بقلم: د. مصطفى سوادي جاسم
باحث في مركز الفيض العلمي لاستطلاع الرأي والدراسات المجتمعية
لعل أعظم سؤال رافق الإنسان منذ بداية الخليقة لم يكن سؤال الحياة أو الموت، بل سؤال الله، فمن هو؟ وكيف يمكن معرفته؟ ولماذا اختلف الناس في تصوره إلى هذا الحد؟ لقد كانت رحلة الإنسان نحو الله طويلة، لكنها لم تكن دائمًا رحلة نحو الحقيقة، بل كانت في أحيان كثيرة رحلة نحو ذاته؛ إذ كثيرًا ما صنع الإنسان صورةً للإله تشبهه هو أكثر مما تعبّر عن الحقيقة الإلهية.
ومن هنا يمكن القول إن تاريخ الحضارات ليس تاريخ البحث عن الله فحسب، بل هو أيضًا تاريخ صناعة الآلهة؛ فكل حضارة، بل وكل إنسان، كان يحمل صورةً ذهنية للإله تتأثر بخوفه ورجائه وثقافته ومصالحه، ولهذا لم تكن الأصنام دائمًا من حجر، بل قد تكون فكرةً، أو سلطةً، أو رغبةً، أو حتى تصورًا خاطئًا عن الله.
المحور الأول: كيف وُلدت فكرة الإله؟
يُعدّ السؤال عن أصل فكرة الإله من أكثر الأسئلة حضورًا في الفلسفة، وعلم الإنسان (الأنثروبولوجيا)، وعلم الأديان المقارن، فهل بدأ الإنسان مؤمنًا بإله واحد ثم انحرفت معتقداته مع الزمن، أم أنه بدأ بعبادة قوى الطبيعة ثم تطورت أفكاره الدينية تدريجيًا؟ وقد انقسم الباحثون في الإجابة عن هذا السؤال إلى مدارس متعددة، ولا يزال النقاش العلمي والفلسفي مفتوحًا حتى اليوم.
ترى طائفة من الباحثين في تاريخ الأديان أن الإنسان الأول وجد نفسه أمام كون هائل تتجاوز ظواهره قدرته على الفهم؛ فالبرق والرعد، وتعاقب الليل والنهار، والشمس والقمر، وتعاقب الفصول، والموت والولادة، والفيضانات والجفاف، كلها أحداث بدت له خارجة عن إرادته وسيطرته. وأمام هذا العجز، بدأ يبحث عن قوة خفية تفسر ما يجري حوله، فاعتقد أن وراء كل ظاهرة روحًا أو كائنًا غير مرئي يتحكم بها، ومن هنا ظهرت المعتقدات الروحية الأولى، ثم تطورت إلى عبادة عناصر الطبيعة، فكانت الشمس إلهًا للنور، والقمر إلهًا للخصب، والنهر مصدرًا للحياة يستحق التقديس، والجبال موطنًا للقوى الغيبية.
قد يظن البعض أن عبادة الأصنام أصبحت جزءًا من الماضي، وأن الإنسان المعاصر قد تجاوز تلك المرحلة مع تقدم العلم والتكنولوجيا، لكن التأمل في طبيعة المجتمعات الحديثة يكشف أن الأصنام لم تختفِ، بل غيّرت أشكالها ووسائل تأثيرها، فلم تعد تُنحت من الحجر أو الخشب، وإنما تُصنع من الأفكار، والمصالح، والصور الذهنية، وأنماط الحياة، حتى أصبحت أكثر خفاءً وأشد قدرة على التأثير.
لقراءة المقال كاملاً وتحميل الملف، أدناه:
Loading...
زر الذهاب إلى الأعلى