التطرف الفكري..  مفهومه وأسبابه ومظاهره

بقلم: م. د. هبه علي حسين

جامعة النهرين/ كلية العلوم السياسية

 

مقدمة

يعُد التطرف من أهم الظواهر العالمية وأكثر الأحداث التي تشغل العالم اليوم، اذا أنُه وجد مع وجود الإنسان ولم يقتصر وجودة على مجتمع معين دون الآخر، وانما يوجد في كل المجتمعات وبمختلف المستويات، فهو ليس صفة لصيقة بمجتمع أو شعب من الشعوب، وليس من الصواب الاعتقاد بأنً التطرف خاصية لمعتقد أو شعب دون سواه، اذ أنً آثاره امتدت لتشمل كل المجتمعات، وله جذور تاريخية قديمة قدم الإنسان كونه نتاج للظروف الدينية والنفسية والاقتصادية والسياسية التي عكست بآثارها على سلوكيات الافراد، والتطرف بذرة تنشأ في الذات البشرية واستعداد ذاتي للتطرف، تؤدي العوامل الخارجية والمتمثلة في التعليم والبيئة الاجتماعية والدين على تحفيزه وتحويله الى سلوك ظاهر أو تعمل على اخماد بذرة هذا التطرف.

 

اولاً: مفهوم التطرف الفكري

يشير المعنى اللغوي للتطرف الى المغالاة سواء في الجانب الفكري أو المذهبي أو الديني أو السياسي، يسهم في تهديد الأمن والاستقرار في المجتمعات، وخلق حالة من التوتر والصراع بين مكونات المجتمع، أذ اخذت الحركات المتطرفة باستغلال النزعة الدينية في السياسة من أجل إضافة الطابع الشرعي على الخطاب السياسي من خلال تكفير الآخرين والدعوة الى استخدام العنف ضدهم.

يتمثل التطرف الفكري على شكل انحراف فكري له نزعة فردية، وينعكس بشكل مباشرة على الذات أو على الآخر، كما ويعمل على التشكيك في المصالح والاهداف والعقائد وزعزعة الأمن الفكري والثقافي والنظم وكذلك أثارة العنف، وهذا النوع من التطرف يرتبط بالانغلاق والجمود الفكري، الذي يعُد الجوهر والاساس الذي تتمحور حوله الجماعات المتطرفة، كما أنً التطرف الفكري أسلوب يتمثل بانغلاق التفكير وعدم تقبل اية آراء أو معتقدات مخالفة لمعتقد وآراء الشخص أو الجماعة التي تحمله. ([1])

كما عرف علماء الدين التطرف الفكري على أنه: (الخروج عن كل ما هو مألوف في الدين والانعزال عن الجماعة وتكفير واباحة استخدام العنف لمواجهة كل من يخالفهم بالفكر والمنهج). ([2])

كذلك فهو أسلوب ينحرف فكرياً عن المبادئ الدينية والاتجاه نحو المبادئ المعاكسة شلها، مثل: أنً الاعتداء على الآخر مباح والقتل مباح والسرقة مباحة، بدعوى أنًه يخدم غرض وفكر التطرف، والتطرف والإرهــ ــاب يمكن عده انحراف سلوكي وتدميري يعمل على محو الآخر من دون وجود خطة بديلة وناجحة لما بعد التغيير. ([3])

في هذا الاطار نجد أنً التطرف يرتبط بأفكار ومعتقدات غالباً ما تكون بعيده عما هو متعارف عليه ومعتاد سواء كان ذلك دينياً أو سياسياً أو اجتماعياً أو ثقافياً، وتكون تلك المعتقدات أو الأفكار غير مرتبطة بسلوك إرهــ ـــابي وعنيف أو تهديد باستخدام العنف في مواجهتها للمجتمع أو الدولة، أما اذا ارتبطت تلك الأفكار بالعنف أو التهديد باستخدامه فأنها تتحول الى إرهــ ــاب، أن التطرف يكون في دائرة الفكر الذي ينعكس على سلوك الفرد بأشكال وصور مختلفة، أما بصورة القول أو الكتابة أو أي شكل من أشكال التعبير عن رأي، لكن أذا ما تحول هذا الفكر من مجرد فكر متطرف الى شكل أو نمط من الأنماط العنيفة من السلوك والاعتداء على حقوق الآخرين وممتلكاتهم وارواحهم فأنًه يتحول من مجرد فكر متطرف الى إرهـ ــاب([4]).

 

 

ثانياً: أسباب التطرف الفكري

إنًّ أسباب التطرف عديدة منها السياسية والثقافية والنفسية والدينية والاقتصادية والتي تدفع بأعداد كبيرة من الافراد، لاسيما فئة الشباب كونهم يتعرضون لظروف صعبة متمثلة بالبطالة واوقات الفراغ الكبيرة، فضلاً عن الخطاب الديني المتطرف، واكتسابهم لثقافات ترفض التسامح والتعايش مما يساعد على انتشار وتنمية العنف والتطرف والإرهــ ـــاب في المجتمعات.

 

لذلك فإن الأسباب الدافعة نحو التطرف تتمثل بـ:

  1. الأسباب السياسية: تتمثل الأسباب السياسية للتطرف بالعوامل التي تجعل الافراد يعانون من الغربة في مجتمعاتهم، وذلك ناتج عن غياب الديمقراطية والحرية في التعبير عن الرأي وكذلك غياب المساواة والعدالة الاجتماعية وحرية المعتقد، هذه العوامل جميعها تؤدي الى توجه الافراد نحو التطرف والعنف، فالمجتمعات التي لا تتيح للأفراد الفرصة في المشاركة في معترك الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وحتى الثقافية، وكذلك عدم السماح لهم في التعبير عن رأيهم والاسهام في صنع القرارات، هذه مجتمعات تكون حاضنة للتطرف وملاذٍ للعنف والفوضى. ([5])

  2. الأسباب الاقتصادية: تعُد الأسباب الاقتصادية من أخطر الأسباب المحركة للتطرف في العالم، فمع ازدياد الفجوة الاقتصادية بين الدول الغنية والفقيرة اقتصادياً، هذه الازمات الاقتصادية التي تشهدها بعض الدول والمجتمعات تجعلها ملاذاً للجماعات المتطرفة والارهــ ـــابية لاستخدامها كأماكن لتجنيد واستقطاب الافراد لاسيما الشباب وضمهم إليها نتيجة ما يعانونه من البطالة والفقر، وبالتالي الشعور بالإحباط والمرارة من الواقع، فضلاً عن انعدام تكافؤ الفرص امام الافراد، كل ذلك يعمل على خلق سبب ملائم لنشوء التطرف وانتشاره في مثل هذه المجتمعات.([6])

 

وتجدر الإشارة الا إنًّ للعامل الاقتصادي الدور الفاعل في دوافع التطرف والعنف في المجتمعات، فضلاً عن الفساد والأزمات الاقتصادية المستمرة فهذه الممارسات الفاسدة تدفع بالأفراد المحرومين والمهمشين اقتصادياً باللجوء الى السلوك العنيف ضد الدولة ومؤسساتها مما يؤدي الى تدهور البنية الاقتصادية للدولة. ([7])

 

  1. الأسباب الاجتماعية: إنًّ أسباب التطرف الاجتماعية تختلف من مجتمع الى آخر وذلك على حسب الظروف والاحداث التي يتعرض لها ذلك المجتمع مما يؤدي الى جر افراد المجتمع وراء الجماعات الإرهــ ــابية والمتطرفة، ومن بين الأسباب الاجتماعية للتطرف هو شعور الافراد بالظلم والقهر داخل مجتمعاتهم والمعاملة بقسوة ذلك على مستوى العائلة أو البيئة الاجتماعية التي ينتمي اليها، هذه الأسباب تدفع بالفرد الى النقمة على مجتمعه وبيئته وبالتالي التفكير بالتطرف والانحراف وقيادة ثورة على مجتمعه متحدياً جميع الاعتبارات والقيم. ([8])

والدوافع الاجتماعية للتطرف عديدة وتختلف من مجتمع الى آخر وكذلك تختلف على مستوى المجتمع الواحد من فرد الى آخر، منها شعور الفرد بالظلم وانتهاك حقوقه سواء على مستوى العائلة أو البيئة المحيطة به، مما يولد الشعور بالنقمة تجاه المجتمع ومحاولة اللجوء الى قيادة ثورة غير معتدلة على قيم المجتمع ومعاييره، كذلك فإنًّ الفراغ يعُد أرضيه جيدة وخصبة لنشوء الفكر المتطرف والمتعصب ويؤسس الى جذوره، نتيجة الإحباط الذي يعيشون فيه، أذ يقول (أريك هوفر): إنًّ المحبطين أكثر الناس قدرة على إنًّ يكونوا أتباعاً مخلصين. ([9])

 

إريك هوفر(Eric Hoffer)
فيلسوف أميركي

 

  1. الأسباب التربوية والنفسية: من الأسباب النفسية المهمة التي تؤدي الى التطرف هي الإحباط الناتج عن انتهاك حقوق الافراد والظلم الذي يتعرضون له، مما يؤدي الى خروجهم على النظام والعادات والتقاليد، ويكون ردود الأفعال الغاضبة التي تأخذ صورة الأفكار الهدامة والإرهــ ــاب.

وبطبيعة الحال يكتسب الافراد الصفات النفسية من المحيط والبيئة التي ينتمون اليها سواء كانت الاسرة أو المجتمع فكل خلل في هذا المحيط سوف ينعكس على تصرفات الافراد وسلوكهم ومن ثم تصبح جزء من تركيبتهم النفسية وتكوينهم، والفشل في الحياة الاسرية هو من الأسباب النفسية التي تؤدي حتماً الى اكتساب الافراد صفات سيئة وبالتالي التطرف، ايضاً يعُد التعليم صمام الأمان الذي يعمل على الضبط الاجتماعي ومحاربة الجنوح الأخلاقي والفكري للأفراد ومن ثم فشلهم في الحياة، وبالتالي شعورهم بالنقص وعدم تقبل المجتمع الذي ينتمون اليه وهذا احساس لدى الافراد قد يكون دافع الى التطرف لإنه وسيله سهلة لأثبات الذات حتى لو توصل الامر الى ارتكاب الجرائم والإرهــ ـــاب. ([10])

وتجدر الإشارة الى إنًّ هناك عدة نظريات فسرت أسباب اللجوء الى التطرف والعنف منها النظرية النفسية والتي ركزت على الدوافع الذاتية والفردية التي تنشأ لدى الفرد عند شعوره بالاضطهاد والظلم وعدم قدرته على تحقيق مكانة مميزه داخل المجتمع، وهذا يولد عنده الحساس بعدم الانتماء وفقدانه للهوية وعدم الفاعلية واليأس، مما يدفعه نحو الاستعداد الى تبني التطرف والعنف من اجل الحصول على ما يريده والانتقام من المجتمع. ([11])

 

  1. الأسباب الفكرية: وهي من أكثر أسباب التطرف خطراً وأعظمها أثراً على المجتمعات، ذلك كون أصحاب هذه الأفكار المتطرفة يبالغون ويسرفون في تضليل وتكفير الناس، فضلاً عن أباحتهم لأرواح واموال وممتلكات الاخرين، فالعقلية المتدينة التي تتميز بالتشدد وعدم الوسطية في فهم الأمور، قد تلجأ الى استخدام كل الوسائل المتاحة لها ومنها العنف لتغيير المجتمعات وفقاً لما تؤمن به من أفكار ومعتقدات. ([12])

 

 

الخاتمة

ان للأفكار الدينية المتشددة دوراً اساسياً في نشأة التطرف، فضلاً عن أنً لسوء الأوضاع المعيشية والفقر وكثرة البطالة والحرمان من الحقوق والتهميش كلها أسباب دافعة نحو التجنيد للتطرف بكل اشكاله من خلال استغلال الافراد الذين يتطلعون للتخلص من واقعهم المرير بكل الوسائل والأساليب.

فالنص الديني يتصف بالثراء الدولي والمرونة والاستجابة للتفسيرات والقراءات مما جعل الجماعات المتطرفة توظفه بما يثبت شرعيتها أو لنفي ورفض الآخر المعارض والمخالف لأفكارها حتى نجد إنًّ الأدلة التي يستندون اليها متشابه، وهذه القرارات والتفسيرات هي مزيجاً من التراث والحاضر وعندما طغى التراث على الحاضر أصبحت هذه القرارات نسخ متشابه لقرارات وضعت ضمن ظروف تختلف في الزمان والمكان لذلك كان من الصعب عليها إنًّ تستوفي شروطها الموضوعية مما أحدث خلل في انتاج المعرفة والتفكير.

 

الهوامش
  1. سعيد عدنان تيتان، التطرف وعلاقته بمفهوم الذات لدى طلبة مؤسسات التعليم العالي في محافظة قلقيلية، رسالة ماجستير مقدمة الى جامعة القدس المفتوحة، كلية الدراسات العليا، فلسطين، 2017، ص30.
  2. مولاي ناجم، أثر التطرف الفكري على الفرد والمجتمع، مجلة العلوم الإسلامية والحضارة، العدد 5، الجزائر، آذار-2017، ص209.
  3. رمضان عبد الحميد محمد الطنطاوي، أسباب ظاهرة التطرف لدى طلاب الجامعة وأساليب الحد منها من وجهة نظرهم (دراسة ميدانية)، مجلة كلية التربية، العدد 71، جامعة دمياط، مصر، تموز-2016، ص 6.
  4. رمضان عبد الحميد محمد الطنطاوي، أسباب ظاهرة التطرف لدى طلاب الجامعة وأساليب الحد منها من وجهة نظرهم (دراسة ميدانية)، مصدر سبق ذكره، ص ص5،6.
  5. أشرف محمد فاضل، التنظيمات الإسلامية المتطرفة وخطرها على بنية المجتمعات العربية (العراق انموذجاً)، رسالة ماجستير مقدمة الى قسم الدراسات السياسية، كلية العلوم السياسية، جامعة دمشق، سوريا، 2018، ص5.
  6. زينب محمد إبراهيم كرار، التطرف: أنواعه وآثاره في المجتمع الإسلامي وطرق علاجه، مجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الاكاديمية، العدد 97، كلية دار العلوم، جامعة القاهرة، صيف -2019، ص 452.
  7. إستبرق فاضل، العنف وأثره في التنشئة السياسية والاجتماعية في العراق بعد عام 2003 الواقع والمعوقات، مجلة حمورابي للدراسات، العدد 23-24، مركز حمورابي للبحوث والدراسات الاستراتيجية، العراق، صيف-خريف 2017، ص 13.
  8. المجلس الاقتصادي والاجتماعي، مكافحة التطرف، الشميساني، عمان-الأردن، 2018، ص 6.
  9. المصدر نفسه، ص ص6،7.
  10. صالح بن غانم السدلان، أسباب الإرهــ ــاب والعنف والتطرف، ط1، جامعة الامام محمد بن سعود الإسلامية، الرياض، 2004، ص18.
  11. مجموعة باحثين، الحركات الإسلامية وأثرها في الاستقرار السياسي في العالم العربي، ط2، مركز الامارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية، أبو ظبي-الامارات، 2002، ص ص 94-95.
  12. فايز ابو عمرة وعبد السميع العرابيد، أسباب الغلو الفكري وسبل علاجة في ضوء القرآن الكريم، مجلة الجامعة الإسلامية للدراسات الإسلامية، العدد1، الجامعة الإسلامية في غزة، كانون الثاني -2017، ص127.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى