أزمة الأولويات وغياب التخطيط في العراق..  حين تُدار الدولة بلا ذاكرة

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

مدخل

المشكلة التي تختبئ خلف كل المشاكل

ليس من الصعب على أي متابع للشأن العراقي أن يعدد الأزمات: كهرباء، بطالة، تعليم متراجع، خدمات متعثرة، فساد مستشرٍ، لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في كثرة هذه الأزمات، بل في وجود سبب بنيوي واحد يقف خلفها جميعاً، وهو: اختلال سلّم الأولويات وغياب التخطيط الاستراتيجي.

 

فالعراق اليوم لا يفتقر إلى المال ولا إلى الطاقات البشرية، بل يفتقر إلى “العقل المنظم” الذي يحدد: ماذا نريد؟ ومتى؟ وكيف؟

 

أولاً: غياب التخطيط طويل الأمد- دولة تبدأ من الصفر في كل دورة

يُعدّ غياب التخطيط طويل الأمد من أخطر الإشكالات البنيوية التي واجهت الدولة العراقية خلال العقود الأخيرة، إذ تبدو مؤسسات الدولة في كثير من الأحيان وكأنها تعمل بلا ذاكرة تراكمية، وبلا رؤية استراتيجية تستند إلى ما أُنجز سابقاً، فمع كل دورة حكومية جديدة، تُطرح خطط مختلفة، وتُرفع شعارات جديدة، وتُعلن برامج ومشاريع تبدأ من نقطة الصفر تقريباً، من دون أن يكون هناك التزام مؤسسي حقيقي بإكمال ما بدأته الحكومات السابقة أو البناء عليه.

هذا النمط من الإدارة لا يخلق دولة متراكمة الخبرة، بل ينتج دولة تعيش في حالة إعادة تأسيس دائمة، فتتحول المشاريع الوطنية إلى برامج مؤقتة مرتبطة بالأشخاص لا بالمؤسسات، وبالدورات السياسية لا بالحاجات التنموية الفعلية، وهنا يفقد التخطيط معناه الحقيقي بوصفه رؤية ممتدة زمنياً، ليصبح أقرب إلى ردّ فعل آني يهدف إلى معالجة الأزمة الظاهرة، لا جذورها العميقة.

وتبرز أزمة الكهرباء بوصفها مثالاً صارخاً على هذا الخلل، فعلى مدى أكثر من عقدين، أنفق العراق مبالغ مالية هائلة على هذا القطاع، ومع ذلك ما يزال المواطن يواجه انقطاعات مستمرة وتذبذباً في ساعات التجهيز، خصوصاً في مواسم الصيف والذروة، وإن جوهر المشكلة لا يكمن في نقص الأموال بقدر ما يكمن في غياب رؤية وطنية متكاملة لملف الطاقة تقوم على  وجود مشروع استراتيجي شامل يربط الإنتاج بالنقل والتوزيع والاستدامة المستقبلية، وهكذا تحولت الجهود إلى معالجات ترقيعية متفرقة، لا إلى بناء منظومة طاقة مستقرة وقادرة على تلبية احتياجات البلد.

ويظهر الخلل ذاته في قطاع التعليم، الذي يُفترض أن يكون الركيزة الأساسية لأي مشروع نهضوي، فعلى الرغم من ارتفاع الموازنات وتكرار الوعود الحكومية، ما تزال آلاف المدارس تعمل بنظام الدوام المزدوج أو الثلاثي، الأمر الذي يرهق التلاميذ والمعلمين ويؤثر سلباً في جودة العملية التعليمية، كما أن وجود أبنية مدرسية قديمة أو غير ملائمة، بل واستمرار بعض المدارس الطينية في عدد من المناطق، يعكس بوضوح غياب خطة تعليمية بعيدة المدى تستوعب الزيادة السكانية السنوية، وتستبق الحاجة إلى الأبنية والكوادر والمستلزمات، بدلاً من أن تبقى الدولة في موقع الملاحقة المتأخرة للمشكلة بعد تفاقمها.

ومن هنا يمكن القول إن العراق لا يعاني من نقص الموارد بقدر ما يعاني من غياب التخطيط المؤسسي الذي يحول هذه الموارد إلى نتائج ملموسة، فالمشكلة ليست في الإمكانات، وإنما في غياب العقل التنظيمي الذي يمنح العمل العام استمراريته واتجاهه.

 

 

ثانياً: فوضى الأولويات- حين يتقدّم السياسي على الخدمي

في الدول التي تمتلك رؤية واضحة لإدارة شؤونها، تنطلق عملية ترتيب الأولويات من الإنسان بوصفه الغاية الأولى لأي جهد حكومي، فتُبنى السياسات على أساس تحسين جودة حياته، عبر تطوير التعليم، وتعزيز النظام الصحي، وتوفير مقومات العيش الكريم، غير أن الصورة في العراق تبدو مختلفة إلى حدٍّ كبير، إذ تتشكل الأولويات في كثير من الأحيان وفق اعتبارات لا ترتبط بالحاجة المجتمعية بقدر ارتباطها بحسابات سياسية آنية وتوازنات حزبية دقيقة، تُقدَّم فيها المصالح الضيقة على المصلحة العامة.

إن هذا النمط من ترتيب الأولويات يجعل القرار الحكومي أسيراً لضغوط الواقع السياسي أكثر من كونه استجابة واعية لمتطلبات التنمية، فبدلاً من توجيه الموارد نحو مشاريع استراتيجية تمس حياة المواطن بشكل مباشر ومستدام، يجري في أحيان كثيرة توجيه الإنفاق نحو مشاريع سريعة الأثر، ذات طابع شكلي أو إعلامي، تحقق حضوراً آنياً لكنها لا تترك أثراً عميقاً في بنية الاقتصاد أو المجتمع.

ويتجلى هذا الخلل بوضوح حين نلاحظ حجم الإنفاق العام مقارنة بمستوى الخدمات المقدمة، فالدولة العراقية، رغم موازناتها الكبيرة في سنوات عديدة، لم تنجح في إحداث نقلة نوعية في قطاعات أساسية، إذ لا يزال التعليم يعاني من ضعف في المناهج، وقصور في البنية التحتية، وغياب التحديث الحقيقي الذي يواكب التطورات العالمية، الأمر الذي ينعكس على مخرجاته ويحدّ من قدرته على إعداد جيل قادر على المنافسة، وفي القطاع الصحي، تتكرر الأزمات مع كل ضغط طارئ، حيث تبرز محدودية المؤسسات الطبية، وضعف تجهيزها، وعدم كفاية الكوادر أو توزيعها بشكل عادل، مما يدفع شريحة واسعة من المواطنين إلى البحث عن العلاج خارج البلاد عند توفر القدرة، أو الاكتفاء بخدمات محدودة في الداخل.

أما في مجالي الزراعة والصناعة، اللذين يمثلان ركيزة لأي اقتصاد متوازن، فقد تراجعت مساهمتهما بشكل ملحوظ، نتيجة غياب سياسات داعمة طويلة الأمد، وضعف الاستثمار فيهما، وفتح الأسواق أمام الاستيراد دون حماية كافية للمنتج المحلي، وهذا التراجع لا يعكس نقصاً في الإمكانات الطبيعية أو البشرية، بل يعكس خللاً في ترتيب الأولويات الاقتصادية، حيث لم تُمنح هذه القطاعات ما تستحقه من اهتمام استراتيجي.

وفي ظل هذه الصورة، تتشكل مفارقة لافتة: دولة تنفق مبالغ كبيرة، لكنها لا تحقق الأثر التنموي المتوقع.

ومن هنا، فإن معالجة هذه الأزمة لا تتطلب زيادة الإنفاق بقدر ما تتطلب إعادة توجيهه وفق رؤية تضع الإنسان في مركز العملية التنموية، وتوازن بين الضرورات الآنية والمتطلبات المستقبلية، بحيث تتحول السياسة من أداة لإدارة المصالح إلى وسيلة لتحقيق التنمية الحقيقية.

 

ثالثاً: تضخم الجهاز الإداري مقابل ضعف الإنتاج- دولة تُشغِّل أكثر مما تُنتج

من الظواهر البارزة في بنية الدولة العراقية خلال السنوات الماضية، التوسع الكبير في الجهاز الإداري، ليس بوصفه نتيجة طبيعية لنمو مؤسسي مدروس، بل كاستجابة آنية لضغوط اجتماعية واقتصادية، وعلى رأسها البطالة، فقد تحوّلت الوظيفة العامة تدريجياً من كونها أداة لخدمة الدولة والمجتمع، إلى وسيلة لامتصاص الأزمات وتخفيف الاحتقان الشعبي، الأمر الذي أفرز نموذجاً إدارياً مثقلاً بالأعداد، لكنه محدود الكفاءة والإنتاج.

إن هذا التحول يعكس غياب رؤية اقتصادية متكاملة توازن بين دور الدولة ودور السوق، إذ كان من الممكن أن يُوجَّه جزء كبير من الطاقات البشرية نحو قطاع خاص منتج، قادر على خلق فرص عمل مستدامة، بدل تركّز التوظيف داخل مؤسسات حكومية تعاني أصلاً من الترهل، ومع مرور الوقت، أصبح التوسع في التعيينات خياراً سهلاً سياسياً، لكنه مكلف اقتصادياً، لأنه لا يرتبط بحاجات فعلية بقدر ما يرتبط باعتبارات آنية.

وفي الواقع العملي، لا يصعب ملاحظة مظاهر هذا التضخم داخل مؤسسات الدولة، حيث تتكدس أعداد كبيرة من الموظفين في دوائر محددة، في مقابل نقص واضح في الكوادر في مجالات أخرى أكثر تخصصاً أو حاجة، كما أن توزيع العمل داخل المؤسسة الواحدة غالباً ما يفتقر إلى التنظيم الفاعل، فتُسند مهام محدودة إلى عدد كبير من الأفراد، ما يؤدي إلى انخفاض مستوى الإنتاجية الفردية والجماعية على حد سواء.

وقد انعكس هذا الواقع بشكل مباشر على الموازنة العامة، إذ تذهب نسبة كبيرة جدا منها او اغلبها تقريبا إلى الرواتب والأجور، على حساب الإنفاق الاستثماري الذي يُفترض أن يُوجَّه نحو بناء البنية التحتية وتطوير القطاعات الإنتاجية، وهنا تتشكل معادلة معقدة: دولة تنفق الجزء الأكبر من مواردها على الاستهلاك، بينما يبقى الاستثمار- الذي يخلق النمو الحقيقي- في مرتبة ثانوية.

أما على مستوى الخدمات، فإن تضخم الجهاز الإداري لم يُترجم إلى تحسن نوعي في الأداء، بل على العكس، كثيراً ما يواجه المواطن بطئاً في إنجاز معاملاته، وتعقيداً في الإجراءات، وضعفاً في جودة الخدمة المقدمة، وهذا يكشف أن المشكلة لا تتعلق بعدد الموظفين، بل بكيفية إدارتهم، ووضوح الأدوار، ووجود نظام رقابي وتقييمي فعّال.

إن معالجة هذه الإشكالية لا تكمن في تقليص الأعداد بشكل مباشر، بل في إعادة تعريف وظيفة الدولة نفسها، والانتقال من نموذج “الدولة المُشغِّلة” إلى “الدولة المنظِّمة والمُمكِّنة”، التي تخلق بيئة داعمة للاستثمار والإنتاج، وتعيد توزيع القوى العاملة بطريقة تحقق الكفاءة والاستدامة.

 

اجتماع للحكومة العراقية السابقة برئاسة محمد شياع السوداني

 

رابعاً: تداخل الصلاحيات وغياب التنسيق المؤسسي- حين تعمل الدولة كجزر منفصلة

لا يقتصر الخلل التنظيمي في العراق على ضعف التخطيط أو اختلال الأولويات، بل يمتد ليشمل بنية العمل المؤسسي نفسها، حيث تعاني مؤسسات الدولة من تداخل في الصلاحيات، وغياب واضح لآليات التنسيق الفاعل بينها، وبدلاً من أن تعمل هذه المؤسسات ضمن منظومة متكاملة تتوزع فيها الأدوار بشكل دقيق، تبدو في كثير من الأحيان وكأنها وحدات منفصلة، لكل منها مسارها الخاص، وأجندتها الإدارية التي قد تتقاطع أو تتعارض مع غيرها.

في هذا السياق، لا يكون الخلل مجرد نقص في الكفاءة أو الإمكانات، بل خللاً في هندسة النظام الإداري ذاته، فحين تتوزع المسؤوليات بين جهات متعددة دون تحديد واضح للقيادة أو لحدود الدور، تتحول عملية اتخاذ القرار إلى مسار معقد، تتداخل فيه المستويات، وتضيع فيه المسؤولية بين التخطيط والتنفيذ والمتابعة، وقد نجد جهة تضع الخطط، وأخرى تتولى التنفيذ، بينما تقف جهة ثالثة- بشكل مباشر أو غير مباشر- عائقاً أمام استكمال العمل، إما بسبب اختلاف الرؤى أو تضارب المصالح أو غياب التنسيق المسبق.

ويتجلى هذا الاضطراب بشكل واضح في مشاريع البنى التحتية، حيث تتكرر مشاهد تنفيذ شارع أو ممر خدمي من قبل جهة معينة، ليُعاد حفره بعد فترة قصيرة من قبل جهة أخرى لغرض مدّ شبكة مختلفة أو إجراء تعديلات لم تكن محسوبة ضمن المشروع الأول، وهذا التكرار لا يعكس فقط هدراً في المال والجهد، بل يكشف عن غياب قاعدة بيانات موحدة، وانعدام التخطيط المشترك، وضعف التنسيق بين الجهات المعنية قبل الشروع في التنفيذ.

إن الدول التي تحقق نجاحاً في إدارة مواردها لا تعتمد فقط على كفاءة كل مؤسسة على حدة، بل على قدرة هذه المؤسسات على العمل ضمن شبكة مترابطة، تُدار وفق رؤية واحدة وخطة مشتركة، أما في الحالة العراقية، فإن غياب هذا التكامل يُفضي إلى تكرار الأخطاء، وتضخيم الكلفة، وإبطاء الإنجاز، فضلاً عن إضعاف ثقة المواطن بجدوى العمل الحكومي.

ومن هنا، فإن إصلاح هذا الخلل يتطلب إعادة النظر في هيكلية اتخاذ القرار، وتحديد الصلاحيات بشكل دقيق، وبناء منظومات تنسيق فاعلة تعتمد على التخطيط المسبق وتبادل المعلومات، بحيث تتحول الدولة من مجموعة جهات متفرقة إلى كيان مؤسسي منسجم، يعمل بعقل واحد وإن تعددت أذرعه.

 

خامساً: غياب معيار الكفاءة في إدارة الدولة- حين تُدار المؤسسات بغير أهلها

يمثل غياب معيار الكفاءة في اختيار القيادات الإدارية أحد أخطر مظاهر الخلل في بنية الدولة، لأنه يمسّ العقل الذي يُفترض أن يقود التخطيط والتنفيذ معاً، فحين لا تكون الرؤية واضحة، ولا تُحدد الأهداف على أسس مهنية، يصبح اختيار القيادات خاضعاً لاعتبارات لا ترتبط بالخبرة أو القدرة، بل بمعايير أخرى قد تكون سياسية أو شخصية أو توافقية، وهو ما ينعكس بشكل مباشر على أداء المؤسسات.

في مثل هذا السياق، لا تعود المؤسسة قادرة على التطور، لأنها تُدار بعقلية تقليدية تميل إلى الحفاظ على الواقع بدلاً من تغييره، فتغيب روح المبادرة، وتتراجع القدرة على الابتكار، ويصبح العمل الإداري أقرب إلى تكرار روتيني لإجراءات قديمة، لا تستجيب لحجم التحديات المتسارعة التي يواجهها البلد.

ويظهر هذا الخلل بوضوح في بطء اتخاذ القرار، وفي الميل إلى الحلول المؤقتة التي تعالج الظواهر دون التوغل في الأسباب الحقيقية للمشكلات، فبدلاً من البحث عن معالجات جذرية قائمة على تحليل علمي وتخطيط دقيق، يُصار إلى اعتماد أساليب تقليدية أثبتت محدودية أثرها، لكنها تستمر بفعل غياب البديل المؤهل لطرح رؤية مختلفة.

كما أن ضعف الكفاءة القيادية يؤدي إلى سوء استثمار الموارد المتاحة، مهما كانت كبيرة، فالمؤسسة التي لا تُدار بعقل كفوء لن تتمكن من توظيف إمكاناتها بالشكل الصحيح، ومع تراكم هذا النمط من الإدارة، تتشكل بيئة مؤسسية طاردة للكفاءات الحقيقية، حيث يجد أصحاب الخبرة والقدرة أنفسهم خارج مواقع التأثير، أو محاصرين داخل هياكل لا تسمح لهم بالإبداع.

إن الإشكال هنا لا يتعلق بأفراد بعينهم بقدر ما يتعلق بمنظومة اختيار وتقييم لا تعطي الأولوية للكفاءة بوصفها معياراً حاسماً، فالدولة التي لا تضع الشخص المناسب في المكان المناسب، ستبقى تدور في دائرة الأداء المحدود، مهما توفرت لها من موارد وإمكانات.

 

ومن هنا، فإن أي إصلاح حقيقي لا يمكن أن يتحقق دون إعادة الاعتبار لمعيار الكفاءة في إدارة الدولة، وجعله الأساس في اختيار القيادات، وربطه بنظم تقييم ومساءلة واضحة، تضمن بقاء القادرين على الإنجاز، واستبعاد من يثبت عجزه عن مواكبة متطلبات المرحلة، فالإدارة الكفوءة ليست ترفاً، بل هي الشرط الأول لتحويل الإمكانات إلى نتائج، والرؤية إلى واقع.

 

سادساً: البعد النفسي والاجتماعي للأزمة- حين يُشكِّل التاريخُ سلوكَ الدولة

لا يمكن قراءة الاختلالات التنظيمية والإدارية في العراق بمعزل عن السياق النفسي والاجتماعي الذي تشكّل عبر عقود طويلة من الاضطراب، فالدولة ليست كياناً منفصلاً عن مجتمعها، بل هي انعكاس مباشر لطبيعة الوعي الجمعي، وأنماط التفكير السائدة، والتجارب التاريخية التي مرّ بها الأفراد والجماعات، ومن هنا، فإن كثيراً من مظاهر الخلل في التخطيط وإدارة الأولويات لا تعود فقط إلى قصور إداري، بل إلى بنية نفسية اجتماعية تراكمت تحت ضغط الحروب، والعقوبات، وعدم الاستقرار السياسي والاقتصادي.

لقد أسهمت هذه الظروف في تكوين ذهنية تميل إلى التعامل مع الحاضر بوصفه مساحة غير مضمونة، وإلى المستقبل بوصفه احتمالاً غامضاً، وفي مثل هذا المناخ، تتراجع جاذبية التخطيط طويل الأمد، لأنه يفترض وجود قدر من الاستقرار والثقة بالاستمرار، وهي عناصر لم تكن متاحة بشكل كافٍ في التجربة العراقية الحديثة، وبدلاً من ذلك، برزت أنماط تفكير تفضّل الحلول السريعة، وتسعى إلى تحقيق مكاسب آنية، حتى وإن جاءت على حساب الاستدامة.

ويتجلى هذا الميل في سلوك الأفراد كما في سياسات المؤسسات، فعلى المستوى المجتمعي، يميل الكثيرون إلى البحث عن نتائج فورية، سواء في العمل أو في الاستهلاك أو في التفاعل مع الدولة، نتيجة خبرات سابقة عززت فكرة أن الفرص مؤقتة، وأن الانتظار قد يعني الخسارة، وعلى المستوى المؤسسي، تنعكس هذه الذهنية في تفضيل القرارات السريعة ذات الأثر الإعلامي الواضح، على حساب السياسات الهادئة التي تحتاج وقتاً لتُثمر، لكنها أكثر رسوخاً وتأثيراً.

كما أن ضعف الثقة بالمستقبل يلعب دوراً محورياً في هذا السياق، إذ يصعب بناء خطط استراتيجية طويلة الأمد في بيئة يغيب فيها اليقين، أو تتكرر فيها التغييرات السياسية والإدارية، وعندما تكون الثقة مهزوزة، يصبح من الطبيعي أن تتجه الجهود نحو إدارة اللحظة الراهنة، بدلاً من الاستثمار في المستقبل، حتى لو كان ذلك على حساب جودة النتائج.

ولا يقف أثر هذا البعد النفسي عند حدود السلوك الفردي أو الإداري، بل يمتد ليؤثر في طبيعة العلاقة بين المواطن والدولة، فحين يشعر المواطن بأن التخطيط غائب، وأن القرارات متقلبة، تتراجع ثقته بالمؤسسات، ويصبح أقل ميلاً للتفاعل الإيجابي معها، مما يخلق دائرة مغلقة من الشك والتردد تعيق أي مشروع إصلاحي جاد.

إن فهم هذا البعد لا يعني تبرير الإخفاق، بل يفتح الباب أمام معالجة أعمق للأزمة، تأخذ في الحسبان أن الإصلاح لا يقتصر على تغيير القوانين أو الهياكل، بل يتطلب أيضاً إعادة بناء الثقة، وتعزيز ثقافة التخطيط، وترسيخ الإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا أُدير بعقل منظم ورؤية واضحة.

 

خلاصة

دولة بلا أولويات… دولة بلا اتجاه

لا تكمن خطورة ما يواجهه العراق اليوم في تعدد أزماته بقدر ما تكمن في غياب الإطار الذي ينظم التعامل مع هذه الأزمات، فالمشكلة ليست في وجود تحديات معقدة، فهذا أمر تشترك فيه معظم الدول، وإنما في غياب الرؤية التي تحدد أيّ هذه التحديات يجب أن يُعالج أولاً، وكيف، وبأي أدوات، وحين تختلّ بوصلة الأولويات، تفقد الدولة قدرتها على توجيه مواردها بشكل فعّال، فتتبدد الإمكانات، وتتشتت الجهود، وتبقى الأزمات تدور في حلقة مفرغة، تتغير أشكالها دون أن تتغير جذورها.

لقد أظهرت المحاور السابقة أن الخلل لا يقتصر على جانب دون آخر، بل يمتد من غياب التخطيط طويل الأمد، إلى فوضى ترتيب الأولويات، مروراً بتضخم الجهاز الإداري، وتداخل الصلاحيات، وصولاً إلى ضعف معيار الكفاءة، وانعكاسات البعد النفسي والاجتماعي. وهذه الصورة المركّبة تشير بوضوح إلى أن العراق لا يعاني من نقص في الموارد أو الطاقات، بل من غياب المنظومة التي تحسن توظيف هذه الموارد ضمن رؤية متماسكة.

ومن هنا، فإن أي محاولة جادة للإصلاح ينبغي أن تنطلق من إعادة بناء هذه المنظومة على أسس واضحة، تبدأ بتحديد الاتجاه قبل البحث عن الوسائل، فالدولة التي لا تعرف ماذا تريد، لن تتمكن من الوصول إلى أي هدف، مهما امتلكت من إمكانات.

 

ما الذي يحتاجه العراق؟

إن الخروج من هذا الواقع لا يتطلب حلولاً معقدة بقدر ما يتطلب إرادة واضحة لإعادة ترتيب الأولويات وفق منطق الدولة، لا منطق اللحظة، ويمكن تلخيص أهم المرتكزات التي يحتاجها العراق في هذا السياق بما يأتي:

  • بناء رؤية وطنية طويلة الأمد تتجاوز حدود الحكومات والدورات الانتخابية، وتُصاغ على أساس حاجات المجتمع الحقيقية، بحيث تصبح مرجعاً ثابتاً لأي قرار أو مشروع.

  • إعادة ترتيب الأولويات بوضع الإنسان في المركز، من خلال التركيز على التعليم والصحة والخدمات الأساسية بوصفها القاعدة التي تُبنى عليها بقية القطاعات.

  • ترسيخ مبدأ التخطيط المؤسسي بدل التخطيط الشخصي، بحيث لا ترتبط المشاريع بالأفراد أو المناصب، بل تستند إلى خطط مدروسة تضمن الاستمرارية والتراكم.

  • ربط الإنفاق العام بالأثر الفعلي لا بحجمه، عبر توجيه الموارد نحو مشاريع ذات مردود تنموي واضح، ومتابعة نتائجها بشكل دقيق، بدلاً من الاكتفاء بالإعلان عن أرقام كبيرة بلا نتائج ملموسة.

 

 

خاتمة

الطريق يبدأ بفكرة واضحة

إن الدول لا تنهض بالصدفة، ولا تُبنى بردود الأفعال، بل تقوم على التخطيط الواعي، والعراق، بكل ما يملكه من ثروات طبيعية وبشرية، ليس بلداً عاجزاً عن النهوض، لكنه يقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي: إما أن يستمر في إدارة أزماته بالأسلوب ذاته، فيبقى أسير الدائرة المغلقة، أو أن يعيد تعريف أولوياته، ويؤسس لمرحلة جديدة تقوم على وضوح الرؤية واستدامة التخطيط.

إن التحول من دولة تعيش على ردود الأفعال إلى دولة تصنع الفعل لا يحتاج إلى معجزة، بل إلى بداية صحيحة، وهذه البداية لا تكون بمشروع هنا أو قرار هناك، بل بفكرة مركزية بسيطة وعميقة في آن واحد: أن يعرف العراق ماذا يريد، قبل أن يسأل كيف يصل.

 

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى