تُشكل ظاهرة الانشقاق الفكري والعقائدي واحدة من أكثر الظواهر تعقيداً في تاريخ الحركات الاجتماعية والسياسية، فعبر التاريخ، لم يكن خروج الفرد من منظومة فكرية ينتمي إليها مجرد حدث عابر، بل غالباً ما كان يترافق مع تحول جذرّي ينقلب فيه المنشق إلى الخصم الأشرس لتلك المنظومة، وتكتسب هذه الظاهرة أبعاداً شديدة الحساسية في الفضاء العراقي، حيث تتداخل التحولات السياسية الكبرى مع الإعادة المستمرة لتشكيل الهُويات الفرعية، وظهور الحركات العقائدية والحركية التي زاوجت بين العمل الديني (الحوزوي مثلاً) والنشاط السياسي أو المسلح.
نسعى إلى تفكيك هذه الظاهرة من خلال تجاوز التفسيرات السطحية التي تختزل التحول في العمالة أو تغيير القناعات المجرد، لتغوص في الديناميكيات النفسية (Psychological Dynamics) وعلم النفس الاجتماعي (Social Psychology) الذي يفسر تحول ابن البيئة إلى رأس حربة في مواجهتها، مع التركيز على آليات التوظيف الإعلامي والسياسي لهذه الشخصيات في سياق صراع المحاور الإقليمية.
لا يمكن فهم سيكولوجية المنشق دون تحليل الرحم الثقافي الذي خرج منه، فالشراسة المضادة هي ابنة الالتزام الصارم السابق، إذ تمثل مدينة النجف الأشرف، بحوزتها العلمية وتاريخها، مركز ثقل روحي وفقهي فائق الرمزية، والفرد الذي ينخرط في هذا الوسط، ويرتدي الزي الديني، لا يكتسب مجرد معارف فقهية، بل يمنحه المجتمع رأسمالاً رمزياً هائلاً.
يتعلم طالب العلم آليات الخطابة، التأويل، وتفكيك النصوص، ويصبح قادراً على مخاطبة الوجدان الشعبي مستخدماً مفاهيم متعددة مثل المقدس، التكليف الشرعي، والمظلومية التاريخية، وهذه الأدوات المعرفية والرمزية التي اكتسبها الفرد داخل الحوزة هي نفسها التي سيستخدمها لاحقاً عند الانقلاب، ولكن باتجاه معكوس.
من جانب آخر شهد العراق بعد سقوط النظام السابق- نظام صدام الطاغي- عام 2003 طفرة في نشوء التنظيمات الإسلامية الحركية، فلم يعد التدين طقساً عبادياً منزوياً، بل تحول إلى مشروع مقاومة أو مشروع سلطة:
انخرط كثير من الشخصيات الشابة (ومنهم حالة الدراسة الحالية غيث التميمي في بداياته مع التيار الصدري وجيش المهدي) في هذا الفضاء العقائدي الصلب.
تتميز هذه البيئات بـالتعبئة الشاملة، حيث يذوب الفرد في المجموع، ويصبح الولاء للقيادة ولقضية مواجهة الاحتلال أو الخصوم جزءاً من الهُوية الوجودية للفرد.
هذا الانغماس الكامل يعني أن أي شرخ يحدث لاحقاً بين الفرد والجماعة لن يكون خلافاً إدارياً بسيطاً، بل سيكون زلزالاً هُوياً يقتلع الفرد من جذوره الثقافية والاجتماعية.
سيكولوجية الانقلاب والقطيعة (الدوافع الذاتية)
تحلل الدراسة هنا اللحظة التي تنفصم فيها العرى بين الفرد وبيئته الأولى، وكيف تترجم نفسياً إلى تطرف مضاد.
اولاً:آلية التنافر المعرفي (Cognitive Dissonance) وشيطنة الماضي: عندما يقرر الفرد مغادرة الجماعة العقائدية- لأسباب قد تبدأ بخلافات شخصية، شعور بالتهميش، أو طموحات سياسية ومادية لم تتحقق- يواجه عقله الباطن أزمة حادة تُعرف في علم النفس بــالتنافر المعرفي، فالعقل لا يحتمل العيش في منطقة رمادية.
والحل النفسي المتاح هو القيام بـإعادة صياغة راديكالية للماضي، بحيث تتحول الجماعة السابقة في عين المنشق من جماعة رسالية- ربما يتخلل عملها بعض الاخطاء- إلى منظومة شيطانية مطلقة، وكلما زادت شيطنة الماضي، ارتاح ضمير المنشق في الحاضر وتأكد من صحة خروجه.
ثانياً: تكتيك التعويض الزائد (Overcompensation): المنشق الذي يعيش في بيئة جديدة كالمجتمعات الأوروبية أو في كنف محاور سياسية مناوئة لبيئته الأولى يظل ملاحَقاً بـشبهة الماضي، والحاضنة الجديدة تنظر إليه بريبة (أنت كنت معمم! وكنت مسلح! وكنت متطرف بحسب معاييرنا).
ولتبديد هذه الريبة ونيل صك الغفران الكامل، يلجأ المنشق إلى التعويض الزائد، ويتجلى هذا في تبني مواقف تصدم حتى الخصوم التقليديين في فجاجتها (مثل الانتقال من العداء المطلق “لإسرائيل” إلى القول بأن “إسرائيل” صديق وفلسطين ليست قضيتي، وهذا التطرف ليس تحولاً فكرياً عقلانياً، بل هو قربان نفسي وسياسي يقدمه المنشق لإثبات ولائه المطلق لحاضنته الجديدة.
استراتيجيات الخطاب المضاد وتكتيك الصدمة
لا يتحرك المنشق العقائدي في فضاء هجومي عشوائي، بل يعتمد خطابه على تكتيكات اتصالية مدروسة تهدف إلى تعظيم الأثر وتحقيق الغايات النفسية والسياسية المستهدفة.
اولاً: استغلال الشرعية المعكوسة (شاهدٌ من أهلها): تكمن القيمة الاستراتيجية للمنشق في لافتة الخبير بالداخل، والخصم الخارجي (الإعلام الغربي أو العربي الموجه) قد يفتقر إلى المصداقية عند مهاجمة الرموز الشيعية أو الحركية، لأنه يُصنف تلقائياً كـعدو تقليدي، هنا تبرز وظيفة المنشق:
هو يمتلك لغة القوم، ومصطلحاتهم، ويعرف جغرافيا النجف وكواليس الحوزة والفصائل المقاومة.
عندما يطلق اتهاماته، فإنه يقدمها تحت ستار الشهادة التاريخية الحصرية وكشف المستور، مما يعطي الأكاذيب أو القراءات المسيّسة صبغة الحقيقة المطلقة لدى المتلقي البسيط أو المشحون سلبياً.
ثانياً: تكتيك كسر الأيقونة والهيبة: تعتمد الحركات الرسالية وفصائل المقاومة على رأسمال كاريزمي وطهراني لقادتها، مستمد من تاريخ المقاومة، السجون، أو البعد العقائدي المرتبط بنيابة الإمام المهدي كولاية الفقيه، والهجوم بأسلوب الصدمة والفجاجة عندما يتعمد غيث التميمي إطلاق عناوين من قبيل القاعدة “الإسرائيلية” في كربلاء ومحاولة ربطها بـ(قيس الخزعلي وأبو فدك)، فهو يمارس عملية اغتيال معنوي وتجريد من القداسة.
واختيار كربلاء برمزيتها الشيعية الفائقة، وربط قادة المقاومة بـ”إسرائيل” (العدو الوجودي للمحور)، يهدف إلى إحداث صدمة إدراكية تفكك الصورة الذهنية الطاهرة لهؤلاء القادة في وجدان قواعدهم الشعبية، وتحويلهم في وعي الجمهور من قادة رساليين إلى أدوات نفعية أو عميلة.
ثم يتعمد ضرب الرمزيات العقائدية (تفكيك الوجدان الشيعي)، فالمنشق يعلم أن من بين نقاط قوة خصومه تكمن في البعد العقائدي العاطفي (عاشوراء، نصرة المظلوم، مقارعة يزيد) لذلك، يوجه طعناته مباشرة لهذه المحركات.
كما في مقولة مثل “لن أدعم السنوار لو كان عدوه يزيد” ليست مجرد رأي في القضية الفلسطينية، بل هي محاولة خبيثة لـفصل الكربلائية التاريخية عن الواقع المعاصر، هو يريد إقناع المتلقي بأن معارك المقاومة الحالية مجرد صراعات سياسية معزولة عن الأخلاق والدين، ليتسنى له لاحقاً تبرير خطابه الشخصي الصادم والمطبع مع “إسرائيل” تحت لافتة الواقعية والرياضيات.
التوظيف الجيوسياسي وصناعة “المنشق الوظيفي”
ننتقل بالتحليل من الدوافع الذاتية والنفسية للمنشق إلى البيئة الخارجية التي تحتضنه، وتديره، وتوظفه كأداة في الصراع الدولي والإقليمي.
اولاً: هندسة الإعلام البديل (البودكاست الموجه نموذجاً): نكتشف بعد المتابعة والملاحظة الدقيقتين بأن حلقة البودكاست التي ظهر من خلالها غيث التميمي وقام ببث أفكاره واطلاق عباراته كانت مرتبة وعبارة عن خطاب موجه تتطابق تماماً مع تكتيكات صناعة الرأي العام في الاتصال السياسي الحديث:
منصات البودكاست كواجهة محايدة: تُستخدم هذه المنصات لأنها توحي للمشاهد بالعفوية، والحرية، والبحث عن الحقيقة بعيداً عن قيود القنوات الإخبارية التقليدية.
هندسة الحوار المبرمج: المذيع في هذه الحالة لا يلعب دور المحاور المتفحص الذي يطالب بالأدلة، بل يلعب دور ممرر استراتيجي (The Facilitator)، والأسئلة والتقسيمات الزمنية للحلقة (العناوين المستفزة) يتم وضعها بعناية لضمان تدفق رسائل الضيف الصادمة دون تشويش، مما يحول المادة الإعلامية من حوار إلى بيان سياسي مغلف بـصراحة البودكاست.
ثانياً: نظرية الخيار العقلاني والاستثمار السياسي: المنشق في نهاية المطاف هو فاعل سياسي يبحث عن تعظيم مكاسبه والاستمرار في البقاء بعد أن قطع كل خطوط الرجعة مع بيئته الأصلية.
الحصول على اللجوء السياسي، الأمن، الشهرة، والتمويل في المنظومة الغربية أو لدى المحاور الإقليمية المعادية لولاية الفقيه، يتطلب دفع ثمن مستمر.
هذا الثمن هو الراديكالية المتصاعدة، فالمنشق يدرك أنه إذا تراجع أو تبنى خطاباً معتدلاً وموضوعياً، سيفقد قيمته الوظيفية لدى الجهات الراعية له، لذلك، نرى مبالغته المستمرة في الاستهداف، لأنه كلما زاد صراخاً وهجوماً، ضمن بقاء أضواء المنصات الإعلامية مسلطة عليه كـورقة رابحة في الحرب النفسية.
خاتمة
إن حالة الانقلاب الفكري والشراسة المبالغ فيها التي تمثلها نماذج كـغيث التميمي، لا تعبر عن مراجعة فكرية ناقدة حقيقية، فالنقد الأكاديمي الرصين يتسم بالموضوعية، والهدوء، ومناقشة الأفكار لا شخصنة الصراع والارتماء في أحضان المحاور المعادية وثوابت الأمة.
إنها حالة انشقاق وظيفي عاطفي، يلتقي فيها الجرح النفسي والرغبة في الانتقام الشخصي للمنشق، مع الحاجة الاستراتيجية للمحور الغربي والإقليمي لخلخلة الحاضنة الشعبية لخط المقاومة والخط الرسالي الحركي، ورغم القوة الصادمة للخطاب الإعلامي الموجه الذي تقدمه هذه الشخصيات، إلا أن مبالغته وفجاجته وتجاوزه للثوابت الإنسانية والعقائدية (كالتطبيع مع “إسرائيل” وشيطنة المقاومين) غالباً ما تؤدي إلى مفعول عكسي، حيث تسقط مصداقيته سريعاً في نظر الجماهير الواعية، ليتحول بمرور الوقت إلى مجرد ظاهرة صوتية عابرة تُستهلك وتُرمى بعد انتهاء صلاحيتها الوظيفية.