعوبها فكرة أن أي خطوة عراقية يمكن أن تُقرأ تهديدًا للأمن الإقليمي، لذا أصبحت الملفات الحدودية مسألة وجودية لدول الخليج، وارتبطت بالأمن القومي بشكل مباشر، وكذلك تعمل دول الخليج على ترسخ مبدأ الردع المبكر في سياسات الدفاع الخليجي، أي أن أي تحرك عراقي حتى لو كان قانونيًا يُراقب بدقة.
هذا التاريخ ألقى بظلاله على مواقف كل الدول العربية، حيث يُستعاد الماضي في كل أزمة لتفسير التصرفات الحالية للعراق.
إذن، جزء كبير من “العداء” أو التحفظ العربي ليس عداء شخصيًا للعراق، بل انعكاس لذكريات أمنية وسياسية لم تغلق بعد، وهو عامل متكرر يفسر التباين بين الدعم التاريخي والتصرفات الراهنة.
ثالثًا: مواقف الأردن ومصر وفلسطين – قراءة براغماتية
الأردن
رغم الافادة التاريخية من النفط العراقي والمستمرة الى هذه اللحظة، فإن الأردن يعتمد في استقراره الاقتصادي والسياسي على الخليج، وتجربة 1990 جعلت الأردن أكثر حذرًا في التعامل مع العراق، لأن أي موقف معارض للسياسة الخليجية قد يكلفه خسارة دعمًا اقتصاديًا أو أمنيًا من دول الخليج. لذلك، الموقف الأردني خيار براغماتي لضمان أمن واستقرار الدولة.
مصر
موقف مصر مشابه من زاوية الحفاظ على استقرار النظام العربي ككل، أي خطوة عراقية تُقرأ كخرق للحدود أو تجاوز للقوانين الدولية تُثير حساسية القاهرة التي تراعي العلاقات الخليجية والاعتبارات الاستراتيجية.
فلسطين
رغم المكانة الرمزية للعراق في الوعي الفلسطيني، فإن القيادة الفلسطينية تميل إلى الحذر السياسي للحفاظ على شبكة الدعم العربية المتعددة، بما فيها دول الخليج، فالقضية الفلسطينية لدى العراقيين قضية روحية وسياسية مركزية، لكن القيادة الفلسطينية في الواقع تُوازن بين التقدير الرمزي للعراق والحاجة العملية لاستمرار الدعم من المحيط العربي كله.
رابعًا: الهوية الشيعية للحكومات العراقية بعد 2003

بعد عام 2003، أصبح العراق تحت إدارة حكومات ذات أغلبية شيعية، وهو تحوّل أعاد تشكيل صورة العراق إقليميًا:
-
صعود القوى السياسية الشيعية أثار مخاوف بعض الأنظمة العربية، لاسيما الخليجية، من تمدد “ما يسموه” النفوذ الإيراني عبر العراق.
-
هذا لم يخلق عداوة دينية صرفة، بل أضاف بعدًا جيوسياسيًا لحسابات الدول العربية حول استقرار العراق وموقفه من المحاور الإقليمية.
مع ذلك، التاريخ قبل 2003 يوضح أن العداء أو التحفظ العربي موجود منذ زمن النظام السنّي، مما يؤكد أن العامل المذهبي ليس السبب الوحيد، بل جزء من سياق أكبر يضم التوازنات الإقليمية والأمنية.
خامسًا: الأسباب المتشابكة وراء الاصطفاف العربي
باختصار، أسباب المواقف العربية المتحفظة أو العدائية تجاه العراق تشمل:
-
ذاكرة أزمة 1990 غير المغلقة، والتي فرضت حساسية دائمة تجاه أي خطوة عراقية قد تُقرأ كتهديد.
-
الانتقال من منطق القومية العاطفية إلى منطق الدولة- المصلحة، حيث الحسابات الواقعية أكثر تأثيرًا من التاريخ الأخلاقي.
-
مخاوف خليجية من أي اختلال في توازن القوى الإقليمية، خاصة بعد صعود الحكومة الشيعية.
-
ضعف وحدة الخطاب العراقي أحيانًا، سواء رسميًا أو شعبيًا، مما يترك مجالًا لسوء التفسير.
-
الحساسية تجاه ملفات الحدود والمصالح الاقتصادية والأمنية.
سادسًا: ماذا على العراق أن يفعل؟
-
سياسيًا
-
اعتماد خطاب قانوني دقيق ومنضبط يوضح احترام العراق للحدود والقرارات الدولية.
-
فتح قنوات ثنائية مباشرة مع الكويت- بالرغم من رفضها المتكرر- لمعالجة الملفات دون الانزلاق إلى التصعيد الإعلامي.
-
توحيد الخطاب الرسمي الداخلي لتفادي الرسائل المتناقضة.
-
تعزيز الدور داخل جامعة الدول العربية عبر مبادرات عملية لحل النزاعات وبناء الثقة.
-
اجتماعيًا وشعبيًا
-
استثمار القوة الناعمة: مهرجانات ثقافية، تبادل طلابي، وتعزيز السياحة الدينية والثقافية.
-
ضبط الخطاب الشعبي في وسائل التواصل الاجتماعي للحد من التضخيم وسوء التفسير.
-
إبراز صورة العراق الحضارية والتاريخية بدل التركيز على الصراعات السياسية، لإعادة بناء الثقة العربية الشعبية.
-
اقتصاديًا
-
تعزيز مشاريع الطاقة المشتركة والربط الكهربائي مع دول الخليج.
-
تطوير الممرات اللوجستية والموانئ لتحويل العراق إلى عقدة تجارية إقليمية.
-
تنويع الشراكات الاقتصادية لتقليل الاعتماد على محور واحد.
-
جذب الاستثمارات الخليجية والعربية بضمانات واضحة، ما يجعل استقرار العراق مصلحة مشتركة.
-
استراتيجيًا
-
التحرر من خطاب العتب التاريخي والتركيز على المصالح المتبادلة.
-
إبراز العراق كدولة مستقلة القرار، جامعة لمكوناته المتعددة، وقادرة على إدارة علاقاتها الإقليمية ببراغماتية.
-
منطقيًا
-
إعادة صياغة فهم الفرد العراقي للعمق العربي
جزء كبير من مأزق العلاقات العربية- العراقية ينبع من تصورات العراقيين الشخصية حول “العمق العربي”. تاريخيًا، نشأ لدى العراقيين شعور بأن دعم العراق للقضايا العربية، لا سيما فلسطين، والدعم النفطي للأردن والدعم المادي لسوريا، سيضمن لهم دعمًا مماثلًا عند أي أزمة أو تحدٍ، هذا الفهم، رغم جذوره الأخلاقية، لم يعد يتماشى مع الواقع السياسي الحالي، حيث تُقاس العلاقات بين الدول بالمصالح الاستراتيجية أكثر من الولاء التاريخي.
الفرد العراقي بحاجة لفهم أن العمق العربي ليس ضمانًا تلقائيًا للمساندة السياسية أو العسكرية. الاصطفاف العربي يعتمد على حسابات الأمن والمصالح والمخاوف الإقليمية، وليس على الوفاء العاطفي أو التقدير التاريخي.
-
الانتقال من العاطفة إلى البراغماتية
الوعي الفردي يجب أن يتحول من خطاب العتب التاريخي إلى إدراك براغماتي:
-
لا يمكن توقع تأييد دائم لكل خطوة عراقية.
-
أي موقف عربي يجب قراءته ضمن مصالح الدولة وموازين القوى.
-
التركيز على بناء قوة عراقية مستقلة وفاعلة بدل الاعتماد على التضامن التاريخي وحده.
-
أثر إعادة الفهم على السياسة الوطنية
تغيير هذا التصور لدى العراقيين يدعم الوحدة الداخلية ويقلل من الضغط على الدولة لاتخاذ مواقف تصعيدية بهدف “إثبات الوفاء” للعمق العربي، كما يتيح للعراق التركيز على استراتيجيات واقعية لبناء تحالفات متوازنة، وتعزيز صورته في المنطقة كدولة مستقلة، قادرة على إدارة علاقاتها بذكاء واستقلالية.
الخاتمة
العراق، رغم تاريخه الطويل والداعم للقضايا العربية، يواجه واقعًا إقليميًا تتحكم فيه المصالح والاستراتيجيات، وليس العواطف أو التاريخ وحده.
العداء أو التحفظ العربي تجاه العراق في بعض الملفات لا ينبع فقط من الهوية المذهبية للحكومات، بل من مخاوف تاريخية، حسابات مصلحة، وحساسية تجاه أي خطوة عراقية تتعلق بالحدود أو النفوذ الإقليمي.
الاستراتيجية المثلى للعراق هي:
-
هدوء سياسي.
-
وحدة خطاب داخلي.
-
تشابك اقتصادي عميق.
-
قوة ناعمة مؤثرة.
بهذا يمكن للعراق تحويل العمق العربي من مجال لتكرار الخيبات إلى شراكة متوازنة، تجعل الاصطفاف ضده خيارًا مكلفًا، والتقارب معه ضرورة استراتيجية للمستقبل.
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى