صورة المرجعية الدينية الشيعية في الإعلام الغربي المعاصر

بقلم: د. سعد مزهر كرم الله

 

 

في عصر لم يعد فيه الإعلام مجرد ناقلٍ للوقائع، بل صانعًا للمعاني ومُشكِّلًا للوعي الجمعي، أصبحت الصور الذهنية للأفراد والمؤسسات تُبنى بقدر ما تُنقل، وفي هذا السياق، برزت المرجعية الدينية الشيعية بوصفها إحدى الظواهر التي خضعت لإعادة تشكيل رمزي داخل الخطاب الإعلامي الغربي، حيث يُعاد تقديمها ضمن أطر تفسيرية تتداخل فيها الأبعاد الدينية والاجتماعية والسياسية.

فالمرجعية الشيعية، كما تتمثل في مدينتي النجف الأشرف في العراق وقم في إيران، ليست مجرد مؤسسة فقهية تقليدية، بل هي منظومة معرفية- اجتماعية متكاملة، تؤدي دورًا فاعلًا في توجيه السلوك الفردي والجماعي، وتمتد تأثيراتها إلى المجال العام. غير أن هذه الطبيعة المركّبة لا تنعكس بصورة كاملة في الإعلام الغربي، بل تُختزل غالبًا ضمن تمثلات انتقائية تخضع لاعتبارات سياسية وثقافية.

ومن هنا، يهدف هذا المقال إلى تحليل الكيفية التي يُعاد بها بناء صورة المرجعية الشيعية في الإعلام الغربي المعاصر، عبر تفكيك الخطاب الإعلامي والكشف عن أنماط التأطير والسرديات التي تحكمه.

 

الإطار المفاهيمي: الإعلام بوصفه صانعًا للواقع

ينطلق التحليل من فكرة مركزية مفادها أن الإعلام لا يعكس الواقع كما هو، بل يعيد بناءه وفق آليات انتقائية. وفي هذا الإطار، يعرّف روبرت إنتمن مفهوم “التأطير” بقوله: “ينطوي التأطير على اختيار بعض جوانب الواقع المُدرَك وإبرازها وجعلها أكثر حضورًا داخل النص الإعلامي”، وهذا يعني أن صورة المرجعية لا تُعرض بوصفها كيانًا متكاملًا، بل تُقدَّم من خلال عناصر محددة يتم انتقاؤها بعناية لتخدم سياقًا معينًا، وكما يشير إدوارد سعيد في كتابه “الاستشراق”  إلى أن: “الشرق ليس حقيقة طبيعية جامدة، بل هو بناءٌ صنعه الإنسان.”

وهو ما يؤكد أن صورة المؤسسات الدينية في الشرق، ومنها المرجعية الشيعية، تُبنى داخل المخيال الغربي وفق تصورات ثقافية مسبقة، لا بوصفها معطى موضوعيًا خالصًا.

 

ادوارد سعيد
ادوارد سعيد

 

أولاً: المرجعية في إيران- تمثيل السلطة والتسييس

تُقدَّم المرجعية الدينية في إيران داخل الإعلام الغربي ضمن إطار يغلب عليه الطابع السياسي- الأمني، حيث يتم التركيز على تداخل الدين مع مؤسسات الدولة، ففي تغطيات وكالة “رويترز” يُشار إلى أن: المرشد الأعلى في إيران يمتلك كلمة الفصل في جميع القضايا الكبرى للدولة، كما تصف صحيفة “نيويورك تايمز” النظام الإيراني بأنه: “يجمع بين مؤسسات جمهورية وإشراف ديني.”

وتعكس هذه الطروحات تصورًا يُعيد تعريف المرجعية بوصفها مركزًا للقرار السياسي، لا مجرد سلطة دينية. وبهذا، يتم إبراز البعد السلطوي على حساب البعد الاجتهادي والمعرفي، ويتقاطع هذا الطرح مع ما يذهب إليه فالي نصر في كتابه “إحياء الشيعة”، حيث يرى أن: التشيع ليس مجرد هوية طائفية، بل قوة سياسية فاعلة في تشكيل “الشرق الأوسط.”

إلا أن هذا الربط، رغم وجاهته الجزئية، يتحول في الخطاب الإعلامي إلى اختزال مفرط يُساوي بين الدين والسلطة، متجاهلًا تعقيدات البنية الفكرية للمرجعية.

 

ثانياً: مرجعية النجف- صورة الاعتدال والتوازن

في المقابل، تظهر مرجعية النجف في الإعلام الغربي بصورة أكثر توازنًا، حيث تُقدَّم بوصفها سلطة معنوية ذات تأثير غير مباشر، فقد وصفت هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) السيد علي السيستاني بأنه: “أكثر رجال الدين الشيعة تأثيرًا في العراق”، كما أشارت صحيفة “الغارديان” إلى أنه: يمارس نفوذًا واسعًا رغم عدم توليه أي منصب سياسي رسمي.

تعكس هذه التوصيفات صورة المرجعية بوصفها قوة أخلاقية تضبط المشهد العام دون أن تنخرط مباشرة في السلطة، وغالبًا ما تُبنى هذه الصورة ضمن إطار “الاعتدال”، حيث يُنظر إلى المرجعية كعامل استقرار في البيئة العراقية.

غير أن هذا التوصيف، رغم طابعه الإيجابي، لا يخلو من توظيف سياسي، إذ ينسجم مع حاجة الخطاب الغربي إلى إبراز نموذج ديني “معتدل” يمكن التعاطي معه ضمن معادلات التوازن الإقليمي.

 

طلاب الحوزات الدينية

 

ثالثاً: المقارنة التحليلية

تكشف المقارنة بين الصورتين عن نمط مزدوج في الخطاب الإعلامي الغربي:

  • تُقدَّم مرجعية إيران بوصفها سلطة سياسية مباشرة ذات طابع هيمني.

  • بينما تُعرض مرجعية النجف كسلطة معنوية ذات تأثير غير مباشر.

  • يُصاغ الخطاب حول إيران بلغة التهديد، مقابل لغة الاستقرار في حالة النجف.

  • يغلب التقييم السلبي على الأولى، في حين يكون أكثر إيجابية تجاه الثانية.

وهذا التباين لا يعكس فقط اختلاف الواقع، بل يعكس أيضًا طبيعة الرؤية الغربية ذاتها.

 

رابعاً: تفسير التباين في التمثيل الإعلامي

يمكن فهم هذا الاختلاف من خلال مجموعة من العوامل المتداخلة:

  1. طبيعة البنية السياسية: تمثل إيران نموذج “الدولة الدينية”، بينما تمثل النجف نموذج “المرجعية المستقلة” عن السلطة السياسية.

  2. الموقع في النظام الدولي: تُصنَّف إيران غالبًا ضمن دائرة الخصوم بالنسبة للغرب، في حين يُنظر إلى العراق بوصفه ساحة توازن إقليمي، مما يؤثر في طبيعة الخطاب الإعلامي تجاه كل منهما.

  3. نمط سلوك المرجعية: تعتمد مرجعية النجف على ما يمكن تسميته “الاحتواء الهادئ”، من خلال:

  • الصمت الاستراتيجي.

  • التدخل المحدود في اللحظات الحرجة.

  • تجنب الظهور السياسي المباشر.

 

 

خامساً: نقد اختزال الدين في التمثيل الإعلامي

يكشف التحليل أن الإعلام الغربي لا يكتفي بوصف المرجعية، بل يعيد إنتاجها ضمن منظومته المعرفية الخاصة، التي تميل إلى تفسير الدين من خلال تمظهراته السياسية، وفي هذا السياق، يحذر أوليفييه روا في كتابه “الإسلام السياسي” من هذا الاختزال بقوله: الإخفاق ليس في الإسلام ذاته، بل في الأشكال السياسية التي تدّعي تمثيله، وهذا الطرح يسلط الضوء على خطورة الخلط بين الدين بوصفه منظومة قيمية، وبين تجلياته السياسية التي قد لا تعكس جوهره.

 

سادساً: المرجعية بوصفها منظومة أخلاقية- اجتماعية

لفهم الصورة الحقيقية للمرجعية، لا بد من النظر إليها من داخل بنيتها الذاتية، لا من خلال تمثلاتها الخارجية، فالمرجعية الشيعية، خصوصًا في النجف، تقوم على أسس مغايرة للنماذج السياسية، فهي ليست سلطة تنفيذية، بل سلطة إرشادية تستمد مشروعيتها من القبول الاجتماعي والثقة العلمية.

 

وتتجلى وظائفها في عدة مجالات، أبرزها:

  • توجيه السلوك الأخلاقي للفرد والمجتمع.

  • الحفاظ على السلم الأهلي.

  • التدخل في الأزمات الكبرى ضمن حدود الضرورة.

 

وتُعد تجربة السيد علي السيستاني أنموذجًا واضحًا لهذا الدور، حيث مارست المرجعية تأثيرًا حاسمًا في مفاصل تاريخية مهمة في العراق، دون أن تتحول إلى سلطة سياسية مباشرة.

وعليه، فإن اختزال المرجعية في بعدها السياسي يُفضي إلى تشويه جوهرها، بوصفها مؤسسة قائمة على الإرشاد لا الحكم، وعلى التأثير غير المباشر لا السيطرة.

 

الاستنتاجات

يمكن استخلاص مجموعة من النتائج الأساسية:

  1. يميل الإعلام الغربي إلى تسييس صورة المرجعية الشيعية وإخضاعها لاعتبارات جيوسياسية.

  2. توجد ازدواجية واضحة في تمثيل المرجعية بين إيران والنجف، تعكس اختلاف المصالح لا فقط اختلاف الواقع.

  3. يتم تضخيم البعد السياسي على حساب البعد المعرفي والأخلاقي للمرجعية.

  4. الصورة الإعلامية للمرجعية ليست انعكاسًا موضوعيًا، بل بناءً خطابيًا تحكمه سياقات القوة.

  5. المرجعية في حقيقتها منظومة اجتماعية- أخلاقية تتجاوز الأطر التي يحصرها فيها الإعلام.

 

الخاتمة

إن صورة المرجعية الدينية الشيعية في الإعلام الغربي لا تُقدَّم بوصفها حقيقة مكتملة، بل بوصفها بناءً رمزيًا يتشكل داخل سياقات معرفية وسياسية محددة، فالإعلام، وهو يعيد إنتاج هذه الصورة، لا يعكس الواقع بقدر ما يعيد تفسيره وفق أولوياته وأطره الثقافية.

ومن هنا، فإن فهم المرجعية يتطلب تجاوز القراءة الإعلامية السطحية، والاقتراب من بنيتها الداخلية بوصفها منظومة معرفية وأخلاقية متجذّرة في المجتمع، فحين يُعاد إنتاج المعنى داخل سياق القوة، فإنه يعكس موازينها أكثر مما يعكس جوهره.

وبذلك، تبقى المرجعية، في حقيقتها، أبعد من أن تُختزل في صورة إعلامية، فهي ليست مجرد موضوع للتمثيل، بل فاعل حضاري يمتلك منطقه الخاص الذي لا يُفهم إلا من داخله.

 

Loader Loading...
EAD Logo Taking too long?

Reload Reload document
| Open Open in new tab

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى