تكليف علي الزيدي مرشحاً لرئاسة الحكومة العراقية

قراءة في المواقف واتجاهات الرأي العام

بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم

باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية

 

 

فرزت الانتخابات البرلمانية التي جرت في 11 تشرين الثاني واقعاً سياسياً جديداً في العراق، غير أنّ هذا الواقع لم يُترجم إلى استقرار مؤسسي بقدر ما فتح الباب أمام دورة جديدة من التعقيد السياسي والتأويل الدستوري، فبعد مصادقة المحكمة الاتحادية العليا على النتائج النهائية، دخلت البلاد في المسار الدستوري لتشكيل السلطات، بدءاً بالدعوة إلى انعقاد مجلس النواب خلال المدة المحددة دستورياً، ثم عقد الجلسة الأولى برئاسة أكبر الأعضاء سناً، والتي شهدت بدورها توترات وخلافات عكست حجم الانقسام داخل المشهد السياسي.

ورغم نجاح المجلس في انتخاب رئاسته، إلا أنّ الاستحقاق الأهم، والمتمثل بانتخاب رئيس الجمهورية، تحوّل إلى عقدة سياسية معقّدة، تجاوزت الإطار الزمني الذي حدده الدستور العراقي بثلاثين يوماً من تاريخ انعقاد الجلسة الأولى، فقد اصطدمت عملية الانتخاب بخلافات حادة، لا سيما داخل البيت الكردي، إلى جانب تباينات بين القوى السياسية الكبرى، الأمر الذي أدى إلى تعطيل جلسات الانتخاب أكثر من مرة بسبب عدم تحقق النصاب القانوني المطلوب.

ومع استمرار هذا التعطيل، دخلت العملية السياسية في حالة من “التمديد غير المعلن” للمدد الدستورية، حيث لم يعد النص الدستوري حاكماً بقدر ما أصبحت التوافقات السياسية هي العامل الحاسم، وقد انعكس ذلك بشكل مباشر على الاستحقاق التالي، وهو تكليف مرشح الكتلة النيابية الأكبر بتشكيل الحكومة، إذ إن تأخر انتخاب رئيس الجمهورية أدى إلى تأجيل هذا التكليف، رغم اقتراب البلاد من حافة فراغ دستوري وسياسي.

وفي ظل هذا الانسداد، تصاعدت الضغوط الداخلية والخارجية باتجاه إيجاد مخرج سريع، لتجنب تعمّق الأزمة، خاصة مع تزايد المخاوف من انهيار الثقة بالعملية السياسية، وهنا بدأت ملامح “مرشح التسوية” تتبلور، بوصفه خياراً وسطاً يمكن أن يحظى بقبول نسبي من مختلف الأطراف، حتى وإن لم يكن خيارها الأول.

وفي هذا السياق المضطرب، جاء تكليف علي الزيدي في لحظة سياسية حرجة، تزامنت مع اقتراب استنفاد المدد الدستورية الخاصة بتسمية رئيس الوزراء، وبعد سلسلة من الإخفاقات في التوافق على شخصيات تقليدية. وعليه، لم يكن هذا التكليف نتاج مسار طبيعي مستقر، بل جاء كاستجابة اضطرارية لأزمة مركبة، تداخل فيها الدستوري بالسياسي، والمحلي بالإقليمي.

ومن هنا، تكتسب دراسة مواقف الكتل السياسية والأحزاب، إلى جانب اتجاهات الرأي العام، أهمية خاصة، لفهم طبيعة هذا التكليف، وما إذا كان يمثل بداية تحول في إدارة السلطة، أم استمراراً لنمط إعادة إنتاج التوازنات ذاتها تحت ضغط الأزمات.

 

 

أولاً: موقف الكتل السياسية من التكليف

  1. القوى الشيعية (الإطار التنسيقي)

يمثل الإطار التنسيقي القوة السياسية الأكثر تأثيراً في عملية اختيار رئيس الوزراء، وقد جاء دعمها لتكليف الزيدي في إطار تسوية سياسية هدفت إلى تجاوز الخلافات الداخلية.

غير أن هذا الدعم لا يمكن وصفه بالحماس الكامل، بل يندرج ضمن ما يمكن تسميته بـ”القبول البراغماتي”، إذ ترى بعض أطراف الإطار أن الزيدي شخصية توافقية لا تشكل تهديداً لتوازنات القوى داخل المنظومة، فيما ينظر إليه آخرون كحل مؤقت لإنهاء حالة الجمود السياسي.

 

  1. القوى السنية والكردية

اتسم موقف القوى السنية والكردية بالحذر والترقب، حيث لم تُبدِ رفضاً صريحاً للتكليف، لكنها في الوقت ذاته لم تمنحه دعماً مطلقاً.

ويعكس هذا الموقف طبيعة السلوك السياسي لهذه القوى، التي تميل إلى ربط تأييدها لشخص رئيس الوزراء بمدى حصولها على ضمانات تتعلق بالمشاركة في السلطة وتوزيع المناصب والموارد.

 

  1. قوى المعارضة الشيعية

أما القوى الشيعية المعارضة، وفي مقدمتها التيار الصدري، فقد اتخذت موقفاً يميل إلى التحفظ، حيث لم تشارك في التوافق الذي أفضى إلى ترشيح الزيدي.

ويُفهم هذا الموقف في سياق التنافس داخل البيت الشيعي، إضافة إلى الرغبة في مراقبة أداء الحكومة المقبلة قبل اتخاذ موقف نهائي منها.

 

  1. القوى المدنية والمستقلة

شهدت مواقف القوى المدنية والمستقلين انقساماً واضحاً، إذ يرى بعضهم في الزيدي شخصية تكنوقراطية قد تمثل فرصة للإصلاح، بينما يشكك آخرون في قدرته على إحداث تغيير حقيقي، نظراً لكونه جاء عبر نفس الآليات السياسية التقليدية.

 

 

ثانياً: اتجاهات الرأي العام العراقي

 

  1. محدودية المعرفة بالشخصية

يتسم الرأي العام العراقي بضعف المعرفة بشخصية الزيدي، الأمر الذي انعكس على طبيعة التفاعل الشعبي، حيث غابت ردود الفعل الحادة سواء المؤيدة أو المعارضة.

 

  1. الاتجاهات الرئيسة في الشارع

أ. الاتجاه المتفائل بحذر

يرى هذا الاتجاه أن الزيدي قد يمثل فرصة للتغيير، خاصة إذا ما تمكن من الابتعاد عن النمط التقليدي في إدارة الدولة، مستفيداً من كونه غير متورط بشكل مباشر في الصراعات السياسية السابقة.

ب. الاتجاه المشكك

ينظر هذا الاتجاه إلى التكليف بوصفه امتداداً لمنظومة الحكم القائمة، ويرى أن تغيير الأسماء لا يعني بالضرورة تغيير السياسات، خصوصاً في ظل استمرار نفس القوى في التحكم بالقرار السياسي.

ج. الاتجاه اللامبالي

يمثل هذا الاتجاه شريحة من المجتمع فقدت الثقة بالعملية السياسية برمتها، وترى أن أي تغيير حكومي لن ينعكس بشكل ملموس على الواقع الخدمي والاقتصادي.

 

ثالثاً: البعد الدولي وتأثيره في تشكيل المواقف

 

 

لا يمكن فهم تكليف علي الزيدي بمعزل عن التوازنات الدولية، ولا سيما طبيعة العلاقة المركّبة بين الولايات المتحدة وإيران، والتي ظلّ العراق أحد أهم ساحات تفاعلها غير المباشر. غير أنّ ما ميّز هذه المرحلة تحديداً هو ظهور مؤشرات علنية على تقاطع- ولو مرحلي- في المواقف تجاه شخصية رئيس الحكومة.

ففي تطور لافت، أجرى دونالد ترامب اتصالات ورسائل دعم حملت طابع التهنئة والترحيب بتكليف الزيدي، وهو ما عُدّ إشارة سياسية إلى قبول أمريكي مبكر، بل وربما تشجيع ضمني لهذا الخيار، بوصفه شخصية يمكن التعامل معها ضمن معادلة الاستقرار الإقليمي وإدارة المصالح الأمريكية في العراق. ولم يكن هذا الموقف مجرد مجاملة دبلوماسية، بل عكس رغبة في تجنّب سيناريوهات التصعيد أو الفراغ السياسي التي قد تهدد التوازنات الأمنية والاقتصادية في المنطقة.

في المقابل، جاء موقف عباس عراقجي وهو- أحد أبرز صانعي القرار في السياسة الخارجية الإيرانية- ليضيف بُعداً أكثر تعقيداً، حيث صدرت إشارات ترحيب ومباركة بتكليف الزيدي، وهو ما يعكس بدوره قبولاً إيرانياً- أو على الأقل عدم اعتراض- على هذه الشخصية، ويكتسب هذا الموقف أهميته من كونه يصدر عن طرف يُنظر إليه تقليدياً بوصفه منافساً للنفوذ الأمريكي في العراق.

إن تزامن هذين الموقفين- الأمريكي والإيراني- لا يمكن قراءته بوصفه صدفة سياسية، بل يشير إلى ما يمكن تسميته بـ”تقاطع الضرورة” بين الطرفين، حيث يلتقيان مرحلياً عند هدف مشترك يتمثل في منع انهيار العملية السياسية العراقية، والحفاظ على حد أدنى من الاستقرار يسمح بإدارة مصالحهما دون الانزلاق إلى صراع مفتوح.

 

وقد انعكس هذا التقاطع على الداخل العراقي بشكل واضح، إذ انقسمت المواقف إلى اتجاهين رئيسين:

  • اتجاه يرى في هذا التوافق الدولي فرصة للاستقرار: إذ إن قبول القوى الدولية المؤثرة بشخص رئيس الوزراء قد يخفف من الضغوط الخارجية، ويفتح المجال أمام الحكومة للعمل بهامش أوسع من الحركة.

  • اتجاه آخر ينظر إليه بعين الشك والريبة: معتبراً أن هذا التوافق دليل إضافي على استمرار خضوع القرار السياسي العراقي لإرادات خارجية، وأن اختيار رئيس الحكومة لا يزال يتم ضمن حسابات دولية أكثر منه استجابة لإرادة داخلية خالصة.

وبين هذين الاتجاهين، يتبلور فهم أعمق لطبيعة النظام السياسي العراقي، الذي لا يعمل في فراغ، بل يتأثر بشكل مباشر بتوازنات القوى الإقليمية والدولية، وعليه، فإن تكليف الزيدي يمكن تفسيره بوصفه نتاج تفاعل مزدوج: داخلي يسعى لكسر الانسداد السياسي، وخارجي يعمل على ضبط إيقاع هذا الكسر بما لا يخلّ بمصالح الأطراف المؤثرة.

ومن هنا، فإن البعد الدولي لا يمثل عاملاً ثانوياً في هذه العملية، بل هو عنصر بنيوي في تشكيلها، سواء عبر الدعم المباشر، أو من خلال القبول الضمني الذي يمنح الشرعية السياسية لهذا الخيار أو ذاك.

 

 

رابعاً: تحليل بنيوي لطبيعة التكليف

يمكن تفسير تكليف علي الزيدي ضمن إطار أوسع يتجاوز شخصه، ليعكس مجموعة من العوامل البنيوية المتداخلة، التي تشكّلت عند تقاطع الداخل مع الخارج، وأبرزها:

  • فشل القوى السياسية في التوافق على قيادات تقليدية قادرة على حسم الصراع.

  • الحاجة إلى شخصية وسطية مقبولة من مختلف الأطراف، وغير مثقلة بإرث الخلافات.

  • الضغوط الدولية التي دفعت نحو تسوية سريعة لتفادي الانسداد الطويل.

  • تلاقي المصالح بين الولايات المتحدة وإيران عند مستوى إدارة الأزمة، بما عزّز خيار المرشح التوافقي.

  • محاولات التأثير غير المباشر لكلٍّ من واشنطن وطهران في توجيه مسار الاختيار، سواء عبر الدعم العلني أو القبول الضمني.

  • محاولة احتواء حالة الجمود السياسي ومنع تحوّلها إلى أزمة بنيوية أعمق.

 

وبذلك، يمكن النظر إلى الزيدي بوصفه “مرشح مرحلة” أكثر من كونه مشروع قيادة طويلة الأمد.

 

الاستنتاجات

  1. إن تكليف علي الزيدي يعكس طبيعة النظام السياسي العراقي القائم على التوافقات أكثر من البرامج.

  2. لا يوجد إجماع سياسي حقيقي على شخص الزيدي، بل توافق هش تحكمه الضرورات.

  3. يتسم الرأي العام بحالة من الترقب والشك، مع غياب الحماس الشعبي الواضح.

  4. يلعب العامل الدولي دوراً مؤثراً في تشكيل مواقف القوى السياسية، بشكل مباشر أو غير مباشر.

  5. إن فرص نجاح الحكومة المقبلة تعتمد بدرجة كبيرة على مدى استقلالية القرار التنفيذي عن الضغوط الحزبية والخارجية.

 

الخاتمة

في ضوء ما تقدم، يمكن القول إن تكليف علي الزيدي لا يمثل تحولاً جذرياً في مسار العملية السياسية بقدر ما يعكس محاولة لإدارة الأزمة ضمن الأطر التقليدية ذاتها.

وبين قبول سياسي اضطراري، وترقب شعبي مشوب بالحذر، يبقى مستقبل هذه التجربة مرهوناً بقدرة الحكومة المقبلة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج، وعلى ترجمة الوعود إلى إنجازات ملموسة تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى